في صحيفة الجارديان، يكتب «طوماس فريدمان»، الصحافي الأمريكي الحائز على جائزة البوليتزر ثلاث مرات، عن المنافع التي قد يحملها لنا التأخير عن المواعيد في بعض الأحيان. وإليكم نص المقال:

ليس خافيًا أن الكثير جدًا من الناس باتوا يشعرون بالخوف والتخبط هذه الأيام. فقد أصبح التقدم في أكبر ثلاثة قوى على وجه الأرض –وهي التكنولوجيا والعولمة والتغير المناخي– متسارعًا. ونتيجة لذلك، فإن العديد من جوانب المجتمع وأماكن العمل والمفاهيم الجيوسياسية يعاد تشكيلها وهي في حاجة لوضع تصورات جديدة لها.

وعندما يحدث تحول في معدل التغيير في العديد من المجالات دفعة واحدة، مثلما نشهد الآن، فمن السهل أن يطغى الأمر علينا.

إن اللجوء إلى التوقف والتأمل في مثل هذه الأوقات، عوضًا عن الذعر والانسحاب، هو أمر ضروري. وهذا ليس على سبيل الرفاهية أو الارتباك، بل هو وسيلة لزيادة احتمالات أن تفهم بشكل أفضل، وتنخرط بنشاط مع العالم من حولك.

يقول الكاتب دوف سيدمان: «عندما تضغط زر التوقف في آلة ما، فإنها تتوقف. أما عندما تضغط زر التوقف لدى الإنسان فإنه يبدأ في التفكير، وإعادة تقييم افتراضاتك، وتخيل ما هو ممكن، وإعادة التواصل مع أعمق المعتقدات التي يحملها».

كان إعلان استقلالي عن هذه الدوامة في لحظة ما العام الماضي. أنا ألتقي أصدقائي بانتظام وأجري حوارات مع مسؤولين ومحللين ودبلوماسيين على الإفطار، فهذه وسيلتي لتعلم المزيد خلال اليوم وألا أهدر وجبة الإفطار بتناولها بمفردي. إلا أنه مرة كل فترة، وبسبب الزحام ووسائل المواصلات، يصل ضيوفي متأخرين 10 أو 15 بل وحتى 20 دقيقة. يصلون محرجين ويبدون أعذارًا من نوعية «المنبه لم يعمل» أو «ابني مريض».

في إحدى تلك المناسبات، أدركت أنني لا أكترث بتأخر ضيوفي، لذا كنتُ أرد «لا داعي للاعتذار. في الواقع، شكرًا لك على تأخرك».

وأقول لهم إنني قد قضيت بعض الوقت مع نفسي بسبب تأخرهم. ووجدت وقتًا للجلوس والتأمل. وأنني كنتُ أتنصت على حديث الزوجين الجالسين لدى الطاولة المجاورة، وأراقب الناس. والأهم من ذلك، وخلال هذه الفترة، ربطت بين بضعة أفكار كنتُ أعاني معها منذ أيام. لذا فلا حاجة للاعتذار. بل على العكس، «شكرًا على تأخرك».

وقد لاحظت أنه من الجيد الحصول على هذا الوقت فجأة، ولم يكن هذا شعوري وحدي. مثل العديد من الأشخاص الآخرين، بدأت أشعر بالتعب والإرهاق بسبب سرعة تغير العالم من حولي. وقد احتجت إلى أن أمنح نفسي وضيوفي الإذن بالتمهل، وقضاء وقت على انفراد مع أفكاري، دون الحاجة إلى الكتابة عنها أو تصويرها أو مشاركتها مع الآخرين.

في كتابه الملهم «يوم السبت»، يلاحظ واين مولر كيف أن الناس يقولون له «نحن مشغولون». يقول مولر «نقول هذا لبعضنا البعض دون أدنى فخر. وكأن التعب جائزة لا يجب أن نتشاركها مع الأهل والأصدقاء، وكأننا يجب أن نؤدي التزاماتنا دون لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس، وقد أصبح هذا نموذجًا للحياة الناجحة».

وكما يوضح الكاتب ليون ويزلتيير، فإن العاملين في مجال التكنولوجيا يريدون منا أن نعتقد أن الصبر والتمهل أصبحا عادة لأننا في الماضي «لم يكن لدينا بديل»، فكان علينا الانتظار مدة أطول لإنجاز الأمور. «ولذا، بما أننا قد جعلنا الانتظار أمرًا مهجورًا من الناحية العملية، فإن تصرفاتهم تقول: من يحتاج الصبر الآن؟ لكن القدماء آمنوا بأن الصبر هو غياب السرعة. بل هو مساحة للتفكير والتأمل. ولهذا أفضل تعلم التمهل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات