نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية تقريرًا للكاتبة ويندل ستيفنسون، حول صناعة الكافيار، ربما يجيب عن أسئلةٍ تتبادر للذهن بشأن تلك الصناعة الغامضة، ويوضح أسباب أرتفاع أسعار الكافيار بشكلٍ مبالغ فيه، وعلاقة تلك الأسعار بالتسويق لفكرة الرفاهية أو تعزيز الحقد الاجتماعي والمكانة لدفع المستهلك لشرائه.

توضح الكاتبة أنَّها منذ عشرين عامًا، كانت تعيش في القوقاز، وعادةً ما كانت تزور مدينة باكو عاصمة أذربيجان على ساحل بحر قزوين. وفي تلك السنوات الفوضوية التي أعقبت سنوات الحقبة السوفيتية، حيث الحروب العرقية والاقتصادات الراكدة وعدم توافر الكهرباء بشكلٍ كافٍ، كان بإمكانها شراء نصف كيلو جرام من الكافيار الزيتي ذي اللون الرمادي المائل للأسود مقابل 50 دولارًا من السوق.

مترجم: علميًّا.. لماذا تشتهي المزيد من الأطعمة السريعة؟ وكيف تتحكم في الأمر؟

وحسب وصفها كان هناك مطعم أمريكي الطراز يقدم بوفيه إفطار مفتوحًا يضم العديد من الأطعمة المختلفة كالبيض، وشرائح اللحم والنقانق والفطائر، إلى جانب صحن كبير جماعي من الكافيار مقابل 10 دولارات.

وذات مرة، أخذت معها كيلوجرامًا كاملًا من الكافيار لصنع الشطائر إلى لندن، وتقول: «أتذكر أنَّنا كنا في استاد فيلا بارك، وكنا نمضغها على استحياء، أثناء فترة الاستراحة بين الشوطين، في مباراة كرة قدم خسر فيها فريق أرسنال أمام مانشستر يونايتد في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عام 1999».

وتشير إلى أنَّها بذلك ربما تكون قد استهلكت بعضًا من آخر كميات الكافيار البري في العالم، أي البطارخ الرمادية المائلة إلى السواد التي يضعها سمك الحفش وتُجمع بعد اصطياده من البحر، وليست الأسماك المزروعة في مزارع  الأنهار أو الأحواض الاصطناعية. ذلك أنَّه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، دمر التلوث والصيد الجائر مخزون سمك الحفش في بحر قزوين.

صناعة الكافيار بين الأمس واليوم

توضح الكاتبة أنَّه في منتصف التسعينيات، بدأت اتفاقية التجارة الدولية الخاصة بتجارة الأنواع المهددة بالانقراض تفرض حصصًا مُقيِّدة باستمرار، وفي عام 2006، أوصت بحظرٍ كامل على الصيد التجاري لسمك الحفش في بحر قزوين، ومن ثم ارتفعت الأسعار عنان السماء.

Embed from Getty Images

منذ ذلك الحين، أُنشئت مزارع لسمك الحفش في كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبلغاريا، وإيطاليا وإسرائيل ومدغشقر، وحتى في المملكة العربية السعودية. وتشير إلى أنَّ الصين الآن تنتج معظم الكافيار في العالم، وتتراوح تقديرات قيمة سوق الكافيار في العالم بين 350 و500 مليون دولار.

وبحسب ويندل، كانت أسعار الكافيار على الدوام غير مفهومة، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بلغ سعر الكافيار من نوع «أوسيترا» –كافيار روسي من النوع الجيد، لكنَّه ليس بجودة كافيار «البيلوجا»- حوالي ألف دولار للكيلوجرام الواحد، أما اليوم يتراوح سعره بين 2500 دولار و3500 دولار.

وفي حين أنَّ الإنتاج العالمي من الكافيار حاليًا يصل إلى حوالي 350 طنًا، أي أقل بكثير من الإنتاج من بحر قزوين قبل 30 عامًا، عندما كان بحر قزوين هو المصدر الفعلي الوحيد للكافيار، فإنَّ القيادة الاقتصادية السوفيتية، واحتكار القيادة السوفيتية لصادرات الكافيار، إضافةً إلى الرغبة في الحصول على العملة الصعبة، كان يعني أنَّ السعر لم يكن له علاقة بالعرض والطلب. لذا، مع استمرار زيادة المعروض من الكافيار المزروع، لا يسعنا سوى التساؤل: لماذا لا يزال سعر الكافيار مرتفعًا؟

لماذا السعر المبالغ فيه؟

تذكر ويندل أنَّها في الخريف الماضي، التقت شخصًا يُدعى أرمن بيتروسيان لتناول طعام الغداء في مطعمه الفاخر في باريس. تصفه بأنَّه رجل أنيق نبيل، يتحدث الإنجليزية والفرنسية والروسية، وكان يرتدي ربطة عنق، وشذَّب شاربه بعناية حتى هذب أطرافه بالشمع.

وبحسب التقرير، عندما أسس والد بيتروسيان وعمه المهاجران الأرمنيان أول مطعم للكافيار في باريس في العشرينيات من القرن الماضي، بذلا جهدًا مضنيًا من أجل خلق غموضٍ حول الكافيار، باعتباره طعام الملوك والأباطرة.

والآن، يعد بيتروسيان واحدًا من أكبر المشترين وتجار التجزئة في مجال الكافيار في العالم. ويقول عن ذلك ضاحكًا: «أحب أن أفكر في نفسي بأنَّني السيد 10 بالمائة»، في إشارة إلى رجل أرميني آخر يدعى كالوست جولبنكيان، والذي يُعرف بـ«السيد خمسة بالمائة»، وذلك بسبب حصة النفط التي حصل عليها من نفط بحر قزوين، عندما توسط للإخوان نوبل خلال طفرة باكو النفطية في أوائل القرن العشرين.

Embed from Getty Images

النوع والتعتيق

تصف الكاتبة طاولة الغداء التي قدمها لها بيتروسيان، وتقول «على الطاولة أمامي كانت هناك ست ملاعق كافيار، مملوءة بجرعات من ثلاثة أنواع من الكافيار، وهي «الأوسيترا»، و«الدوارينكي»، و«البايكا»»، وهي ثلاث سلالات من سمك الحفش.

شجعها بيتروسيان على تجربة كافيار «البايكا» من سمك الحفش السيبيري أولًا، وكان عبارة عن مربى سمك لونها معدني قليلًا، لكنَّ المذاق اختفى سريعًا ولم يعلق منه شيء في ذاكرتها حسب وصفها. واتفق بيتروسيان معها، وأضاف وهو يهز رأسه: «حبيباته صغيرة، وبالأحرى طعمه مداه قصير إلى حدٍ ما، طعمه لا يدُوم».

أما حبيبات كافيار «داورينكي» الأكبر قليلًا، وهو نوع من سمك الحفش المهجن من نوعين من سمك الحفش الضخم في نهر أمور باليابان، وهم «الكالوجا Huso dauricus» والحفش من نوع «أسيبنسير Acipenser schrenckii». كان له قوام إسفنجي شعرت به يقاوم أسنانها عند المضغ، وكان مذاقه حلوًا أومامي مألوفًا، وشعرت بمذاقه قويًا في حلقها. أما «الأوسيترا» -أفضلهم- كان له ملمس ناعم، لكنَّ طعمه أكثر تعقيدًا، وتضيف «كان عجيبًا وغامضًا».

أوضح لها بيتروسيان أنَّ من المثير للدهشة أنَّه عند حصاد بيض سمك الحفش للمرة الأولى «يكون له طعم أشبه بطعم الحليب، وغير مقبول على الإطلاق، فهو لبني كحامض اللاكتيك، وأشبه بتناول الزبادي القديم، ثم يُضاف له الملح ما يجعله مملحًا». وجرت العادة على استخدام كمية صغيرة من البوراك مادة حافظة، وهو نوع من الملح الطبيعي المعدني يستخدم في الصناعة، وأحد مكونات المنظفات (لكن يُحظر استخدامه باعتباره إضافة غذائية في الولايات المتحدة الأمريكية).

Embed from Getty Images

ثم أضاف أنَّ الطعم الحقيقي للكافيار يتطور مع نضجه أو تعتيقه، مثله مثل الخمور واللحم البقري والأجبان. إذ يُحفظ في علب قصديرية متعددة الكيلوات، وتُقلب بانتظام شهريًا لمدة تصل إلى 18 شهرًا. وعند سؤاله عن مدة عملية التعليق، أخبرها بيتروسيان وهو ينقر على جانب أنفه بأنَّ الوقت «يعتمد على حاسة التذوق».

وتشير ويندل إلى أنَّ بعض المستهلكين يشتكون من أنَ كافيار المزارع نكهته طينية بعض الشيء، ولا يمكنه منافسة الكافيار القادم من السمك البري. لكن يقول بيتروسيان إنَّ زراعة سمك الحفش صناعة حديثة، وأنَّ جودتها آخذة في التحسن طوال الوقت، فضلًا عن أنَّ الكافيار المزروع جيدًا لا يمكن تمييزه تقريبًا عن الأنواع البرية.

لكن، بالنسبة للمستهلك فالأمر معقد بحسب ويندل، إذ يواجه مجموعاتٍ متنوعة من المرطبانات المغلقة بإحكام، عليها أسعار تتجاوز الأربعين جنيهًا إسترلينيًا مقابل 30 جرامًا من الكافيار، وأخرى يصل سعرها إلى 300 جنيه إسترليني لنفس الكمية لكن بجودة أعلى، فضلًا عن أنَّ من الصعب تمييز الأنواع الجيدة عن «التخثرات اللزجة المهروسة» التي يُنتجها البعض عندما يفشلون في الوصول للقوام والملمس المطلوب للكافيار الجيد، لا سيما وأنَّ طلب المستهلك تذوق عينة يعد أمرًا غير ملائم.

بين التسويق والاحتيال والغش

تشير ويندل إلى أنَّ السوفيت استخدموا المصطلحات العلمية للأنواع لتصنيف الكافيار حسب جودته، وهم ثلاثة: «البيلوجا»، وهي أكبرهم، و«الأوسيترا»، و«السيفروجا»، إلا أنَّ جودة الكافيار متغيرة للغاية من نوع سمك للآخر، لدرجة أنَّ بيتروسيان نفسه يقول إنَّه كان متشككًا في أنَّ هذه التصنيفات تعسفية جزافية إلى حدٍ ما.

لكن حاليًا، يجب أن تؤكد ملصقات التصنيفات على نوع السمك والأصل، إلا أنَّ الكثير من الكافيار يُشحَن وتعاد تعبئته وتخزينه لدى العديد من الوسطاء والسماسرة في بلدٍ ثالث أو رابع، ويتعرض بعضها للتزوير أو الغش بالتأكيد. لهذا سألت ويندل بيتروسيان حول السبيل لمعرفة حقيقة النوع الذي يشتريه المستهلك، فأجاب: «يجب أن تثق بالعلامة التجارية، ما من وسيلة أخرى»، موضحًا أنَّ هذه هي طريقته هو أيضًا.

ويوضح التقرير أنَّ الكافيار كان دومًا يتعلق بالتسويق لا بجوهر المنتج. إذ يقول بيتروسيان أنَّه عند الحديث عن الكافيار تحسب كأنَّك «تجلس إلى جوار القيصر، أو شاه إيران، أو أعلى الهرم الاجتماعي الاقتصادي أو علية القوم، وعندما تقول كافيار، تتخيل رجلًا ممسكًا بسيجارٍ كوبي كبير ولديه سيارة رولز رويس؛ فهو علامة على الرخاء. إذا كنتَ ناجحًا، بالطبع سيمكنك تحمل تكلفة شراء الكافيار».

وعلى الرغم من أنَّ الكافيار كان دومًا طعامًا شهيًا باهظ الثمن، تؤكد ويندل أنَّها دائمًا ما كان يراودها إحساس بأنَّ الكافيار صار باهظًا بشكلٍ مفرط، إلا أنَّ بيتروسيان لم يقبل بهذا التوصيف، إذ لم يبدُ له أنَّ 60 يورو مقابل حصة 30 جرامًا من الكافيار هو سعر باهظ الثمن، على الرغم من أنَّ هذه التكلفة ليست حتى لأفضل أنواع الكافيار.

طعام الأثرياء!

تشير ويندل إلى أنَّه حسب ما جاء في مؤشر مجلة فوربس السنوية لتكلفة المعيشة المرفهة، والذي يتتبع ويقيس أسعار السلع الفاخرة -بما في ذلك سعر الكيلو من كافيار بيتروسيان- مقابل معدلات التضخم، فإنَّ جميع السلع الفاخرة تقريبًا باهظة التكلفة حتى بالنسبة لأكثر الطبقات غنًى، أو نسبة الواحد في المئة الأكثر ثراءً، إلا أنَّها تؤكد على أنَّ كل شيء نسبي في تلك المسألة، وهي إلى حدٍ كبير مثل الكثيرين في المستوى الاقتصادي المتوسط؛ قدرتها الشرائية أقل.

Embed from Getty Images

بيد أنَّ انخفاض أسعار الكافيار حقيقةً لا يصب في مصلحة أي طرف؛ فإذا ما خُفِّضَ سعر الكافيار بما يتناسب مع مستوى الطبقات المتوسطة ليماثل سعر سمك السلمون المدخن مثلًا، لن يكون على الأغنياء سوى البحث عن بديلٍ باهظ التكلفة للتباهي.

وتقول الكاتبة إنَّها من قبيل الصدفة شاهدت حلقة من برنامج يُذاع على هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بعنوان «في عصرنا». في البرنامج ناقش المذيع ميلفن براج وضيوفه آراء برنارد ماندفيل، الخبير الاقتصادي في القرن الثامن عشر الذي نسيه الكثيرون، والذي كتب أنَّ المجتمع يحتاج سلعًا فاخرة من أجل دفع الاستهلاك والنمو، من خلال الحسد والغيرة والمكانة الاجتماعية، وأشارت ويندل إلى أنَّ هذا يتفق مع جدلية أنَّ «الجشع أمرٌ جيد».

إلا أنَّها توضح أنَّ الترف مفهوم مرن. فعلى سبيل المثال، اعتقد السوفييت أنَّ طعام القيصر يجب أن يكون في متناول الجميع، ومن ثم اعتادوا بيع مرطبانات الكافيار منخفض الجودة بوزن 30 جرامًا  في السوق المحلية، في حين كانوا يصدرون الأنواع الجيدة إلى الغرب مقابل العملات الصعبة.

وتختتم تقريرها مؤكدةً أنَّ صناعة الكافيار توسعت بمقدار اتساع الفجوة في الدخول، ففي حين أنَّ أحد أصحاب المزارع السمكية النمساويين قد يغلف الكافيار من الحفش الأبيض بذهب عيار 22 قيراطًا أثناء صناعته، ثم يبيعه بأكثر من 100 ألف يورو للكيلو الواحد، فإنَّ أسواق «ليدل» التي تقدم عروضًا على أسعار الطعام تبيع العلب وزن 15 جرامًا بمبلغ 9.99 يورو، وهكذا يتضح أنَّ التطلع لتلك الرفاهية قد يكون مكلفًا للغاية، أو زهيدًا إن أردت.

«الإيكونوميست»: كيف أصبح الدجاج هو الطعام الأكثر شعبية في العالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات