حتى يوم 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، كان المهاجمون الثمانية المسؤولون عن ليلة العنف في باريس، مجردَ حفنة من المتطرفين الإسلاميين، في كون كبير من المتطرفين الإسلاميين في فرنسا. العديد من هؤلاء المتطرفين هم لا عنفيين، في حين أن شريحة صغيرة منهم هي من تعتنق العنف لتحقيق أجندتها الراديكالية، وهو نوع يطلق عليه الجهاديين. ولكن حتى بين الجهاديين الذين يتبنون العنف، هناك انقسامات. البعض يرى أن الجهاد يجب أن يشن في حالات الدفاع فقط لدعم إخوانهم المسلمين المضطهدين أو الذين يتعرضون للهجمات في أماكن مثل سوريا. بينما يدعو البعض إلى شن هجمات في دول غربية مثل فرنسا. حتى بين المجموعة الأخيرة، هناك تنوعات بين من يطلقون التهديدات في الهواء، وبين من هم في الواقع على استعداد للتحرك. حتى بين هذه الجهات الفاعلة التي تبدو على استعداد للتحرك، فإن هناك مستويات مختلفة من التهديد.

 
بالنسبة للسلطات الفرنسية، فإن فرز هذا التجمع الهائل من المهاجمين المحتملين لتحديد هوية الأشخاص الذين يشكلون الخطر الأكبر يمثل تحديا كبيرا، كما هو الحال بالنسبة إلى الحكومات الأخرى. هذه العملية هي مثل محاولة سمكة قرش اصطياد مجموعة صغيرة من الأسماك من بين قطيع كبير من أسماك الطعم يعوم بانسجام تام. سمك القرش لديه قدرات حسية فعالة للغاية وشديدة الكفاءة في تحديد الفريسة التي يرغب في التهامها بين صفوف أسنانه الهائلة. لكن القطيع يوفر الأمن إلى الدرجة التي تجعل الأمر أشبه بالمستحيل بالنسبة لأسماك القرش التعرف على الأسماك المفردة التي يحتاج إلى استهدافها.

 
هذا هو الوضع بالضبط التي تجد السلطات الفرنسية نفسها فيه. لديها قدرات استخباراتية عالية جدا (مجسات) وقدرات شرطية وعسكرية كبيرة (أسنان). لكن فاعلية هذه الموارد الاستخباراتية والأمنية مقيدة للغاية ويمكن أن يطغى عليها الحجم الهائل من قطعان المهاجمين المحتملين من الجهاديين.

 
الأمر يتطلب كمية هائلة من الموارد من أجل تتبع وتسجيل المكالمات الهاتفية الحية لهدف واحد، ناهيك عن المراقبة البدنية لمدة 24 ساعة على مدار الأسبوع. وهذا يعني أن الأجهزة الأمنية تصل بسرعة جدا لاستنزاف الحد الأقصى لقدرتها. ولذا فإنها تحتاج إلى استخدام تقييم المخاطر لتصنيف التهديدات المحتملة، ونشر مواردها بشكل انتقائي ضد تلك التهديدات التي تظنها أكثر خطورة. وهذا ينطبق بشكل خاص على بلد ديمقراطي مثل فرنسا، حيث توجد سيادة للقانون، وليس بالإمكان إجراء مداهمات من أجل اعتقال كل تهديد محتمل ومعروف والزج به في السجن. والحقيقة أنه، حتى في الدول السلطوية، فإن الاعتقال أو حتى القتل ليس وسيلة فعالة للخروج من المشكلة وغالبا ما تخدم التدابير الصارمة فقط في تأجيج الغضب والاستياء وكذا المساعدة في نشر التطرف.

 
بسبب هذا الواقع، فإن بعض المهاجمين ينزلقون من الشاشة بغض النظر عن مدى كفاءة الأجهزة الأمنية. بمجرد تنفيذ هجوم ما، فإنهم ينعزلون فورا عن القطعان الضخمة للتهديدات المحتملة ويصبحون عرضة لقدر كبير من التدقيق. تستخدم الإلكترونيات كدلائل ويتم تفتيشها بدقة ويتم استعرض جميع سجلات سفرهم الماضية واتصالاتهم لتوضع جميعها تحت المجهر. تحت هذا التدقيق المكثف، سوف يجد المحققون مما لا شك فيه بعض التحذيرات والمؤشرات الواضحة التي تثير الاشتباه حول المهاجمين قبل تنفيذ هجومهم. في الواقع، سنجد بعضَ -إن لم يكن كل- المهاجمين سبق وأن لفتوا انتباه السلطات في وقت سابق.

 
باستخدام تشبيه آخر: قبل الهجوم يكون لدى السلطات كومة تشبه الجبل من قطع اللغز بدون أي إطار مرجعي للصورة. بعض هذه القطع فقط كان من الممكن أن تقودهم إلى هوية المهاجمين. ولكن الفرز من خلال كومة ضخمة من القطع من البيانات ووضع تلك القطع معا بدون إطار مرجعي هي عملية صعبة ومعقدة للغاية. بعد الهجوم: توفرت للسلطات الفرنسية الصورة الكاملة والإطار المرجعي وأصبح بالإمكان اقتطاف القطع الفردية من المعلومات وضعها في سياق باستخدام الإطار المرجعي.

 
سوف ينتقد الكثيرون الحكومة الفرنسية بسبب تجاهلها لكل هذه الدلائل والقرائن الواضحة. ولكن ببساطة فإن الذين يفعلون ذلك لم ينتبهوا بما يكفي إلى التحدي الأولي للقطعان الضخمة من المشتبه بهم، والكميات الهائلة من البيانات المرتبطة بكل اسم على حدة. بعد فوات الأوان يمكن أن يكون هناك الكثير والكثير من التبصر الحاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد