نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» مقالًا لشارون أوستين، أستاذة العلوم السياسية ومديرة برنامج الدراسات الأمريكية الأفريقية بجامعة فلوريدا، عقدت فيه مقارنة بين أوضاع الأمريكيين السود في عام 1968 وما آل إليه حالهم الآن من الناحية الاقتصادية والمالية والقانونية. وأبرزت أيضًا في مقالها جهود مارتن لوثر كينج في القضاء على العنصرية المؤسسية.

خلصت شارون في مقالها الذي ظهر أولًا على موقع «ذا كونفرزيشن» إلى أن الأمريكيين السود يعتمدون اليوم اعتمادًا أكبر على الإعانة الحكومية أكثر مما كانوا عليه في عام 1968.

تاريخ وفلسفة

منذ 7 شهور
«الجارديان»: 8 رؤساء امتلكوا عبيدًا.. مختصر تاريخ السود في أمريكا منذ 4 قرون

تقول شارون في مستهل مقالها: «في ذلك الوقت، منذ أكثر من نصف قرن، كان الاندماج العرقي الشامل الذي يقتضيه قانون الحقوق المدنية لعام 1964 مجرد بداية للقضاء على العنصرية في التعليم والوظائف والمرافق العامة. ولم يحصل الناخبون السود على حمايات قانونية سوى قبل ذلك بعامين، وكان الإسكان العادل على وشك أن يكون قانونًا في عام 1968».

الأمريكيون الأفارقة فقط كانوا يبدأون الانتقال إلى المدن المجاورة والجامعات والوظائف، التي كانت ذات مرة حِكرًا على البيض فقط.

وتضيف شارون: «إنني صغيرة على أن أتذكر تلك الأيام. لكنَّ سماع حديث والداي عن أواخر الستينيات، يبدو في بعض الجوانب كعالم آخر. الأمريكيون الأفارقة الآن يشغلون مناصب رفيعة، بدءًا من عمدة إلى حاكم ورئيس تنفيذي بالشركات، ونعم، في يوم من الأيام، رئيس. الولايات المتحدة مكان مختلف للغاية عما كانت عليه في عام 1968.

وتستدرك الكاتبة: «أم أن هذا غير صحيح؟ إنني باعتباري باحثة في الحياة السياسية للأقليات، أعلم أنه بينما تحسَّنت بعض الأشياء تحسنًا ملحوظًا بالنسبة للأمريكيين السود في الـ50 عامًا الماضية، إلا أننا اليوم لا زلنا نخوض العديد من المعارك ذاتها التي خاضها الدكتور كينج في عصره».

كان هذا في الماضي

الستينيات كانت فترة مضطربة بالفعل، على حد تعبير شارون؛ ففي تلك السنوات الساخنة من عام 1965 إلى عام 1968، شهدت المدن الأمريكية زهاء 150 حالة من أعمال الشغب العرقية وانتفاضات أخرى. كانت الاحتجاجات علامة على غضب المواطنين البالغ تجاه الدولة التي كانت، بحسب اللجنة الاستشارية الوطنية المعنية بالاضطرابات المدنية، «تتجه إلى أن تكون مجتمعين- مجتمعًا أبيض وآخر أسود –منفصلين وغير متساوين».

متظاهرون من الأمريكيين الأفارقة يحملون نعشًا فوقه لافتة تقول: «هنا يرقد جيم كرو»، وهو الرئيس الأمريكي الذي أسس لقوانين الفصل العنصري.

على الصعيد الاقتصادي، كان هذا صحيحًا بالتأكيد. ففي عام 1968، كان 10% فقط من البيض هم الذين يعيشون تحت خط الفقر، في حين عاش 34% من الأمريكيين الأفارقة في المستوى ذاته. أيضًا، 2.6% فقط من البيض الباحثين عن عمل كانوا عاطلين، مقارنة بـ 6.7% من الباحثين عن العمل من السود.

وقبل عام من وفاته، بدأ الدكتور كينج وآخرون تنظيم «حملة الفقراء» من أجل «تسليط الضوء على محنة فقراء أمريكا من جميع الأعراق والتوضيح بكل جلاء أنهم ملُّوا وسئموا من انتظار حياة أفضل».

وفي 28 مايو (أيار) 1968، بعد مرور شهر واحد على اغتيال كينج، نُظِّمَت مسيرة جماهيرية للقضاء على الفقر. وأنشأ أفراد من جميع أنحاء البلاد مدينة خيام على أرض منتزه «ناشونال مول» في واشنطن، وأطلقوا عليها «مدينة البعث». وكان الغرض منها هو توجيه الانتباه إلى المشكلات المصاحبة للفقر.

رالف أبرناثي، الوزير الأمريكي-الأفريقي، اضطلع بالدور الريادي الذي كان يتصدى له صديقه الفقيد. وقال أبرناثي: «نطالب بفتح الأبواب أمام نحو 50 مليون أمريكي لم يحصلوا على حصة عادلة من الثروة والفرصة الأمريكية». وأضاف «وسوف نناضل حتى نحصل عليها».

هذا هو وضع الأمريكيين السود حاليًّا

تستدرك شارون: «لذا، إلى أي مدى تقدم السود منذ عام 1968؟ هل حصلنا على نصيبنا بعد؟ هذان السؤالان خطرا على بالي كثيرًا خلال هذا الشهر. الفقر لا يزال شائعًا للغاية في الولايات المتحدة. وفي عام 1968، عاش 25 مليون أمريكي – ما يناهز 13% من السكان- تحت خط الفقر. وفي عام 2016، عاش 43.1 مليون أمريكي –أو ما يربو على 12.7 من السكان- في المستوى ذاته».

معدل الفقر بين الأمريكيين السود اليوم، والذي يبلغ 21%، هو ثلاثة أضعاف معدل الفقر بين البيض. ومقارنة بمعدل عام 1968 الذي يبلغ 32%، ليس هناك تحسن كبير

كما أن معدل الفقر بين الأمريكيين السود اليوم، والذي يبلغ 21%، هو ثلاثة أضعاف معدل الفقر بين البيض. ومقارنة بمعدل عام 1968 الذي يبلغ 32%، ليس هناك تحسن كبير. الأمن المالي، كذلك، لا يزال يختلف اختلافًا كبيرًا بحسب العرق. وفي عام 2018، كان دخل أسر السود يبلغ 57.30 دولارًا، من كل 100 دولار حصلت عليه عائلات البيض. ومن كل 100 دولار في ثروة العائلات البيضاء، حصلت عائلات السود على 5.04 دولارات فقط .

وثمة جانب مزعج آخر فيما يخص التقدم الاجتماعي للسود – أو عدم التقدم- يتمثل في عدد عائلات السود التي تعولها نساء غير متزوجات. وفي الستينيات، كانت النساء غير المتزوجات هن المعيل الرئيس لـ20% من الأسر. وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت النسبة لتصل إلى 72%.

توضح الكاتبة أن هذا شيء مهم، ولكن ليس بسبب بعض المُثُل الجنسانية التي عفا عليها الزمن للعائلة. وفي الولايات المتحدة، وفي جميع أنحاء الأمريكتين، ثمة ارتباط قوي بين الفقر والأسر التي تعولها إناث.

الأمريكيون السود اليوم أصبحوا أيضًا أكثر اعتمادًا على الإعانة الحكومية أكثر مما كانوا عليه في عام 1968؛ ذلك أن نحو 40% من الأمريكيين الأفارقة فقراء بما يكفي للحصول على إعانة ومساعدة سكانية وبرامج حكومية أخرى تقدم دعمًا متواضعًا للعائلات التي تعيش تحت خط الفقر.

هذه الإعانة أكبر مما تحصل عليه أي مجموعة عرقية أمريكية أخرى. وفقط 21% من اللاتينيين و18% من الأمريكيين من أصل أسيوي و17% من البيض يعيشون على الإعانة.

نقاط مضيئة 

وتقول الكاتبة: هناك بالطبع اتجاهات إيجابية؛ فاليوم هناك الكثير من الأمريكيين الأفارقة يتخرجون في الجامعة -38%- أكثر مما كانوا عليه منذ 50 عامًا.

وتضيف: «دخلُنا أيضًا يزداد؛ ذلك أن البالغين من السود سجَّلوا زيادة كبيرة للغاية في الدخل منذ عام 1968 إلى عام 2016 – إذ ارتفع الدخل من 28.667 دولارًا إلى 39.490 دولارًا – أكثر من أي مجموعة ديموجرافية أمريكية أخرى. وهذا هو، جزئيًا، السبب في وجود طبقة متوسطة كبيرة من السود الآن.

فنون

منذ سنة واحدة
كيف يمكننا تتبع تاريخ العنصرية من خلال اللوحات الفنية؟

من الناحية القانونية، ربما يعيش الأمريكيون الأفارقة في أي مجتمع يريدونه؛ من بيفرلي هيلز (مدينة في كاليفورنيا) إلى أبر إيست سايد (في نيويورك)، بوسعهم ذلك وهذا ما يفعلونه.

ولكن لماذا ليست تلك المكاسب أعمق وأكثر انتشارًا؟

تجيب الكاتبة: «بعض المفكرين البارزين، من بينهم الكاتب الحاصل على جائزة تا-نيهيسي كوتس، ومؤلفة كتاب «The New Jim Crow» ميشيل ألكسندر – حمَّلوا العنصرية المؤسسية مسؤولية ذلك. ويزعم كوتس، ضمن أمور أخرى، أن العنصرية أعاقت الأمريكيين الأفارقة على مر التاريخ، على نحو يستحق التعويض، مما يعيد إحياء مطالبة لها تاريخ طويل في نشاط السود».

ميشيل إلكسندر، من جانبها، صرحت بمقولتها الشهيرة بأن التنميط العرقي والسجن الشامل للأمريكيين الأفارقة هما فقط مجرد أشكال معاصرة من العنصرية المؤسسية القانونية التي حكمت ذات مرة في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية.

وتشير شارون إلى أن «المزيد من المفكرين المحافظين ربما يُحَمِّلون السود فقط مسؤولية مشكلاتهم. ووزير الإسكان والتنمية الحضرية بن كارسون يتبنى نظرية «المسؤولية الشخصية»، إلى جانب مفكرين أمثال توماس سويل ولاري إيلدر».

بالتالي، بالاعتماد على من الذي تسأله، فالسود ليسوا أفضل حالًا بكثير مما كانوا عليه عام 1968؛ إما لعدم وجود مساعدة حكومية كافية، أو لأن هناك الكثير منها على نحو مبالغ فيه.

ما الذي كان سيفعله مارتن لوثر كينج؟

تقول شارون: «لا داعي للتساؤل عمَّا يوصي به الدكتور كينج؛ ذلك أنه آمن بوجود عنصرية مؤسسية. وفي عام 1968، سعى كينج ومجلس القيادة المسيحية الجنوبية إلى التصدي لعدم المساواة من خلال «قانون الحقوق الاقتصادية Economic Bill of Rights». لم يكن هذا مقترحًا تشريعيًا، في حد ذاته، لكنَّه رؤية أخلاقية من أجل أمريكا عادلة يتمتع فيها كافة المواطنين بفرص تعليمية، ومنزل و«إمكانية حيازة الأرض» و«فرص عمل ذات شأن بأجر معيشي» و«دخل آمن وكافٍ».

كتب كينج أنه ينبغي على الحكومة الأمريكية إطلاق مبادرة «للقضاء على البطالة» وذلك باستحداث حوافز لزيادة عدد الوظائف للأمريكيين السود.

حتى نحقق ذلك، كتب كينج أنه ينبغي على الحكومة الأمريكية إطلاق مبادرة «للقضاء على البطالة» وذلك باستحداث حوافز لزيادة عدد الوظائف للأمريكيين السود. كما أوصى بـ«برنامج آخر لاستكمال دخل أولئك الذين تكون دخولهم تحت خط الفقر».

تلك الأفكار، على حد تعبير الكاتبة، كانت ثورية في عام 1968. واليوم يتبين أنها نافذة البصيرة. ونظرية كينج التي تقول إن كافة المواطنين يحتاجون أجرًا وظيفيًا تكتسب الآن زخمًا في جميع أنحاء العالم.

خطاب كينج وأيديولوجيته لهما تأثير ظاهر على السيناتور بيرني ساندرز، الذي دعا في الانتخابات الرئاسية التمهيدية عامي 2016 و2020 إلى المساواة بين جميع الناس ومنح حوافز اقتصادية للأسر العاملة وتوفير مدارس مُحسَّنة وزيادة فرص الحصول على التعليم العالي وإطلاق مبادرات لمكافحة الفقر.

وتعترف الكاتبة بأن التقدم تحقق، لكن ليس كما يرغب فيه الكثيرون.

واختتمت شارون مقالها بالإشارة إلى مناجاة الدكتور كينج: «ربي، نحن لسنا كما ينبغي أن نكون. نحن لسنا ما نريد أن نكون. نحن لسنا ما سنكون. ولكن، شكرًا للرب، نحن لسنا كما كنَّا».

تاريخ

منذ 3 شهور
استغلال جنسي أم عاطفة حقيقية؟ قصة رئيس أمريكا وجاريته السوداء

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد