ظهور حماس مرة أخرى في طليعة الكفاح ضد إسرائيل في قطاع غزة سوف يسفر عن زيادة شعبية حماس على حساب السلطة الفلسطينية، ومن الممكن أن تؤدي إلى سيناريو كارثي بالنسبة إلى إسرائيل عبر الانهيار التام للسلطة الفلسطينية.

تقول مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية أنه في حين يركز الإسرائيليون على «العنف» النابع من الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإن حماس تستعد بهدوء من أجل جولتها الخاصة المقبلة من القتال. وهي تقوم بإعادة بناء شبكة من الأنفاق في الوقت الذي تقوم فيه بإعادة بناء ترسانتها الصاروخية وتحسين قدراتها الاستخباراتية. ويستطرد الكاتب «مايكل كوبلو» في مقاله المنشور بالمجلة بالقول إن إسرائيل قد أخذت على حين غرة من قبل الأنفاق خلال حرب عام 2014. ويشير الكاتب إلى أن حماس تحاول التأكد من قدرتها على التوغل بشكل أعمق داخل إسرائيل خلال أي حرب قادمة. مؤكدا أنها تعمل تقريبا على مدار الساعة من أجل حفر وتقوية متاهة تقع على عمق يصل إلى مائة قدم تحت الأرض.

ويرى الكاتب أنه، بالنسبة لإسرائيل، فإن التهديدات التقليدية من قبل حماس وحزب الله قد تمثل مشاكل أكبر ، ولكن الحرب مع حماس هي أكثر هذه التهديدات قابلية للاشتعال، وبالتالي يبدو أن الحرب القادمة لا مفر منها، وهي مسألة وقت، ليس أكثر ، على الأقل بحكم الأمر الواقع، على الطريقة التي ناقشها بعض السياسيين مثل زعيم حزب هناك مستقبل «يائير لبيد»، وفق ما أشار إليه المقال.

ويشير المقال إلى أن هذه الحرب هي التي ينبغي أن توجه إسرائيل طاقتها إلى تجنبها. وغني عن القول أن حربا أخرى سوف تجلب معها عددا كبيرا من الضحايا المدنيين بشكل مأساوي بالنسبة إلى الفلسطينيين؛ نظرا لتشعب وجود حماس في المناطق المدنية. ولكنه يؤكد أن الحرب لن تكون بمنأى على الجانب الإسرائيلي أيضا. ويستشهد الكاتب بأن الجولات الأخيرة من القتال في غزة بداية من عملية الرصاص المصبوب في عام 2008 ثم العملية عامود السحاب في عام 2012 ثم أخيرا الحرب في عام 2014 لم تؤد إلى سقوط عدد كبير من القتلى المدنيين في إسرائيل، ولكن لا ينبغي استبعاد آثارها النفسية. مؤكدا أن إسرائيل قد اهتزت بشكل مبرر؛ بسبب اضطرارها إلى الإدارة المستمرة للملاجيء والاعتماد بشكل كبير على نظام القبة الحديدية المضاد للصواريخ خلال الجولة الأخيرة من القتال.

ويشير المقال إلى أنه، على كلا الجانبين، تسهم الصدمات النفسية في تصلب المواقف التي تجعل من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أكثر صعوبة في الحل. مشيرا إلى أن محاولة افتراض أن جولة أخرى من القتال مع حماس وغيرها من الجماعات في غزة سوف يكون أمرا عديم التكلفة بالنسبة إلى إسرائيل يتطلب تجاهل كيف أضرت الحروب الأخيرة بإسرائيل بطرق حقيقية.

انهيار السلطة الفلسطينية: السيناريو الكارثي

President Mahmoud Abbas Speaks At The United Nationsويشير المقال إلى أن حماس تشتبك في معركة أخرى في الضفة الغربية في مواجهة السلطة الفلسطينية من أجل كسب قلوب وعقول الفلسطينيين، وهي معركة يرى أن السلطة الفلسطينية تخسرها بشكل ملحوظ، حيث
يظهر أحدث استطلاع فلسطيني أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سيخسر في الانتخابات في حال خاض مواجهة رأسا برأس مع القيادي في حركة حماس إسماعيل هنية. كما يظهر أن حماس قد تفوز على فتح التي يتزعمها عباس في أي انتخابات تشريعية تجري في الضفة الغربية. كما يظهر أن ثلثي الفلسطينيين يؤيدون الموجة الحالية من الهجمات بالسكين على الإسرائيليين ويعتقدون أن الانتفاضة المسلحة ستكون أكثر فائدة من المفاوضات. وبالنظر إلى هذه الأرقام، وفقا للمقال، فإن ظهور حماس مرة أخرى في طليعة الكفاح ضد إسرائيل في قطاع غزة سوف يسفر عن زيادة شعبية حماس على حساب السلطة الفلسطينية، ومن الممكن أن تؤدي إلى سيناريو كارثي بالنسبة إلى إسرائيل عبر الانهيار التام للسلطة الفلسطينية.

ويؤكد الكاتب أن «الأضرار التي يمكن أن تلحق بإسرائيل في هذا السيناريو ليست مجرد مبالغات؛ نظرا لأن السمة المميزة للعقد الماضي من الهدوء النسبي كانت هي التنسيق الأمني المشركة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وهو أمر لا يحظى بتأييد كبير داخل الجمهور الفلسطيني». مؤكدا أنه «في حال انهيار السلطة الفلسطينية، فإن قوات الجيش الإسرائيلي سوف يكون عليها إعادة احتلال المدن الفلسطينية وإنفاق المزيد من الوقت والموارد في حفظ الأمن وإدارة الضفة الغربية». ومع وجود حرب في غزة، فإن ذلك سوف يزيد من «تطرف» الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية بتأجيج التوترات القومية وإعطاء مصداقية لحجة أن المقاومة المسلحة وحدها يمكنها أن تحقق التطلعات الوطنية الفلسطينية. وسوف تكون النتيجة النهائية هي حملة من«الإرهاب» ضد الإسرائيليين، وفقا للكاتب.

حماس وقرار الحرب

Ismail Haniyeh Speaks On First Anniversary of Major Israeli Offensiveويشير المقال إلى أن قرار حماس بخوض الحرب ضد إسرائيل يستجيب لاثنين من الضغوط المختلفة. الأول يأتي من الجماعات «الأكثر تطرفا» الجهادية في غزة، مثل حركة الجهاد الإسلامي والمجموعات التابعة لتنظيمي القاعدة و«الدولة الإسلامية»، والتي تدأب على تشويه سمعة حماس على أنها ضعيفة الإرادة وغير راغبة في مقاومة إسرائيل. والثاني يأتي من الجمهور، الذي، كما هو موضح في الاستطلاع الرقمي، والذي لا يرى أي أفق للتحسن في المستويات بالغة السوء للحياة اليومية في غزة ويدعم المقاومة المسلحة باعتباره السبيل الممكن الوحيد للخروج. مشيرا إلى أن خوض المعركة على هاتين الجبهتين هو أمر صعب، ويمكنه أن يترك حماس بلا أي خيار سوى شن الحرب، سواء كانت تريد تأجيلها أم لا.

ويرى الكاتب في تحليله أنه سيكون من الأسهل بالنسبة إلى حماس التعامل مع خط الجماعات الأكثر تطرفا إذا تم تخفيف معاناة الشعب إلى حد ما. ولذا فإن المفتاح لتجنب حرب أخرى في غزة لا بد أن يكون عبر تقديم متنفس للفلسطينيين في غزة ما يصعب على حماس مهمة توجيه ضربات داخل إسرائيل. حتى إذا كانت هذه العملية من شأنها أن تخلق مجموعة من المشاكل الأمنية، فإن نتيجتها أفضل بكثير من المخاطرة باندلاع حرب جديدة في قطاع غزة.

ويفصل المقال تلك الخطة بالقول: «أحد عناصر هذه الاستراتيجية هو تخفيف القيود على المدخولات إلى قطاع غزة. خلال العام الماضي، ازداد عدد الشاحنات الإسرائيلية إلى غزة بشكل مطرد، من 5249 شاحنة في فبراير 2015 إلى 12418 شاحنة في شهر ديسمبر، وهو الاتجاه الذي يجب أن يستمر». مشيرا إلى حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» في الماضي عن أهمية السماح بإعادة إعمار غزة من أجل تجنب جولات جديدة من القتال. ويؤكد على أنه ينبغي توسيع عدد العناصر التي يسمح لها بالعبور عبر الحدود أصلا، مثل ألواح الخشب التي تمثل عنصرا حاسما للاقتصاد في غزة؛ بسبب ضرورتها لمصانع الأثاث في القطاع. والسماح بدخولها، رغم إمكانية استخدامها في تشييد الأنفاق.

عنصرا حاسما آخر طرحه الكاتب هو إصلاح نقص الكهرباء والمياه. مشيرا إلى أن حقيقة أن مياه الصرف الصحي في غزة قد بدأت تغمر شواطيء تل أبيب قد تكون كافية لإقناع إسرائيل أنه من المجدي الاستثمار في الأمر. ووفق المقال، إذا لم يتم معالجة النقص المزمن في الكهرباء والماء، فإنه ليس من المستبعد أن إسرائيل سوف تواجه الآلاف من سكان غزة في محاولة لاختراق السياج الحدودي بشكل شبه يومي.

ويدعو الكاتب إسرائيل إلى أن تحصل على تعهد من مصر بالقيام بكل ما في وسعها من أجل تدمير وإغراق الأنفاق الهجومية التي يمكن للسكان في محيط قطاع غزة سماع أصوات حفرها تحت منازلهم. مشيرا إلى أنه في الوقت الذي يتم فيه توفير أسباب تجنب الحرب لسكان قطاع غزة، تنبغي أن يتم «ردع» حماس عن إطلاق واحدة. يجب أن تتم ملاحقة الأنفاق الآن بدلا من الانتظار حتى يتم استخدامها لأن من شأن ذلك على الأقل أن يطيل الجدول الزمني قبل الحرب القادمة ويقلص من حدة المخاوف من أن تخفيف الحصار المفروض على غزة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الهجمات على الإسرائيليين.

ويختم الكاتب بالتأكيد على أنه لا توجد إجابة مثالية لإسرائيل، حيث إن حماس مقتنعة جدا بلعب دور المقاومة، ومن السذاجة التصور بأنها سوف تتغير. منوها إلى إشارة حماس إلى سعيها للحفاظ على وقف إطلاق النار حال اتخذت إسرائيل خطوات لجعل إعادة إعمار غزة أسهل، وبخاصة عندما تشعر حماس أنه يمكن الحفاظ على اليد العليا ضد الجماعات الأكثر تشددا دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية. مذيلا بالقول: إن « كل ما ستفعله إسرائيل لتجنب اندلاع القتال سوف يساعد على تمكين حماس بطريقة أو بأخرى، ولكن البديل هو أسوأ بكثير».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد