587

نشرت صحيفة «الجارديان» تقريرًا لخصت فيه أبرز الحروب الحالية وأسباب استمرارها حتى الآن. وأعد التقرير الصحافي جايسون بيرك، وهو مراسل الصحيفة في أفريقيا، ويقيم في مدينة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا.

سوريا

سوف يدخل الصراع في سوريا عامه الثامن قريبًا، وعلى الرغم من اقتصار القتال حاليًا على منطقة أصغر، بعد أن كان يشغل – سابقًا – معظم البلاد، فإنَّ فرصة الوصول إلى سلام حقيقي تبدو بعيدة للغاية. وأفضل ما يؤمّل حاليًا، بحسب التقرير، هو الوصول البطيء لهدنة متقلبة تتخللها وحشية مروعة؛ إذ يحاول نظام بشار الأسد، مدعومًا من موسكو وطهران، إعادة سيطرته على هذا البلد المحطم.

وقد اتضح مؤخرًا ما الذي تتضمنه هذه الجهود؛ إذ قتلت الضربات الجوية للطيران السوري في الأسابيع الأخيرة الماضية أكثر من 600 مدني في الغوطة، وهي ضاحية في دمشق تسيطر عليها المعارضة منذ عام 2013.

وقال التقرير: «إنه على الرغم من إجبار (داعش) على الخروج من كل أراضي سوريا تقريبًا، فإنَّ جماعات إسلامية متطرفة أخرى ما تزال نشطة للغاية، بما في ذلك هيئة (تحرير الشام) المرتبطة بـ(القاعدة). وما تزال جماعات المعارضة المسلحة تتلقى دعمًا لوجستيًا وتمويلًا من الولايات المتحدة وتركيا، ودول خليجية كثيرة. واستولت جماعة كردية على مساحات من الأرض في الشمال الشرقي. وفشلت كل المساعي المتتالية لمفاوضات السلام».

لماذا استمرت الحرب كل هذا الوقت؟

قال التقرير: «إنَّ الحرب السورية لطالما كانت شديدة التعقيد، وتعود جذورها لأسباب إقليمية، وطائفية وأيدلوجية وعرقية. وهذا التداخل وحده من شأنه إطالة أمد أي نزاع، حتى دون تدخل الفاعلين الإقليميين والدوليين. وقد هُمشت الأمم المتحدة بفعل سياسات القوة تلك، وتراجعت الولايات المتحدة. والنتيجة: معاناة ضخمة، وبلد محطم، سوف يحتاج إلى ما يصل إلى تريليون دولار لإعادة بنائه، لو سلمنا بإمكانية الوصول لاتفاق سلام». وقال التقرير: «إنَّ العالم بأسره قد شعر بالآثار السامة لهذا الصراع».

اليمن

تدخل الفوضى في اليمن، وما تلاها من حرب، عامها السابع. وتعود الجذور المباشرة للصراع الحالي في اليمن إلى أعقاب انتفاضة حدثت بوحي من الربيع العربي في هذا البلد الذي يعد أفقر بلد عربي، نتج عنها إجبار الزعيم اليمني، علي عبد الله صالح، على التنحي لصالح نائبه عبد ربه منصور هادي عام 2011.

لكنَّ ثمة أسباب أخرى أعمق من ذلك، بحسب التقرير. فاليمن، الذي كان مستعمرة بريطانية، لم يعرف الاستقرار قط، ولم يتوحد، إلا بعد صراع وحشي في التسعينات. ولأكثر من عقد قبل أزمة 2011، اجتمع الفساد، والبطالة، ونقص الغذاء، والنظام القبلي القوي، والانفصالية المتجذرة في الجنوب، وتدخل القوى الإقليمية، للحفاظ على مستويات عالية من عدم الاستقرار.

وقال التقرير: «إنَّ المقاتلين الجهاديين لطالما كانوا قوة في اليمن، وصولًا إلى أن شكلوا فرعًا محليًا قويًا للقاعدة. وقد أدى رد الفعل الشعبي ضد عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية، التي تضمنت ضربات بطائرات من دون طيار، وتسرب المقاتلين من السعودية إلى مفاقمة هذا الموقف المعقد. وكان هذا الأمر يعني أنَّ الرئيس هادي كانت تواجهه تحديات جسام فور توليه السلطة».

وكان من بين أبرز هذه التحديات تمرد قاده الحوثيون، وهم أقلية شيعية معارضة في شمال اليمن ذات تاريخ طويل من التمرد ضد الحكومة التي يهيمن عليها السنة.

استولى المتمردون على عاصمة اليمن، صنعاء، في شهر يناير (كانون الثاني) 2015، وأجبروا هادي وحكومته على الاستقالة. وقد حرض هذا الأمر على تدخل إقليمي؛ أدى إلى أزمة إنسانية، وضعت ملايين الناس على حافة المجاعة. وشن تحالف من دول الخليج، تقوده السعودية، التي تلقت دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا من الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا، ضربات جوية ضد الحوثيين. وحاصر التحالف أيضًا اليمن لإيقاف تهريب إيران للأسلحة إلى المتمردين. بينما تنفي طهران هذه التهمة.

لماذا استمرت الحرب كل هذا الوقت؟

قال التقرير: «إنَّ ثمة ديناميكيات قبلية وطائفية معقدة بشكل شيطاني تضمن أنه لا طرف قوي بما يكفي للانتصار، بينما يضمن التدخل الخارجي أنَّ الجميع بإمكانهم الاستمرار في القتال. وقد سحب هذا الصراع أكثر من دستة من الدول، وهو مرتبط بتنافسات إقليمية أوسع للوصول للسلطة. وقد يجلب اتفاق فيدرالي السلام، لكنَّ ذلك يبدو مستبعدًا في الوقت الراهن»، بحسب التقرير.

جمهورية الكونغو الديمقراطية

لو انزلقت جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى الصراع الذي كان سائدًا بين عامي 1997 و2003، فإنَّه من المحتمل أنَّ سنوات الهدوء النسبي للغاية التي تلته سوف تكون من الماضي البعيد. ذلك أنَّ حرب السنوات الستة هذه، التي بدأت منذ أكثر من 20 عامًا خلت، قد نتجت عن سقوط الرئيس موبوتو سيسي سيكو، وتفاقمت بعد تدخل جميع القوى الإقليمية، التي كان الكثير منها قد جذبته – فحسب – فرصة نهب موارد المعدنية للبلاد.

وما يزال هذا الأمر جاذبًا حتى اليوم، حتى ولم تكن ثمة شهية حالية بين جيران الكونغو للمخاطرة بمثل هذا النوع من الفوضى الذي أدى إلى موت أكثر من 5 ملايين إنسان.

ومع ذلك، فعلامات التدهور موجود: سلطة مركزية ضعيفة تحت حكم الرئيس جوزيف كابيلا، الذي تجاوز فترة حكمه بـ15 شهرًا؛ وانهيار القانون والنظام في أماكن لم تخضع قط لسلطة حكومية قوية؛ ونزاع متزايد بين أمراء الحرب، والمجتمعات العرقية، ومعارضة مفككة، ومجتمع دولي مشتت الانتباه، واحتياج إنساني قوي.

هل تبدأ الحرب من جديد؟ قال التقرير: «إنَّ القتل والموت قد بدآ بالفعل، بعد أن حرضت حركة متمردة عنيفة في إقليم كاساي على استجابة حكومية وحشية أدت إلى نزوح كبير. وتكتسح الكوليرا وأمراض أخرى تجمعات سكانية هشة. وتعاني بعثة الأمم المتحدة في الكونغو من تزايد الهجمات التي أدت إلى مقتل 14 من قوات حفظ السلام في شهر ديسمبر (كانون الأول)، وهي أكبر خسارة تتكبدها المنظمة منذ عام 1993».

ومن المقرر أن تعقد الانتخابات في شهر ديسمبر، على الرغم من شك الكثيرين من إجرائها. وتعد الانتخابات فرصة لإيقاف انحدار واحدة من أهم الدول الإفريقية مرة أخرى إلى صراع وفقر أكبر مما كان عليه الحال من قبل، لكنَّ القليلين يشعرون بالتفاؤل حيال ذلك الأمر.

أفغانستان

قال التقرير: «إنَّ أفغانستان لم تعرف سلامًا منذ منتصف السبعينات. وقد بدأ الصراع الحالي الذي تقاتل فيه (طالبان) ومتطرفون إسلاميون آخرون ضد الحكومة في كابول عام 2001، مع الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)». وقال التقرير: «إنَّ الولايات المتحدة دعمت أول رئيس، حامد كرزاي، ثم دعمت خلفه، أشرف غاني، بمساعدات عسكرية ضخمة ومساعدات أخرى».

وقد قتل أكثر من ألفي جندي أمريكي، وعشرة أضعاف هذا الرقم من الجنود الأفغان، وما لا يقل عن 30 ألف مدني. ومع ذلك، فطالبان اليوم نشطة في أكثر من ثلثي الأحياء الإدارية في أفغانستان، على الرغم من سيطرتها على أقل من حي من بين كل 20 حيًا. وقد استولت الحركة، عام 2015، لوقت وجيز على مدينة قندوز.

لماذا استمرت الحرب كل هذا الوقت؟

قال التقرير: «إنَّ إحدى الأسباب ترجع إلى الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في السنوات التي تلت غزو 2001؛ إذ كانت الجهود المبذولة في أفغانستان تعاني من ضعف الموارد وسوء الإدارة. وضاعت فرص مبكرة لبناء تسوية سياسية مستقرة، وثبت أنَّ الحصول على انتصارات عسكرية سهلة نسبيًا أمر مكلف».

وأضاف التقرير: «أنَّ أحد العوامل الأخرى المهمة تدخل القوى الإقليمية، لا سيما باكستان؛ إذ ترى إسلام آباد وجود حكومة صديقة لها في كابول أمرًا محوريًا لأمنها الاستراتيجي، وقد دعمت طالبان بصفته وكيلًا لها، ووفرت مساعدة لوجستية وملاذًا آمنًا لقادته».

لكن ثمة أسبابًا أخرى. فتقريبًا كل المناطق الداعمة لطالبان تهيمن عليها عرقية الباشتون، لاسيما تلك التي تسيطر عليها قبائل بعينها. ومناطق زراعة الأفيون من العوامل المهمة أيضًا. ومن المذهل – بحسب التقرير – كيف أنَّ خريطة المناطق الخاضعة لتأثير طالبان تشبه الخريطة ذاتها منذ 20 عامًا، عندما كانت الحركة في طريقها للسلطة. وقد كان الوضع حينها – كما هو الآن – يصدق عليه سمعة أفغانستان بكونها «مقبرة الإمبراطوريات».

أوكرانيا

وافق شهر فبراير (شباط) الماضي الذكرى الرابعة ضم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لشبه جزيرة القرم، والتحريض على تمرد في الشرق الصناعي لأوكرانيا، وهي «إحدى الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفييتي» التي أصبحت دولة مستقلة منذ عام 1991 وتقع على واحدة من أعظم خطوط الصدع الثقافية واللغوية في عالم اليوم.

وقد قتل آلاف من المقاتلين والمدنيين. وحذرت وكالات الإغاثة أواخر العام الماضي من أنَّ 4.4 مليون شخص تأثروا بشكل مباشر من استمرار الأعمال العدائية، بينما يحتاج 3.8 مليون شخص لمساعدة عاجلة.

وقال التقرير: «إنَّ جذور هذه الحرب تعود إلى عام 2013؛ عندما تظاهر عشرات الآلاف في كييف وأماكن أخرى، متهمين الحكومة وقتها بالتراجع عن خطط للتوقع على اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي بعد ضغوط من الكرملين. استخدمت الحكومة العنف ضد المتظاهرين، الذين أطاحوا بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش في العام التالي؛ وقد أدى هذا الأمر إلى اضطرابات في المناطق الناطقة بالروسية في شرق أوكرانيا وجنوبها. واستمر القتال بين القوات الحكومية والانفصاليين المدعومين من روسيا حتى عام 2015، ونفت موسكو مزاعم كييف أنها ترسل قواتٍ وأسلحةً ثقيلة إلى المنطقة».

وقال التقرير: إنَّ «اتفاقية مينسك» تنص على وقف لإطلاق النار، وحالة دستورية خاصة للأراضي الواقعة تحت سيطرة المتمردين في إقليم دونيتس، الذي من المقرر أن يندمج مرة أخرى في أوكرانيا، وتُجرى انتخابات. لكنَّ شيئًا من ذلك لم يتحقق، ووصل عدد خروقات وقف إطلاق النار إلى آلاف الحوادث. وقد قتل أكثر من 100 جندي أوكراني في إقليم دونيتس العام الماضي، وذلك بحسب الأرقام الرسمية. وقال التقرير: «إنَّ هذا الصراع البشع المميت قد ازداد تجذرًا منذ ذلك الوقت وصولًا إلى حدود أوروبا ذاتها، لكنه تلقى اهتمامًا لا ينفك يتناقص من المجتمع الدولي».

لماذا استمر الصراع كل هذا الوقت؟

قال التقرير: «إنَّ موسكو ليست لها نية في التخلي عن مكاسبها التي تحصلت عليها بصعوبة، على الرغم من ضغوط العقوبات. ولا تريد أوروبا والولايات المتحدة المخاطرة بمواجهة. والمشاعر داخل أوكرانيا قد وصلت إلى أقصى درجات الاستقطاب. وليس ثمة الكثير من الدلائل على أي تغير يكسر جمود هذا المأزق في صراع وصف بأنه (غير مرئي، ومتجمد)».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك