في تقرير لصحيفة «بوسطن جلوب» الأمريكية، تحدثت الكاتبة إيمي كروفورد عن اتجاه جديد بين المؤرخين لدراسة تاريخ الحيوانات، وناقشت تأثير الإنسان السلبي على حياة الكثير من الحيوانات، وهو ما يؤثر على مستقبلنا نحن البشر، ومستقبل كوكبنا بأكمله.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت الأفيال هي مصدر الجذب الرئيسي لعروض السيرك في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ولفترة من الزمن، كان الفيل «جامبو» هو النجم الأكثر شهرة. وُلِد جامبو في السودان عام 1861، وانتقل بعد ذلك إلى حديقة حيوان لندن حيث دفع الأطفال المال للركوب على ظهره. مع نموّه، تمرّد جامبو على مدربيه، فقرروا بيعه إلى الأمريكي بي تي بارنوم، وهو أحد أشهر منظمي العروض في العالم. بظهوره في «العرض الأعظم على وجه الأرض»، حظي جامبو بشهرة واسعة، لكنّه لاقى نهاية مأساوية، إذ صدمه قطار أدى إلى وفاته وذلك عام 1885، أي بعد ثلاثة أعوام فقط من عبوره المحيط الأطلنطي.

في كتابها «حداثة الحيوان: الفيل جامبو ومعضلة الإنسان»، أشارت سوزان نانس المؤرخة بجامعة جيلف في أونتاريو إلى أن ظاهرة الحيوانات المشاهير ساعدت في تشتيت انتباه البشر عن المعاناة التي يسببونها للمخلوقات الأخرى التي تشاركنا الحياة على ظهر الأرض. جدير بالذكر أن نانس هي واحدة من المؤرخين الذين يعملون على دمج الحيوانات في كتابة التاريخ، وكتبت عن تاريخ سباقات الخيل ورياضة الروديو إضافة إلى السيرك، وتقول «طوال عدة قرون، كُتِب التاريخ ليسجّل قصص الإنسان وإنجازاته. لكنّ فهمي للتاريخ أنه يتضمن ماضي جميع الأنواع. نحن جميعًا جزء من التاريخ».

حتى وقت قريب، اعتبر المؤرخون الحيوانات فرعًا متخصصًا من التاريخ، لكنّه بدأ يحظى باهتمام أكبر في الفترة الأخيرة؛ فنُشِرت مقالات عنه في دوريات مرموقة، ويتم تدريسه في عدد من أفضل الجامعات في العالم، كما يتم حاليًا إنشاء متحف تاريخ الحيوانات في ولاية كاليفورنيا. وقد نشر المؤرخ الفرنسي إريك بارتاي مؤخرًا مجموعة من السير الذاتية الخاصة بالحيوانات البارزة، مثل الكلبين الضالين «Bummer» و«Lazarus» اللذين عاشا على قتل الجرذان في القرن التاسع عشر في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، قدمت الباحثة بجامعة ميريلاند دون داي بيلير في كتابها «آفات في المدينة» آراء حول سوء الأحوال الصحية في المدن الأمريكية التي سكنتها الآفات، وكذلك عن عدم المساواة في سياسات الإسكان في القرن العشرين.

تقول الكاتبة أنه بينما يوجّه المؤرخون انتباههم إلى الحيوانات والحشرات التي تشاركنا الحياة على الأرض، فإنهم بذلك يلقون الضوء على ما تعنيه الإنسانية.

ليس وليد الصدفة

نتيجة للتأثر بالقوى الاجتماعية مثل الحركة العمالية وحركة حقوق المرأة والنضال من أجل الحقوق المدنية، باتت رؤية مؤرخي القرن العشرين أوسع، فتجاوزت موضوعات مثل الحرب والسياسة، لتشمل معاني مثل الإنسانية. في الوقت ذاته، بدأ التاريخ الثقافي، وهو الاهتمام بالحياة اليومية للبشر في الماضي، يحل محل السرديات الكبرى. وبما أن الحيوانات تشاركنا حياتنا اليومية، سواء طعام أو عمالة أو ترفيه أو غير ذلك، فإن الاهتمام بتاريخ الحيوانات ظهر باعتباره امتدادًا طبيعيًّا لكلا الاتجاهين.

تقول أستاذة التاريخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هارييت ريتفو أن السبب في كتابة التاريخ هو السعي لفهم الماضي، ولفهمه بشكل كامل فإننا نحتاج إلى رؤيته من آفاق مختلفة. وتعدّ ريتفو رائدة في دراسة تاريخ الحيوانات، فقد نشرت كتابها عام 1987، في وقت كانت الأبحاث المتعلقة بالحيوانات أمرًا غير معتاد، الذي تضمن فصولًا عن تربية الماشية وعروض الكلاب وفزع داء الكلب وحدائق الحيوان في القرن التاسع عشر. تقول ريتفو «أنا واثقة أنه لا يزال هناك من يعتقدون أنه أمر غريب أو تافه، لكني لا أصادفهم».

تحدٍ صعب

أشارت الكاتبة إلى أن اكتشاف تاريخ الحيوانات يمثّل تحديًا مختلفًا عن اكتشاف تاريخ البشر، فالحيوانات غير قادرة على ترك سجلات مكتوبة تعبر عنهم. لكن يقول إيتيان بنسون المؤرخ بجامعة بنسلفانيا إن رقمنة الكم الهائل من الوثائق التاريخية ساعد على تأريخ الحيوانات بشكل كبير. كان بنسون –وهو طالب سابق لريتفو- قد نشر ورقة بحثية عن السناجب الرمادية الشرقية عام 2013 لاقت اهتمامًا كبيرًا، فقد اكتشف أن السناجب التي كانت تسكن الغابات بالأساس قد تم تقديمها للمدن الأمريكية لإعطائها منظرًا خلابًا بشكل متعمد بعد الحرب الأهلية.

وأوضح بنسون أنه لا يوجد سوى القليل من المقالات التي تحمل عنوان تقديم السناجب إلى المدن الأمريكية في القرن التاسع عشر؛ لذلك اضطر للبحث خلال مقتطفات قصيرة وجيزة للغاية، وتتبع التلميحات والإشارات الصغيرة في المقالات، ثم إعادة بناء القصة لتتمحور حول الحيوان.

بالإضافة إلى مقتطفات الصحف والمجلات، تشمل المصادر المفيدة لتاريخ الحيوانات كتب أنساب الخيل وسجلات المدارس البيطرية والسجلات الزراعية وإعلانات حدائق الحيوان وسجلات متاحف التاريخ الطبيعي التي جمعت عددًا ضخمًا من الحيوانات المحنّطة في القرن التاسع عشر. وقد استخدم المؤرخون بجامعة ستانفورد سجلّات المدن لإنشاء خريطة تفاعلية للأعمال المتعلقة بالحيوانات في سان فرانسيسكو في القرن التاسع عشر. إضافة إلى ذلك، يدعو منظمو مؤتمر قادم حول الحيوانات البحرية العلماء إلى تمشيط المذكرات التاريخية للبحارة والركاب لتمائم السفن، والهوام على متنها، وللكائنات التي رأوها في المحيط.

لكن بما أن الموضوع غير لفظيّ بالأساس، فلا يمكن للسجل المكتوب أن يحكي القصة كاملة؛ لذلك فإن تاريخ الحيوان مدين للتطورات العلمية الأخيرة. على سبيل المثال، سلّط الحمض النووي الضوء على أنماط الصيد وانتشار الأمراض حيوانية المنشأ. إضافة إلى ذلك، فإن دراسة الذكاء والسلوك الحيواني يمكن أن يساعد في فهم كيفية تفاعل الحيوانات في الماضي مع ظروفها.

يقول بينسون «هذه الكائنات لها طرق لرؤية العالم مختلفة تمامًا» مشيرًا إلى أهمية أن يحقق مؤرخو الحيوانات التوازن بين التطرف في الاعتماد على الحيوانات باعتبارهم قادرين على إخبارنا بكل شيء، وبين إهمال منظور الحيوانات بشكل كامل باعتباره لا يمكن التعرف عليه. ويضيف بينسون «إن أسلوبي في هذه المعضلة هو أن هذه الكائنات التاريخية تعيش في أوقات وأماكن معيّنة، تتشكل نوعية حياتها بتلك الأوقات والأماكن. أن يكون سنجابًا في بوسطن عام 1900 يختلف عن كونه سنجابًا في فيلادلفيا في عام 2018. لذلك إذا قلت هذا الحيوان له هذه الاحتياجات، ويبدو أنه يسعى إلى تحقيق هذه الأهداف، وأنه واجه بيئة أنتجت هذه الفرص وصنعت هذه التحديات، فهذا يكفي. أترك الأمر للقارئ بعد ذلك ليتعاطف مع الحيوان ويتعرف عليه».

من أجل تصحيح أخطاء الماضي

على الرغم من جهود مؤرخي الحيوانات لتجنب إسقاط المشاعر الإنسانية على الحيوانات، إلا إن الكثيرين يرون أن دراسة تاريخ الحيوانات عاطفية بالفعل، إلى جانب إعادة التفكير في علاقتنا التاريخية مع المخلوقات الأخرى أمر مهم في الوقت الحاضر أيضًا.

نحن نعيش الآن في عصر الأنثروبوسين، وهو عصر أصبح فيه من المستحيل تجاهل تأثير البشرية على الكوكب. وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، فإن نحو 150 نوعًا ينقرض كل يوم؛ معظمها يرجع إلى أسباب مرتبطة بالبشر مثل فقدان الموطن وتغير المناخ.

أشارت الكاتبة إلى أنه وراء ظهور دراسة تاريخ الحيوانات يكمن الفهم بأن البشر ما هم إلا نوع واحد يشارك العديد من الحيوانات مصير الأرض محدودة الموارد، وأن ما نفعله –وما فعلناه- بالحيوانات له آثار واسعة على مستقبلنا نحن.

ترى نانس بأنها كاشفة عن الفساد، فهي تخبر القصص التي يريد الناس نسيانها والتغطية عليها، وتقول «لكي تحصل أي مجموعة على العدالة، فإنها تحتاج إلى كتابة تاريخها. آمل أن نتفهم ما فعلته الحيوانات وما مرّت به في الماضي، وأن نفكر فيما سنفعله في المستقبل بوضوح أكثر قليلًا».

إن قصة الفيل جامبو هي قصة قد يفضّل الكثيرون نسيانها، لأن الظروف السيئة التي عاشتها هذه المخلوقات واستغلالها لا يعكس صورة جيدة عن أجدادنا. وقد أدّت معرفتنا بسلوك الأفيال إلى رؤية غاضبة حول تعرض هذه الحيوانات لتلك الظروف، فالتأرجح والعروض الإيقاعية التي قدمتها الأفيال لم تكن عروضًا ساحرة كما تم الترويج لها، إنما هي سلوكيات غير طبيعية اضطرت هذه المخلوقات لاتباعها نظرًا لحبسها في أماكن ضيقة.

أوضحت الكاتبة إن فهمنا لمعاناة الأفيال قد أدّى إلى تغيير، فقد قام منفذو عروض سيرك بارنوم وبايلي والإخوة رينجلينج بالسماح للأفيال المتبقية لديهم بالتقاعد إلى ملاذ آمن في فلوريدا، وقد ربطوا ذلك بتغير في مزاج المشاهدين؛ إذ أوضحوا أنهم أصبحوا ينزعجون لرؤية الأفيال في العروض.

تختتم الكاتبة تقريرها بالقول إن تقاعد الأفيال في السيرك هو مثال لحالة ساعدتنا فيها دراسة تاريخ الحيوانات على فهم الماضي، وتصحيح أخطائه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد