منذ فترة ليست ببعيدة كانت المنازل تعج بكابلات «كات 5» المستخدمة في توصيل أجهزة الحاسوب بشبكة الإنترنت. الآن، ومع انتشار الشبكات اللاسلكية، تكاد هذه الكابلات تختفي من المنازل. هذا هو الحال مع تطور التكنولوجيا، فالاختراعات المختلفة مستمرة في استبدال بعضها بعضًا. لكن وحدات التخزين «فلاش» مازالت تُستخدم حتى الآن وبكثرة. في تقرير لمجلة «ذا أتلانتيك» يشرح «بول دوريش» الأسباب التي جعلتها تستمر حتى الآن، بل وأن تتواجد في كل مكان.

وحدة التخزين «الفلاش» موجودة في كل مكان هذه الأيام، بل وأصبحت توزع كدعاية وتستخدم لتوزيع محاضر الاجتماعات والملحقات في المؤتمرات، كما تتوفر بأشكال وأحجام مختلفة، لتصبح من العناصر الأساسية في المشهد التكنولوجي المعاصر. ثمة مفارقتان عميقتان في هذا الانتشار الكثيف:

أولًا

أصبح العالم متصلًا ببعضه الآن أكثر من أي وقت مضى، والناس يحتاجون باستمرار لتبادل الملفات بينهم، ويبدو أن أكثر الطرق فاعلية وكفاءة لنقل الملفات من جهاز لآخر هو استخدام وحدات «الفلاش». تقريبًا كل أجهزة الحاسوب المحمولة هذه الأيام تحتوي على ثلاثة أو أربعة أشكال للاتصال السريع، مع هذا وحدات «الفلاش» تهزمها جميعًا كأكثر الطرق شعبية لمشاركة الملفات. من المضحك أن نقل الملفات عبر آلاف الأميال شديد السهولة، لكن نقلها لمسافة أمتار قليلة بالغ الصعوبة. حتى خاصية «إيردروب» الجديدة التي طورتها شركة «أبل» والتي تعد فعلًا من أفضل الحلول لهذه المشكلة حتى الآن هي خاصية متطلبة ويجب أن تستخدم مع أجهزة بعينها.

ثانيًا

بالأخذ في الاعتبار التطور التكنولوجي السريع، فإن تكنولوجيا «يو إس بي» التي تعتمد عليها وحدات «الفلاش» تعتبر بدائية، وكان التحدي الذي واجهته هذه التكنولوجيا هو أن تستطيع العمل بسلاسة وسهولة على كل الأجهزة. الحل كان استخدام تكنولوجيات تعرف باسم نظام الملفات (FAT)، وهو نظام بسيط يعتمد على هياكل بدائية للبيانات. كان هذا النظام قد ابتكر في الأساس لتشغيل وحدات التخزين القديمة Floppy Disk، وهي تعتبر أكثر الطرق بساطة لتمثيل البيانات على وحدات تخزين. كان قد تم تطويرها وتنفيذها عن طريق لغة البرمجة الشهيرة الخاصة بمايكروسوفت، لغة «بيسيك».

مر وقت طويل إذًا على استبدال هذه الأشكال من التكنولوجيا بأشكال أخرى أحدث، لكنها مازالت تعتمد نسخة من نظام الـ FAT بداخلها. تختبئ نسخة الـ FAT إذًا داخل الأشكال الأعلى سرعة والأكثر تعقيدًا وكفاءة من تكنولوجيا تخزين البيانات. لحظات استخدام نظام FAT هي ردة تكنولوجية كبيرة، كأن جهاز الحاسوب يستعمل بداخله عقل حيوان بدائي.

هل تتطور التكنولوجيا بسرعة كبيرة حقًا؟

وحدة الذاكرة «الفلاش» تكشف الكذبة الكبرى للتقدم التكنولوجي وهي فكرة أننا نترك الأشياء القديمة خلفنا ونتقدم للأمام. خبير تاريخ التكنولوجيا «ثوماس هجز» يطلق على هذه الأجهزة اسم أجهزة التطور العكسي. وهي الأشياء التي تعترض وتعيق حركة التكنولوجيا وتُظهر الحقيقة المرة خلف كل عرض كاذب لتكنولوجيا جديدة من الشركات الكبرى مثل آبل أو جوجل أو مايكروسوفت. أنظمة جديدة يتم تركيبها سويًا من أجزاء قديمة، فالتكنولوجيا الجديدة هي مجرد ترقيع لمجموعة تكنولوجيات من الماضي. يتضح إذًا أن أحلام المستقبل التكنولوجي الباهر معتمدة على الماضي بشكل أكبر مما نستطيع الاعتراف به.

ربما انتشار وحدات «الفلاش» يساعد في دحض فكرة أخرى وتخوف منتشر، وهي أن التكنولوجيات تتطور بشكل مذهل وسرعة كبيرة بينما نحن البشر نتحرك ببطء شديد. إنها فكرة تؤرق الشركات الناشئة الجديدة، وهي حتمية أن تجاري في سرعتك تطور التكنولوجيا. أن تصبح رقميًا يعني أن تصبح متطورًا، متغيرًا دائمًا، سريع التحول والتكيف مع الوضع الجديد. على النقيض، أن تكون بشرًا يعني أن تكون مقاومًا للتغيير وبطيئًا في التأقلم. يتوقف «دوريش» إذًا عند فكرة التطور شديد السرعة لينظر لها بشكل مختلف، في ضوء عنصر مثل نظام الملفات الذي لم يستطع العالم تركه منذ عام 1977.

على أي حال، أنظمة تكنولوجيا الحاسبات ما زالت محشوة بالأفكار والتقنيات التي تبدو بفحص دقيق، تبدو وكأنها طورت قبل وقت طويل من بيعها. مع هذا يبدو الناس مؤمنين تمامًا بفكرة أن التكنولوجيا سريعة التطور، لدرجة أنهم يشعرون بعدم ارتياح شديد عند تقديم فكرة مختلفة. حين أرادت باحثة أن تقوم بدراسة عن كيف تصبح التكنولوجيا قديمة وتندثر سألها زميل لها لماذا تريد أن تدرس موضوعًا كهذا بتاريخها المهني الطويل.

الناس سيستمتعون دائمًا بالحديث عن قصص المركبة الفضائية التي هي إعجاز هندسي حديث وتعمل في مختبرات متطورة للعلوم والتكنولوجيا، لكن حين تُروى لهم تفاصيل أكثر، ويعرفون أن الماركة التي أطلقت في عام 1980 اعتمدت على رسومات هندسية من العام 1970 والتي اعتمدت على أجزاء صنعت عام 1960 بناء على تكنولوجيا تم تطويرها عام 1950، يبدأ الناس في الارتباك، هذه ليست فكرة سعيدة ومثيرة للفخر ليتحدثوا عنها.

يحدث هذا ربما بسبب أن الأنظمة الرقمية تستحضر بالضرورة معاني ما هو جديد وأفضل وأكثر تطورًا، أو ربما بسبب أن التكنولوجيا الرقمية مرتبطة بالخطابات الثورية، أو ربما لأن الناس ببساطة يخلطون بين حجم التطور التكنولوجي وسرعته. بغض النظر عن السبب، ربما حان الوقت لتكملة الحديث عن أجزاء الثانية والميكروثانية ببعض الحديث عن السنوات والعقود. لأن التاريخ التكنولوجي ما زال حيًا حتى الآن بداخل أحدث التقنيات والتطبيقات.

قد يشعر مطورو أوائل البرامج التي استخدمتها الحواسيب، قد يشعرون بالانبهار أمام ما تستطيع الحواسيب اليوم أن تفعله. لكنهم يجب أن يكونوا متأكدين تمامًا من أن عملهم ما زال يستخدم بفاعلية حتى الآن. في أحدث إصدارات نظم التشغيل سواء للحواسيب أو للأجهزة المحمولة، سيكون من المؤكد وجود دعم لنظام FAT، والذي سيظل موجودًا في أي عدد من الأجهزة الرقمية الأثرية التي عفا عليها الزمن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد