قال تشارلي وينتر، وهو زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف، إن تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) قد تبنى سياسة دعائية نجح من خلالها مؤخرًا في إعادة توصيف عملياته التي لم تحظ بالنجاح إلى عمليات ناجحة، محذرًا من أن التنظيم قد يبقى على قيد الحياة لسنوات قادمة في حال فشلت الحكومات في مواجهة هذه الحملة الدعائية.

تعليقات الكاتب عبر عنها في مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية استهله بقوله: «عندما تفكر في الهجمات الإرهابية بالطريقة ذاتها التي يفكر بها تنظيم داعش، فحتى الفشل التقني الصارخ يمكن أن يصبح نجاحًا استراتيجيًا. يتعلق الأمر كله بدهائك بعد تبني هجوم ما، وبمدى استعداد وسائل الإعلام لتبني روايتك للحدث».

ودعا الكاتب القارئ إلى التفكير في ما حدث في المملكة المتحدة نهاية الأسبوع الماضي. خلال ساعة الذروة الصباحية، توقف خط مترو الأنفاق في العاصمة البريطانية لندن بعد أن انفجرت بشكل جزئي قنبلة يدوية الصنع في عربة إحدى القطارات في محطة بارسونز غرين. وبعد دقائق من وصول شرطة العاصمة، كشفت الأنباء أن الحادث نجم عن قنبلة كانت مخبأة في دلو ووضعت في حقيبة تسوق، ولم تنفجر بشكل صحيح. وفي غضون ساعتين، أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن الحادث كان محاولة لهجوم إرهابي.

وفي الساعة الثامنة مساء يوم الجمعة – بعد حوالي 12 ساعة من تفجير القنبلة جزئيًا – تبنّى تنظيم داعش الهجوم، وأعلن مسئوليته عنه عبر وكالة أعماق التابعة للتنظيم. وبعد دقائق، أصدر التنظيم بيانًا آخر – هذه المرة عبر جهازه المركزي للإعلام – يعطي مزيدًا من التفاصيل عن الهجوم ويدّعي، دون إثبات، أنه تم «زرع عدد من القنابل»، وأن القنبلة التي انفجرت كانت واحدة من هذه القنابل.

اقرأ أيضًا: مترجم: هل قوة داعش الإعلامية مبالغ فيها؟

حملة دعائية جديدة

وبذلك، ووفقًا لما ذكره الكاتب، يكون التنظيم قد انتهك بروتوكوله المعتاد، الذي يمتنع فيه عن الانخراط في عمليات مشوشة، أو تلك التي لا يزال المهاجم طليقا فيهًا (وكان الاستثناء الأول لهذه القاعدة خلال هجوم وقع في بروكسل الشهر الماضي). غير أنه من الواضح أن التنظيم قرر أن تكلفة الفرصة البديلة لعدم الإعلان عن مسئوليته عن عملية بارسونز غرين كانت مرتفعة جدًا. وقد اعترف المسئولون الإعلاميون للتنظيم بأنهم، دون جهد كبير، يمكنهم تحويل الخطاب المحيط بالهجوم وتحويل فشله إلى نجاح.

وتابع الكاتب بقوله: «لم يخب أملهم: بعد ظهور التصريحات، تم تصعيد التصورات المتعلقة بالعملية، ورفع مستوى التهديد الإرهابي البريطاني، الذي حدده مكتب المخابرات الحربية البريطانية MI5، من المستوى الرابع «خطير» إلى المستوى الخامس «حرج»، وهو أعلى مستوى أمني بالبلاد. ولم يعد التركيز على فشل القنبلة، الذي أصبح عرضيًا في أحسن الأحوال. وبدلًا عن ذلك، أصبحت الحقيقة الرئيسة التي كشف عنها الهجوم هي أن تنظيم داعش كان قادرًا على ضرب المملكة المتحدة للمرة الرابعة خلال ستة أشهر».

بحسب الكاتب، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينشر فيها تنظيم داعش دعاية لتوجيه الخطاب الشعبي بعد عملية إرهابية. فكّر في الطريقة التي حولت فيها حفنة من الكلمات شخصيات من أمثال منفذ هجوم أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية العام الماضي، ومنفذ حصار سيدني، حيث قام رجل مسلح يدعى هارون مؤنس باقتحام مقهى ليندت الواقع في مارتين سيدني، واحتجز فيه عددًا من الموظفين والزبائن كرهائن، وغيرهم ممن يطلق عليهم مهاجمين «ملهمين»، من قتلة «عاديين» من الأبرياء العزل إلى «جنود الخلافة».

لم تكن الديناميكية هذه المرة متباينة: تم نشر الدعاية من أجل استكمال الأثر الاتصالي لعملية بارسونز غرين.

الأثر النفسي والاتصالي

وفي ضوء ذلك، يجب أن نعترف بأن ادعاءات داعش بالمسؤولية لم تكن أبدًا ادعاءات «فقط» بالمسئولية. بدلًا عن ذلك، هي أجزاء مركزية من الفعل الإرهابي، إضافات نفسية تهدف إلى تزوير التصورات الشعبية التي تكون أكثر تأثيرًا من العملية نفسها في بعض الأحيان. إن فهم وإدراك كيف أن هذه الادعاءات – التي يصفها تنظيم داعش نفسه بأنها «قذائف إعلامية» – تعكس هجومًا معينًا، هو أمر بالغ الأهمية إذا أردنا أن نواجه هذه العاصفة.

وطرح الكاتب رؤيته لمواجهة الحملة الدعائية لتنظيم داعش، مشددًا على أهمية أن نتخلى عن أسطورة النتيجة الثنائية. في سياق هذا النوع من الإرهاب الذي تقوده الرواية، لا تنجح العمليات ببساطة أو تفشل على أساس آثارها المباشرة. بدلًا عن ذلك، هناك معايير لهذا النجاح، وعدد الضحايا هو مقياس واحد فقط لهذا النجاح. ولا تقل أهمية الأثر الاتصالي عن التأثير البشري.

إن حرمان الإرهابيين من النجاح الاتصالي أمر صعب، ويتطلب أكثر بكثير من الاستجابة الفعالة للشرطة أو الاستخبارات. وذلك لأن أية عملية، شريطة عدم إحباطها قبل التنفيذ، يمكن استخدامها بسهولة للتعبير عنها والمبالغة في قدرتها الهجومية.

ولهذا السبب ذكر الكاتب أن منفذ هجوم بارسونز غرين لم يفشل، على الرغم من فشل تفجير القنبلة. كان منفذ الهجوم يقوم بإطلاق عمل دعائئ لتنظيم داعش، عمل يهدف إلى حشد وسائل الإعلام سيئة السمعة للخلافة. وعلى الرغم من أن القنبلة لم تقتل أي شخص، ناهيك عن شل الحركة في لندن – أعيد فتح محطة مترو الأنفاق في وقت لاحق من مساء يوم الجمعة – فقد كان لها التأثير المطلوب. بعث الهجوم برسالة تذكير للعالم بأن تنظيم داعش كان يستهدف تفجير محطة مترو الأنفاق، وأثبت للأعداء والمؤيدين على حد سواء أنه كان، على الأقل إلى حد ما، لا يزال قادرًا على شن هجمات في المستقبل. هذا الأمر وعلى الرغم من أنه بسيط، هو ما يبدو وكأنه النجاح.

اقرأ أيضًا: «كو كلوكس كلان».. كل ما يجب أن تعرفه عن «داعش الأمريكية»

فخاخ دعائية

ومع استمرار خسارة داعش للأراضي في العراق وسوريا، فإن هذا النوع من العمليات سيصبح أكثر أهمية بالنسبة للتنظيم. ويدرك قادة داعش منذ ما يقرب من عقدين من الازدهار والكساد أن هذا النوع من الدعاية سيكون الشيء الذي سيبقي التنظيم على قيد الحياة.

إن الرد على الهجوم الذي وقع في بارسونز غرين يشير إلى أن تنظيم داعش خفض من مستوياته للعمليات التي تستحق أن يعلن مسئوليته عنها، وهذه ليست أنباء طيبة، بحسب ما أورد الكاتب.

هذا يعني أن المتحدثين الحكوميين ووسائل الإعلام على حد سواء يجب أن يكونوا أكثر حذرًا من أي وقت مضى لعدم الوقوع في الفخاخ الدعائية التي نصبت لهم. وعليهم أن يحرموا تنظيم داعش من قدرته على إعادة رسم صورته، ويجب أن يتحركوا دائمًا خطوتين إلى الأمام، وأن يتوقعوا تحرك التنظيم الدعائئ القادم. وتعتمد الفعالية الكاملة لدعاية تنظيم داعش لاستراتيجية الفعل على ردود مضللة من خصومه.

واختتم الكاتب بقوله: «في المستقبل القريب، مع تحول استراتيجية الخلافة من امتلاك الأرض إلى الإرهاب، يجب أن نتوقع المزيد من الهجمات من هذا القبيل، ونعرف أنه في المرة القادمة، قد لا تفشل الهجمات. وفي ضوء ذلك، يجب على الحكومات ووسائل الإعلام أن تتأهب. وستكون آلة الدعاية في داعش أكثر يأسًا لتحويل أي شيء – من حوادث الطعن المنفرد إلى التفجيرات الانتحارية المنسقة – إلى دليل حي على استمرار التنظيم في البقاء والتوسع والتحريض. إذا لم نكن حذرين، يمكن لذلك أن يحافظ على بقاء التنظيم على قيد الحياة لسنوات قادمة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد