هل تستطيع تخيل حياتك دون واي فاي؟ أمضى الصحافي الكندي جو بيجل خمسة أعوام من عمره دون اتصال بالواي فاي، فما الذي دفعه لذلك؟ وما هو تقييمه لتجربته؟ كتب بيجل المقال التالي يحكي فيه عن تجربته. قال بيجل:

عندما يزور الأصدقاء شقتي، فإنهم عادة ما يسألون عن رقم مرور شبكة الواي فاي. ومعظمهم يندهشون عندما يكون ردي:

«أنا آسف حقًّا، لكن ليس عندي واي فاي».

إحدى أقدم ذكرياتي مع والدي -كنت حينها في الخامسة أو السادسة من عمري- كانت وهو يقوم بتثبيت موقع Disney.com على متصفح نتسكيب نافيجاتور؛ ليريني لقطات من أفلامي المفضلة. أذكر أنني كنت ساعتها فاغرًا فمي دهشةً.

كان والدي مهندس برمجيات مهووسًا بالتكنولوجيا، لذا فقد كان بيتنا من أوائل البيوت في الحي التي كان لديها إنترنت عن طريق خط الهاتف. وبعد ذلك بسنوات كنا من أوائل الناس الذين حصلوا على إنترنت النطاق العريض (برودباند) السريع. وانتهى بي المطاف من زيارة موقع Disney.com إلى محادثات MSN، وزيارة موقع Habbo Hotel، وقضاء جلسات طويلة مع ألعاب الفيديو على أجهزة إكس بوكس لايف.

مع أنني لن ينطبق عليّ، هذه الأيام، وصف «مهووس بالتكنولوجيا» (فأنا لا أمتلك الكثير من الأدوات، ولا أستطيع التشفير، بعكس والدي)، إلا أنني حين كنت صغيرًا، كنت مسحورًا بالشبكة العنكبوتية، واتساعها المذهل. أتذكر تنزيلي أول أغنية بصيغة إم بي ثري من موقع kazaa، وأتذكر الشعور السحري الذي انتابني عندما فتحت أول حساب لي على موقع Hotmail. أتذكر عمل أول موقع لي، وأتذكر أطول فترة قضيتها أمام الجهاز في مشاهدة مقاطع فيديو على موقع funnyjunk.com. أتذكر الآثار التي غيرت حياتي عندما اشتريت أول كاميرا ويب، وعندما أنشأت حسابي على فيس بوك، وأنا في أولى سنوات الثانوية العامة.

واسترسل بيجل قائلًا:

ومع ذلك، فعند نقطة ما، قد فقدت شغفي بصديقي القديم: الإنترنت. واليوم، صارت رؤيتي لهذا الصديق أقل من أي وقت مضى.

أنا الآن داخل محل لبيع البيتزا في نيوكولن، أحد الأحياء الصاخبة شرق برلين. صاحب المحل، الذي له أنف يشبه البصلة، ينظر إلى بشك بعد أن عرف أنني لا أتكلم الألمانية. سألته، مباشرة بخراقة، عبثًا، عن رقم مرور الواي فاي. للمرة الأولى منذ طفولتي أكون محرومًا تمامًا من الإنترنت: لا هاتف من هواتف الجيل الثالث (3G)، ولا شقة متصلة بالإنترنت يمكن الذهاب إليها.

خمن صاحب محل البيتزا، أخيرًا، ما كنت أبحث عنه، وأعطاني رقم المرور.

وكأنني مدمن مصاب بأعراض الانسحاب (وكان هذا بعد الحرمان من الإنترنت لساعات فحسب. تذكروا هذا) وجدتني أقوم تلقائيًّا بإعادة تحميل كل الصفحات المعتادة، فيس بوك، وتويتر، وهاكر نيوز، وريديت، وميديم، وجيميل. أيضًا كنت أحاول بجنون أن أتصل بمضيفي على Airbnb، الذي اتضح لاحقًا أنه ليس حتى متواجدًا في المدينة.

ليس الأمر أنني لم أقض وقتًا دون إنترنت من قبل، لكنَّ الوصول للإنترنت لم يكن بمثل هذه الصعوبة من قبل. فقد تخلصت من الواي فاي منذ خمسة أعوام عندما انتقلت إلى شقتي الأولى. كان تصفح الإنترنت يقتضي القيام برحلة إلى مقهى، أو مكتبة الحرم الجامعي، أو جلسة 3G data مكلفة (دائمًا ما كانت فواتير هاتفي عالية بشكل لا يصدق).

إنَّ عدم وجود واي فاي في منزلك شبه رادع، إذ يمنعك من أكثر أنواع تضييع الوقت على الإنترنت مثل ألعاب الفيديو، ونتفليكس. تشعر أنك أقل اتصالًا، وأكثر عرضةً لالتقاط كتاب. تشعر بالوحدة والملل والانعزال عن العالم، وكل غضبه المتعب. لا تشعر أنك مجبر دائمًا على متابعة رسائلك، وإشعاراتك، وما تحصل عليه من إعجابات، ورسائل بريد إلكتروني، والمواقع الإلكترونية.

ولكنك لو كنت تملك هاتفًا، فهناك دائمًا هذا الإغواء الحاضر بأن تتصل بالإنترنت، وتتابع الأخبار.

وكأنَّ أيًّا من الأشياء التي حدثت في الربع ساعة الأخيرة قد يكون مهمًا بأي حال!

وأضاف بيجل:

قال المؤلف جوناثان فرانزن ساخرًا ذات مرة: «من المشكوك فيه أن يكتب أي شخص لديه اتصال بالإنترنت في مكان عمله، أدبًا جيدًا». ولما كنت نصف أديب، فإنه لا يسعني إلا أن أتعاطف مع صراحة فرانزن الحادة.

إنَّ الكتاب يكسبون قوت يومهم من العزلة مع أفكارهم، لكن عندما تكون دائم الاتصال بضوضاء الإنترنت التي لا تهدأ، فإنَّ هذه العزلة لا تحدث أبدًا تقريبًا.

حتى في عصر ما قبل الإنترنت، كانت المشتتات شيئًا ينبغي للكتاب مواجهته. فقد تخلص ديفيد فوستر والاس من جهاز التلفاز الخاص به، وكان عليه أن يذهب إلى بيت جيرانه لمشاهدة الأخبار.

أما التخلص من عادة إدمان الإنترنت، فهو أمر أصعب. من الحكايات المشهورة التي تحكى عن فرانزن أنه وضع غراءً في فتحة الإنترنت بحاسوبه المحمول؛ لتجنب إغواء الاتصال بالإنترنت. كل من زادي سميث، ونيك هورنبي، وديف إدجرز، وناعومي كلين، يستخدمون مجموعة من التطبيقات المعقدة لحجب تشتيت المواقع مثل تطبيقات: سلف كنترول، وفريدم، وبلوك سايت.

بالنسبة لأولئك الذين يجرؤون على الكتابة خارج موقع تحرير النصوص الرائع medium.com (ومن ثم يوفرون 500  دولار)، فبإمكانهم حتى أن يشتروا فري رايت، وهو أول آلة كاتبة متصلة بالواي فاي تمكنك من الكتابة دون مشتتات، دون أي متصحفات، أو تطبيقات لتنشغل بها.

وقال بيجل متحدثًا عن أحدث خطواته في التخلص من قيد الإنترنت:

اتخذت، هذا الصيف، خطوة أكثر راديكالية، وذلك بعد أن مرت خمسة أعوام دون واي فاي في شقتي: تخلصت من هاتفي.

في الواقع، تخلص أحد الأصدقاء من هاتفي نيابة عني. وأعني بعبارة «أحد الأصدقاء» اللص الذي باغتني بخفة يده، وأخذ هاتفي الحبيب ذا خاصية الهوت سبوت.

اتخذت قرارًا واعيًا بألا أشتري هاتفًا جديدًا. وهكذا أمضيت الشهور الخمسة الماضية متنقلًا بجهاز آي بود تاتش قديم، لكنه جيد بما يكفي للدخول على تطبيق تِندر، عندما أسرق واي فاي محل البيتزا، لكن لا شيء أكثر من ذلك.

ألا يكون عندك هاتف (أو واي فاي) لهو أمر شديد العزلة. كل اتصالاتي تعتمد الآن على خليط من رسائل البريد الإلكتروني التي لا أتصفحها إلا نادرًا، ورسائل فيس بوك، وسلاك. لو قابلت أحدهم، فلا يمكن لكلينا الاتصال بأوديبل، ولا يمكن إلغاء الموعد في الدقيقة الأخيرة دون تعريض الآخر لأن ينتظر بلا جدوى.

أشعر أنني عضو في جماعة اللاضية. أشعر أنني أقل اتصالًا بكثير. يظن أصدقائي أنني إما مجنون، أو أنني مجرد شخص شديد الغرابة.

أحيانًا، في بعض الأوقات المتأخرة، مثل الليلة، لا يكون لدي خيار سوى الذهاب إلى محل البيتزا للاتصال بالواي فاي. وهناك أيام يكون لزامًا عليّ أن أبذل جهودًا قصوى لتلبية رغبات الزبائن، فأسرع للمقاهي لإجراء مكالمات جماعية بصوت خافت. ولكن، مع أنَّ الحياة دون واي فاي مزعجة، إلا أنها ممكنة بشكل يدعو للعجب.

وقال بيجل عن آثار الحياة دون واي فاي:

طبعًا لن تكون مطلعًا على أحدث دراما على موقع تويتر. لن تكون مواكبًا لأحدث «الميمات»، وسوف تعاني من الفراغ بسبب عدم معرفتك أحدث أخبار أصدقائك.

سوف تزعج نفسك بشتى الطرق الممكن تخيلها: سوف تعيش بلا ويكيبيديا، ولا سبوتيفاي، ولا جوجل مابس، ولا ترانزيت، ولا أوبر.

حرمني عدم الاتصال بالإنترنت من الكثير من مميزات الحداثة. ومع ذلك، فإنني نادرًا ما تساءلت عن تكلفة هذه المميزات، ولا أقصد هنا مجرد فاتورة الإنترنت الشهرية. مقابل كل الدقائق التي وفرتها التكنولوجيا، كنت أضحي بساعات من تركيزي، تستهلكني فيها تطبيقات تجعلني مبهور الأنفاس أمام محتوى فارغ.

واختتم بيجل الكلام عن تجربته، قائلًا:

لا أقول إنَّ الامتناع عن التكنولوجيا هو الحل الأمثل لإدمان الإنترنت. فهذا إجراء شديد الجذرية. لكنني بعد خمس سنوات، وآلاف الساعات التي كنت أقضيها على الإنترنت، والتي استعدتها الآن، صرت أعتقد أنَّ الحياة بعيدًا عن الإنترنت ربما تكون حلًّا لضعيفي الإرادة. إنَّ صفاء الذهن له ثمن. اعتذاراتي، لو استغرقت وقتًا في الرد على رسائلكم الإلكترونية.

سوف أسجل خروجي الآن.

جو

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد