قد يكون السجن أحيانًا وسيلة لصناعة زعماء المستقبل، بحسب ما خلص إليه مقال الكاتب ديفيد آكس في مجلة «ذا ناشيونال إنترست» الأمريكية، والذي أشار فيه إلى أن القائد النازي أدولف هتلر، الذي قاد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، أعاد تنظيم خططه خلال الفترة التي سُجن فيها، وألف خلالها كتابه سيئ السمعة الذي ساعد في بناء فكرة تقديس شخصيته.

أوضح الكاتب، الذي يعمل محررًا ومؤلفًا لروايات مصورة عن الحروب، أن هتلر – وهو رسام خجول اجتماعيًا وجندي سابق من النمسا – وصل إلى سجن لاندسبيرج في ولاية بافاريا الألمانية، في 1 أبريل (نيسان) 1924، عندما كان في سن الرابعة والثلاثين، لقضاء عقوبة السجن لمدة خمس سنوات بتهمة تنظيم انقلاب فاشل أدى إلى مقتل 18 شخصًا، بينهم أربعة من رجال الشرطة.

سجن لاندسبيرج.. المختبر الذي صُنعت فيه زعامة هتلر

أضاف كاتب المقال أن هتلر دخل لاندسبيرج قائدًا غير واثق في نفسه، يقود حركة سياسية صغيرة وفقيرة وساذجة ومعادية للسامية، وهي حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني، لكنه غادر السجن بعد تسعة أشهر شخصية أكثر ثقة بالنفس، يكتسب باطراد الأهمية والسلطة.

واعتبر أن الأهم من ذلك هو أن هتلر ترك السجن بعدما ألف كتاب «كفاحي»، الذي يتكون من مجلدين يحتويان على مذكرات ومقالات سياسية، والذي على حد تعبير كاتب السير الذاتية فولكر أولريتش «ربط السيرة الذاتية لهتلر ببرنامجه السياسي».

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى أن كتاب «كفاحي» الذي نشر في الفترة ما بين يوليو (تموز) وديسمبر (كانون الأول) 1925، قام بالعمل الأولي المتمثل في إضافة هالة من التقديس حول مؤلفه وموضوعه، فكان هتلر هو الحزب النازي، وكان لاندسبيرج هو مختبره ومختبر النازية.

وأوضح أنه على الرغم من العدد الكبير من الكتب التي تتحدث عن هتلر، إلا أن السيرة الجديدة التي كتبها أولريتش بعنوان «هتلر: الصعود (1889–1939)»، والتي تُرجمت مؤخرًا من الألمانية إلى الإنجليزية، تنفرد ببحثها الشامل ونفورها من فكرة صنع الأسطورة، حيث كتب أولريتش «حولت صناعة الترفيه العالمية منذ فترة طويلة هتلر إلى أيقونة مثيرة للرعب».

وأضاف أنه مما يثير القلق بنفس القدر أن الدراسات حول هتلر تميل إلى الانحراف نحو أحد طرفين، بمعنى هل هناك قوى سياسية وثقافية كبيرة هي التي صنعت من هتلر قائدًا؟ أم أن هتلر هو الذي صنع من نفسه قائدًا؟

ونقل الكاتب عن أولريتش قوله: إن مهمته كانت «جمع كل ذلك معًا وتوليفه»، مضيفًا أن هذا التوازن يتضح عندما يستكشف أولريتش الوقت الذي قضاه هتلر في لاندسبيرج، حين «شجع السجن فقط إيمان هتلر بنفسه وبمهمته التاريخية».

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
عملية فالكيري.. محاولة اغتيال هتلر التي تُمجدها ألمانيا وتُحيي ذكراها

حياة السجن.. وصناعة الزعماء

وبطريقة أفادت الديكتاتور الناشئ، سجنت السلطات البافارية هتلر وزملاءه الذين تآمروا للانقلاب – وأبرزهم رودولف هيس، نائب هتلر المستقبلي – سويًا، حيث «بذل زملاء هتلر السجناء، وعلى رأسهم هيس، كل ما في وسعهم لتعزيز قناعاته».

وتابع قائلًا إن النمساوي هتلر وأبناء وطنه السجناء كانوا يلتقون يوميًا لتناول الغداء، وكان «ينتظر زملاء هتلر السجناء، واقفين بصمت خلف كراسيهم، صيحة «انتباه!»، ثم يسير الفوهرر (القائد)، مصحوبًا بحاشيته الداخلية، عبر صفوف أتباعه المخلصين، ويجلس على رأس المائدة». وأضاف أن هتلر كان يلقي خطابًا قصيرًا، فيصيح أتباعه «يعيش النصر» (Sieg heil).

وأشار آكس إلى أن لاندسبيرج كان مريحًا جدًا لهتلر، أكثر راحة في الواقع من العديد من الشقق المتهالكة والمنازل الداخلية الصغيرة التي عاش فيها هتلر الشاب معظم حياته بعدما بلغ سن الرشد، مضيفًا أن هذا الأمر لم يكن صدفة، فمن خلال اعتقال هتلر وحتى محاكمته وإدانته، أثبتت الحكومة البافارية أنها كانت تخشى بنفس القدر من نفوذ هتلر المتزايد والتعاطف مع فلسفته القائمة على التعصب العنصري. وذكر أن أحد حراس سجن هتلر قال له: «أنا أعرفك، أنا أيضًا اشتراكي قومي».

ووفقًا لأولريتش فقد كان هتلر «يتمتع بمجموعة واسعة من الامتيازات»، إذ كانت «زنزانته» غرفة كبيرة ومتجددة الهواء ومفروشة بشكل مريح مع إطلالة واسعة. وبالإضافة إلى الطعام الدسم المطبوخ في مطبخ السجن، تلقى هتلر باستمرار باقات رعاية، وذكّرت حجرته بعض الزوار بالـ«داليكتاسن» (محل بيع الأطعمة الشهية).

أظهرت محاولة هتلر الانقلابية الفاشلة – وعقوبة السجن المتناسبة – للجماهير الألمانية أن هتلر كان «رجلًا لا يتكلم فحسب، بل كان يتصرف في المواقف الحرجة، وكان مستعدًا لتحمل مخاطر شخصية كبيرة». أما بالنسبة لهتلر، فوجوده في السجن خفف من وطأة تكاليف الحياة اليومية عليه، وأتاح له الكثير من الوقت للقاء أنصاره – حتى خمسة في اليوم – ووفر له الراحة والتركيز لتأليف كتاب «كفاحي» على آلة كاتبة قدمها له مسؤولو السجن.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: تعرف إلى إحدى خطط هتلر المجنونة في الحرب العالمية الثانية.. وكيف انتهت؟

منعطف سلوكي للسيطرة على الدولة

وهكذا استرخى هتلر، وأكل، وشحذ مهاراته القيادية والخطابية، وعكف على كتابه – وتصرف بأدب. وفي تناقض حاد مع السلوك التحريضي الذي تسبب في دخوله لاندسبيرج، كان هتلر ملاكا مثاليا خلال فترة وجوده في السجن، إذ «تجنب هتلر بحذر أي نزاع مع سلطات السجن».

واعتبر الكاتب أن التصرف بأدب لم يكن مجرد طريقة هتلر للحفاظ على امتيازات سجنه، فالتعامل بلطف مثل أيضًا منعطفًا فلسفيًا رئيسًا لهتلر، فقبل أن يتطلع الرجل القوي الطموح إلى الإطاحة بالدولة، أراد أن يسيطر على الدولة… عن طريق آليات الدولة.

وكتب أولريتش أن هتلر ذكر في فبراير (شباط) 1942 أنه «أثناء سجنه في لاندسبيرج أصبح مقتنعًا بأن العنف لن ينجح، نظرًا لأن الدولة راسخة للغاية وتملك كل الأسلحة بحوزتها». وأضاف أن هتلر عاش بهذه القناعة، وبعدما أُطلق سراحه مبكرًا من السجن في ديسمبر عام 1924، أعاد تنظيم حزبه الاشتراكي القومي، وروج كتابه، وجذب جمهورًا عريضًا والذي أصبح – وسط الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية العالمية – أكثر تعاطفًا مع الخطاب المعادي للسامية.

وقال الكاتب: «إن هتلر ترشح للرئاسة عام 1932 وخسر. ولكن في ظل قيادته، فاز النازيون بأكبر كتلة من المقاعد في البرلمان. وعين الرئيس الألماني بول فون هيندنبورج هتلر مستشارًا على مضض. وبعد مرور عام، أقر المشرعون النازيون قانونًا مهد الطريق لهتلر في نهاية المطاف للحصول على سلطات ديكتاتورية».

واختتم الكاتب مقاله بالقول: «إن هتلر لم يضيع وقتًا وقاد بلاده إلى حرب إبادة، وكانت فترة السجن الملائمة تمامًا قد أعدته لذلك».

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
هكذا استُخدم «الكريستال ميث» في الحرب العالمية الثانية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد