يُعتبر التلوُّث ظاهرةً عالميةً آخذةً في التزايد، رغم التدابير التي تتخذها الدول محليًا وعالميًا في مختلف المعاهدات والاتفاقيات البيئية. وفي مقالٍ نشرته مجلة «الإيكونوميست»، اختارت المجلة تسليط الضوء على الهند، باعتبارها واحدةً من أكثر دول العالم تلوُّثًا. وتسرد السطور التالية قصة واحدةٍ من أكبر الكوارث الصناعية في التاريخ وتأثيرها على السكان. وتُسلِّط الضوء على مُسبِّبات التلوُّث الرئيسية في الهند وتقاعس الحكومة عن التصدي لها.

يبدأ المقال بالتنويه إلى أن أي شخصٍ يُقيم داخل المُستعمرة النوابية على أطراف مدينة بوبال الهند يعرف ضحيةً ما للتلوث. من هؤلاء الضحايا أنيسة، التي تبلُغ من العمر 20 عامًا، ولها وجه نجمةٍ بوليودية، لكنَّ أطرافها ضامرةٌ لدرجةٍ تمنعها من المشي. وهناك راج، البالغ من العمر 13 عامًا، بجسده المتقلِّص والعاجز يحمله والده على أكتافه كدميةٍ ضخمة. أما المُراهق الآخر شياملال، فيجلس وحيدًا على عتبة الباب، إذ يُعاني شللًا جزئيًا أخف حدة، ويُمكنه التكلُّم دون أن يسيل لعابه على الأقل. وعلى بعد خطواتٍ في الجانب الآخر من خطوط السكك الحديدية، يتضح أنَّ الرضيعة المحمولة على أكتاف والدتها ما هي إلَّا طفلة صلعاء جزئيًا تبلُغ من العمر ثلاث سنوات، وتُعاني حالةً شديدةً من التقزُّم، لدرجةٍ لا تستطيع معها رفع رأسها إلى الأعلى.

هذه الحالات السابق ذكرها تأتي ضمن 961 حالةً تبنَّاها صندوق «شنجاري تراست»، الصندوق الخيري المحلي الذي يتبنى حالات الأطفال من ضحايا أسوأ حادثةٍ صناعيةٍ في التاريخ. هؤلاء لم يكونوا على قيد الحياة حين تسرَّب حوالي 40 طنًا من غاز إيزوسيانات الميثيل إلى خارج مصنع مبيدات شركة «يونيون كاربايد»، ليقتل ما بين 4 آلاف إلى 16 ألف شخص. حدث ذلك عام 1984. وليست الغازات أو تأثيرها على ذويهم هي سبب إعاقاتهم، بل المياه المُستخرجة من الآبار المحلية التي تشرَّبت المواد السامة التي بدأ المصنع في التخلُّص منها عام 1969. وبعد أن هُجِرَ المصنع فجأة، ظل يُسرِّب سمومه إلى باطن الأرض في انتظار تنظيفه منذ ذلك الحين. وبحلول عام 2014، بموجب أوامر المحكمة، حصلت المستعمرة النوابية على مياه الأنابيب. لكنَّ الإمدادات تنقطع معظم الوقت، لذا يعتمد الكثيرون حتى الآن على المضخات اليدوية القديمة.

ووصفت «الإيكونومست» حالة اللامبالاة على المستوى الرسمي تجاه قرابة 100 ألف يعيشون في هذا الجزء الأكثر فقرًا من بوبال بأنَّها برهانٌ على فشل الهند في مواجهة التلوُّث على نطاقٍ أوسع. إذ يقع مقر الحكومة الوطنية في العاصمة دلهي، حيثُ يستنشق السكان ما يُعادل نصف علبة سجائرٍ في اليوم العادي، وقرابة العلبتين في أسوأ الأيام. أما الممرات المائية وبحيرات الضواحي في بنجالور، مركز التكنولوجيا المتقدمة في الهند، فترغي سمومًا أو تزبد انفجاراتٍ حارقة: في يناير (كانون الثاني)، قضى خمسة آلاف جندي قرابة السبع ساعات في إطفاء بحيرة بيلاندور، البحيرة التي تستقبل صرف الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة. وفي حيدر أباد، عاصمة الهند الدوائية، تتسرَّب المضادات الحيوية إلى الأنهار لتُسرِّع تطوُّر الميكروبات المُقاوِمة للعقاقير. وفي جميع أنحاء الهند، يَمُر ثلثا مياه الصرف الصحي في المناطق الحضرية دون علاج.

ونفت المجلة في حديثها أن يكون التلوُّث آفةً حضريةً فقط. إذ تُعتِمُ السماوات فوق سهل الغانج الشاسع المليء بالمزارع نتيجة دخان الديزل والفحم، كما يحدث في دلهي. ولا تُعَدُّ مياه نهر الغانج المُقدس صالحةً للاستحمام أو الشرب بطول النهر البالغ 2500 كيلومتر. إذ تسبَّبت عمليات تعدين الفحم في إزالة الغابات وتصدير انبعاثات الغبار الأسود إلى العديد من المناطق في وسط الهند. وعلى المدى البعيد، سيدفع المزارعون ثمنًا أكبر، إذ يُؤثِّر الاحتباس الحراري على الرياح الموسمية السنوية ذات الأهمية الحيوية، مما يُؤدي إلى ظروفٍ بيئية قاسية تتراوح بين السيول والجفاف المفاجئ.

جهودٌ قليلة ومتأخرة

وتابعت «الإيكونومست» سرد الحقائق مُؤكِّدةً على أنَّ الدولة الهندية لم تكن غافلةً تمامًا عن تلك الأزمة. إذ أطلقت خطةً لتنظيف نهر الغانج في عام 1986. وقبل 20 عامًا، خطت الهند خطوةً رائدةً بتحويل اعتماد وسائل النقل العام إلى الغاز الطبيعي. وسارعت الحكومة الحالية إلى تشديد المعايير الوطنية لانبعاثات الغازات الضارة، ودعَّمت الاستثمار في الطاقة المُتجدِّدة، وزادت من الحوافز التي تمنع الفلاحين من تنظيف حقولهم بالنيران. وخلال اجتماعٍ عُقِد الشهر الجاري في بولندا للإشراف على التقدُّم المُحرَزِ في جهود إبطاء التغيُّر المناخي، زعمت الهند أنَّها ستُحقِّق الأهداف التي حددتها في اتفاق باريس عام 2015 قبل حلول موعدها النهائي عام 2030.

وتقول سونيتا نارين من مركز العلوم والمناخ، وهو مركز بحثي في دلهي، إنَّ الأهداف المهمة التي تبنتها الحكومات المُتتالية تفتقر إلى وسائل التطبيق. وتُضيف: «لدينا الكثير من المؤسسات والعديد من القوانين الجيدة. لكن أين القدرة الفعلية والأفراد والأدوات؟». ومثالٌ على ذلك هو مَصهرَ النحاس العملاق المملوك لشركة «ستيرلايت»، في توتيكورين الواقعة أقصى جنوب الهند، والتي كانت موضوعًا للشكاوى البيئية لعقودٍ طويلة. وفي مايو (أيار)، احتشد السكان المحليون في تظاهرةٍ اعتراضًا على التوسعة المُخطَّطة للمَصهَر. وفتحت الشرطة النار على المتظاهرين لتقتل 13 شخصًا من بينهم. وأغلقت الدولة المصهر لشعورها بالإحراج. ولو كانت الدولة قد وضعت ضوابطَ لتنظيم التلوُّث، عوضًا عن التلميح إليه أو وقف الإنتاج ككل، كان خمسة آلاف عامل سيحتفظون بوظائفهم.

وفي كثيرٍ من الأحيان، تُنتِج السياسات الخاطئة آثارًا سامةً غير مقصودة بحسب المقال. ففي دفعةٍ جديدةٍ تجاه الاكتفاء الذاتي، شجَّعت الحكومة المزارعين على زراعة الأرز. وانحدرت الجداول المائية كما يجب، مما دفع العديد من الولايات إلى إجبار المزارعين على حرث زراعة الأرز في وقتٍ لاحق من العام، بعد بدء الأمطار الموسمية. وهو الأمر الذي أدى إلى تأخير أعمال الحصاد قرب دلهي إلى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) حين تتراجع حدة الرياح. وفي الوقت ذاته، تترك آلات الحصاد الجديدة كمياتٍ أكبر من القش. ومع قصر نافذة زراعة القمح الشتوي، لجأ المزارعون إلى أسرع السبل لتطهير حقولهم: الحرق. إذ يعلق الدخان ويتدفَّق بين الحقول في الشتاء، بعكس أشهر الرياح التي يتفرَّق فيها سريعًا.

وسلَّطت «الإيكونومست» الضوء على خطوةٍ أخرى اتخذتها الحكومة للحفاظ على أصوات المزارعين، إذ دعَّمت الديزل الذي تستخدمه معظم الجرارات والمضخات. وساعد ذلك في تحوُّل مُصنِّعي السيارات إلى المحركات التي تعمل بالديزل تحوُّلًا كبيرًا، فشكَّلت تلك المُحرِّكات ثلاثة أرباع استهلاك الوقود المُستخدم في دلهي، وتسببت في نسبةٍ كبيرة من الحبيبات المُسرطنة التي تجعل هواء العاصمة أكثر خطورة. وتُفضِّل الحكومة أيضًا استخدام الفحم في توليد الطاقة، ويرجع ذلك ظاهريًا إلى الرغبة في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد. لكنَّ الفحم الهندي يحتوي على نسبةٍ عاليةٍ من الرماد، وتُعاني شبكة النقل في توصيله إلى محطات الطاقة. ونتيجةً لذلك، تستورد الهند فحمًا بقرابة العشرين مليار دولار سنويًا. وفي الوقت ذاته، تظل محطات الطاقة التي تعمل بالغاز الأكثر نظافة «مقيدةً»، سواءٌ لكونها غير متصلةٍ بخطوط الأنابيب أو لرفض موزعي الكهرباء استخدامها.

ولكل تلك الأسباب ترى المجلة التفاخر الهندي بتحقيق التزاماتها المناخية تفاخرًا زائفًا. فالهند حددت لنفسها أهدافًا سهلة المنال، كان أحدها تقليص حجم الانبعاثات بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 35%. لكن مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% سنويًا، ستسمح تلك الزيادة بزيادة الانبعاثات بما يُعادل ثلاثة أضعاف. وتتوقع الهند أن تستهلك محطات الطاقة الأكثر تلويثًا للبيئة في العالم فحمًا أكثر بنسبة 50% بحلول عام 2030.

وأرجعت «الإيكونومست» السبب الأكبر في فشل الهند في التعامل مع التلوث بجدية إلى أنَّ ساستها نجحوا حتى الآن في تجاهل الطبقة المتوسطة. لكنَّ هذا أمرٌ آيلٌ للتغيير أخيرًا. وتقول سونيتا: «أرى التغيير يلوح في الأفق. لقد تزايد الغضب وأصبح حقيقيًا. لكنَّ التحرُّك لم يصل بعد إلى المستوى الذي ننشده».

مترجم: دروس من الهند وجنوب آسيا.. كيف يتحسن الاقتصاد في بلد متعدد الثقافات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد