وسط التوترات المتزايدة مؤخرًا في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس، يتساءل الكثيرون عن السبب الذي يمنع إسرائيل من استخدام قوتها العسكرية لشن حملةٍ عسكرية كبرى على القطاع وإسقاط الحركة. ولعرض وجهة النظر الإسرائيلية، وما يدور داخل أدمغة السلطة الإسرائيلية ويمنعها من الإقدام على تلك المسألة، نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية تقريرًا لزكي شالوم، عضو الفريق البحثي بمعهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل وكلية عسقلان الأكاديمية، وجاكوب آرون كوليير، الباحث المتدرب في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب.

 

يشير الباحثان في البداية إلى أنَّ المسألة ليست متعلقةً بالأفضلية العسكرية، التي تحظى بها إسرائيل وفقًا لهما. فهي تمتلك ما يزعمان أنَّه أقوى جيوش المنطقة وأكثرها تقدمًا من الناحية التكنولوجية. ويضيفان أنَّه في حين تمتلك حماس تسليحًا قويًا بالفعل، إلَّا أنَّها لا يمكنها الوقوف بوجه القوة النارية للجيش الإسرائيلي، ولهذا فهي لا يمكنها أن تمثل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل ومصالحها الحيوية عبر الوسائل العسكرية فقط. لكنَّ أفضل ما يمكن لحماس فعله في الوضع الحالي وفقًا لشالوم وكوليير هو تعطيل الحياة اليومية للإسرائيليين في المناطق المجاورة، وبالتالي وضع مسألة غزة على قائمة الأجندة السياسية للسلطة الإسرائيلية.

 

Embed from Getty Images

صورة لمنزلٍ في إسرائيل سقط عليه صاروخ فلسطيني من نوع القسام عام 2006.

 

لكنَّهما يوضحان أنَّ استهداف الحركة للإسرائيليين هو وسيلة تحاول بها إرغام السلطة الإسرائيلية على تقديم تنازلاتٍ سياسية، وأنَّ تظاهرات هؤلاء المتأثرين بهجمات الحركة وتغطيتها الواسعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية تتسبب في زعزعة استقرار الدولة الإسرائيلية. ويدللان على ذلك بما أدى إليه الجدل المُثار حول رد الفعل الإسرائيلي الضعيف على التصعيد الأخير بين الطرفين، والذي استقال على إثره وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان، وكاد يطيح بحكومة الائتلاف الحالية في السلطة الإسرائيلية. ويرى شالوم وكوليير أنَّ حماس في هذا الصدد كانت بالتأكيد تمثل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل، رغم إمكانيات الحركة المحدودة. وهذا وفقًا لهما يُبرز أكثر أهمية السؤال حول السبب الذي يمنع إسرائيل من استنفاد قدراتها لإسقاط حماس وإنهاء تهديداتها.

 

يُعدد الباحثان عدة أسباب لذلك، وأولها هو صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي. ويريان أنَّ إسرائيل تشعر أنَّها تفتقد الشرعية لاستخدام قدراتها كاملةً ضد حماس خوفًا على الإضرار بتلك الصورة. وبينما اعترفت حكومات أجنبية عديدة في الماضي بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، إلا أنَّ المجتمع الدولي يُطالب دائمًا بأن تكون عمليات إسرائيل متناسبةً مع التهديدات المتصورة. وفي صراعٍ غير متكافئ كهذا، يوضحان أن تلك المطالبات تعني أنَّه من المتوقع من إسرائيل ألَّا تستخدم كافة قدراتها ضد الحركة. بالإضافة إلى أنَّ شن عمليةٍ عسكرية شاملة سيؤدي إلى تدمير معظم قطاع غزة وتهديد حياة سكانه، وسيكون من الصعب تفادي ذلك في بيئةٍ مكتظة بالسكان بهذا الشكل. ويشيران إلى أنَّه فور بدء العمليات العسكرية، سيؤدي سيل الصور الموضحة للدمار في القطاع وانتشاره على قنوات التلفاز والإنترنت حول العالم إلى انتقادٍ واسع لإسرائيل وضغطٍ شديد لوقف الهجمات.

أين أخفقت «حماس» في عملية خانيونس؟

ويضيف الباحثان أنَّ استخدام القوة العسكرية لإطاحة حماس ربما يؤدي إلى عدة سيناريوهات محتملة تمثل جميعًا خطرًا على المصالح الإسرائيلية. أول هذه السيناريوهات، وأكثرها إثارةٍ لقلق إسرائيل وفقًا لهما، هو أنَّ سقوط حماس قد يعني غرق قطاع غزة في حالةٍ من الفوضى، وغياب أي سلطةٍ مركزية في القطاع، ما قد يفتح الباب لجماعاتٍ مختلفة لتنفيذ هجماتٍ خطيرة ضد إسرائيل، ولن تجد إسرائيل وقتها طرفًا بعينه للرد عليه أو التفاوض معه. وإسرائيل لا يمكنها التعامل مع فوضى مشابهة.

 

وثاني تلك السيناريوهات بحسب شالوم وكوليير هو أنَّ إسرائيل قد تضطر مع سقوط حماس إلى تولي مسؤولية القطاع بسكانه البالغ عددهم مليوني شخص، وذلك لمنع سيناريو الفوضى الأول. وإضافة إلى الضغوط السياسية والاجتماعية التي يتضمنها ذلك السيناريو، فإنَّه يتضمن أيضًا عبئًا اقتصاديًا هائلًا سيكون على إسرائيل تحمله، لأنَّها ستكون مُطالبةً بضمان أمن ورفاهة القطاع الفلسطيني، وتوفير مستوى معيشي مناسب لتوقعات العالم من إسرائيل باعتبارها دولة تحاول تصوير نفسها في صورة الدولة الديمقراطية الغربية. وهي أمور لم يكن العالم ينتظرها من حماس، بل كانت الانتقادات تُوجَّه عادةً لإسرائيل بسبب غيابها، وفقًا للباحثين.

 

Embed from Getty Images

مظاهرات لمؤيدي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احتجاجًا على البطالة والفقر وانقطاع الكهرباء في القطاع عام 2016.

 

السيناريو الثالث هو سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع، وهو سيناريو يمثل تهديدًا كبيرًا لإسرائيل بحسب الباحثين. إذ يريان أنَّه لا ضمانات من أي نوع على أنَّ السلطة الفلسطينية ستتمكن من إدارة الوضع الأمني في القطاع. ويشيران في هذا الصدد إلى الضفة الغربية، التي رغم القبضة المشددة للسلطة الفلسطينية فيها وتنسيقها الأمني مع إسرائيل ما زالت تشهد هجماتٍ على الإسرائيليين بين الحين والآخر. ونظرًا إلى أنَّ سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع ستكون أضعف على الأرجح، لا يمكن لأحد ضمان توقُّف هجمات قطاع غزة ضد الإسرائيليين كما أوضح شالوم وكوليير.

 

لكنَّهما أضافا أنَّ سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع تمثل أيضًا تهديدًا سياسيًا أوسع لإسرائيل. إذ يوضحان أنَّ وجهة نظر الحكومة اليمينية الحالية في إسرائيل هي أنَّ استمرار سيطرة حماس على غزة تُصعِّب إمكانية تطبيق حل الدولتين. وترى تلك الحكومة أنَّه بالفعل هناك دولة فلسطينية في قطاع غزة، وأي محاولات لتطبيق ذلك الحل ستؤدي في الحقيقة إلى دولتين فلسطينيتين على جانبي إسرائيل، واحدة في غزة والأخرى في الضفة الغربية. وإسرائيل لن تقبل بهذا الوضع بحسب الباحثين، لأنَّه قد يتسبب في تعريض أمنها القومي لمخاطر كبيرة، خاصةً وهي تتعامل مع تهديداتٍ إقليمية أوسع. وهو تقييمٌ تتفق معه على الأرجح الدول المؤيدة لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولهذا تحاول تلك الدول ومعها دول عديدة في الشرق الأوسط بذل جهودٍ كبيرة لتوحيد الضفة الغربية والقطاع تحت سلطةٍ فلسطينية واحدة.

 

ويشير الباحثان إلى سببٍ إضافي، وهو القلق المتزايد في إسرائيل تجاه الوضع على الحدود الشمالية، واحتمالية نشوب مواجهةٍ عسكرية كبرى مع حركة حزب الله وإيران ذاتها، اللتين مقارنةً بحماس تمثلان تهديدًا استراتيجيًا أكبر بكثير. ولهذا يريان أنَّه من مصلحة إسرائيل استمرار الهدوء النسبي على حدودها الجنوبية، حتى لا تضطر لخوض مواجهاتٍ عسكرية كبرى على جبهتين في الوقت ذاته إذا ما اندلع الصراع مع حزب الله وإيران في الشمال، وخاصةً مع تراجع قدرتها على استهداف شحنات الأسلحة المتجهة من إيران إلى حزب الله عبر سوريا بعد سقوط الطائرة الحربية الروسية مؤخرًا والتوترات مع روسيا إثر ذلك، والتي تسببت في تقليل مساحة المناورة التي كانت تحظى بها إسرائيل في الأجواء السورية. ولهذا، في ضوء التهديد المتزايد في الشمال، يستنتج الباحثان أنَّه من مصلحة إسرائيل تهدئة الوضع في غزة.

 

رحلة «كورنيت».. ماذا تعرف عن الصاروخ الذي دمرت به «حماس» الحافلة الإسرائيلية؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد