انطلقت اليوم «ورشة العمل» المخطط لها في البحرين لطرح الجزء الاقتصادي من «صفقة القرن»، الاسم المعروف لمقترح السلام الخاص بإدارة ترامب في الولايات المتحدة، والذي يهدف لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبحسب تقريرٍ لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، أعده شون يوم، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة تمبل، وكاترينا سامور، المحللة السياسية بالمملكة الأردنية، يحضر الأردن المؤتمر الذي ترعاه الولايات المتحدة في البحرين بضغطٍ من إسرائيل والسعودية وإدارة ترامب.

وفقًا ليوم وكاترينا، يفعل الأردن ذلك على مضض، لأنَّ من شأن حضوره أن يكون بدايةً لأزمة وجودية سوف تقلب استقرار البلاد رأسًا على عقب في السنوات القادمة.

وعلى الرغم من أنَّ إسرائيل وفلسطين قررتا ألَّا ترسلا وفودًا رسمية، فإنَّ هذه القمة متعددة الأطراف تُمثل الانطلاقة الاقتصادية لـ«صفقة القرن». إذ ستتعهد بتقديم عشرات المليارات من الدولارات للأراضي الفلسطينية والجيران العرب، بما في ذلك الأردن، لتكون حوافز لقبول خطة من شأنها أن تمنع قيام دولةٍ فلسطينية. ولما كان الأردن يعاني من أزمةٍ مالية، يرى يوم وكاترينا أنَّه من الطبيعي أن يكون الأردن متحمسًا لأي مساعداتٍ خارجية، بعد أن ارتفع الدين الأجنبي تقريبًا ليتساوى مع إجمالي الإنتاج الاقتصادي، ووصلت نسبة البطالة إلى قرابة 20%.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، يوضح تقريرهما أنَّ المشكلة تتعلق بالهوية القومية للأردن، أو بالأحرى غياب هذه الهوية، وهي مشكلة لا يمكن لزيادة المساعدات الأجنبية أن تحلها. إذ يخشى الأردنيون من أنَّ صفقة القرن تعني أن تصبح مملكتهم «وطنًا بديلًا» للفلسطينيين، الذين سوف يدخلون من خلال إعادة التوطين الجماعي، أو من خلال اتحادٍ كونفدرالي مع أي جزء من الضفة الغربية لا تريده إسرائيل.

بحسب الكاتبين، نشأ هذا المقترح بأن تصير الأردن وطنًا للفلسطينيين بين اليمين الأمريكي والإسرائيلي في الثمانينيات، ويقوم على منطقٍ يبالغ في تبسيط الأزمة: إذا كانت إسرائيل لا تريد الفلسطينيين، فلنرسلهم إلى الأردن.

وهذا أيضًا هو الكابوس الذي يوحد الأردنيين في مقاومةٍ جماعية. ذلك لأنَّ السؤال المطروح عن هوية الأردني من الصعب الإجابة عنه، بالنظر إلى تاريخ المملكة القصير، وتنوعها المجتمعي وانفتاحها على اللاجئين. ولكن بينما قد يختلف الأردنيون حول سؤال «ما هو الأردن؟»، فإنَّهم يعرفون تحديدًا أنَّ الأردن ليس بأراضٍ فلسطينية.

أزمة هوية

يوضح يوم وكاترينا أنَّه في ظل تدفق اللاجئين الفلسطينيين النازحين بسبب الحروب العربية الإسرائيلية، فإنَّ أغلبية الأردنيين اليوم ينحدرون من أصول فلسطينية. غير أنَّ هؤلاء يدركون أنَّ الاعتراف بسيناريو الوطن البديل يعني القضاء على حقهم في العودة، فضلًا عن التنازل عن حلم الدولة الفلسطينية.

ويخشى الأردنيون من أبناء القبائل، الذين تعود أصولهم إلى الضفة الغربية ويمثلون قاعدة الدعم التاريخية للنظام الملكي الحاكم، من أن يُقلص هذا درجتهم إلى مجرد طبقة ديموجرافية شائخة، مع مفاقمة التوترات الطائفية التي خلفتها الحرب الأهلية لعام 1970، والتي لا تزال موضوعًا محظورًا. وترفض الأسرة الهاشمية الحاكمة هذا الخيار بإصرار، لأنَّه سيثير الاضطرابات ويلحق الضرر الشديد بالاقتصاد، وينهي وصايتها الرمزية على الأماكن المقدسة في القدس.

وفي مملكةٍ ليست غريبة عن الاحتجاجات، فإنَّ مثل هذا الإجماع المذهل في رأي يوم وكاترينا يثبت صحة ما يعرفه الكثير من أساتذة العلوم السياسية، وهو أنَّ الهوية ليست أمرًا ماديًا، ما يعني أنَّ الأفكار والقواعد التي تبني تصورًا قوميًّا للذات تستغرق وقتًا طويلًا لكي تتطور، ولا يمكن ببساطة فرضها أو شراؤها.

ويشير الكاتبان إلى أنَّ هناك ثلاثة مؤشرات على حدّة الأزمة: أولًا، أثارت وسائل الإعلام الدولية، بما في ذلك حتى المنصات الإعلامية الإسرائيلية، مخاوف حادة حول مستقبل الأردن بقلق لم يُعهد منذ الربيع العربي.

ثانيًا، كان الخطاب السياسي الأردني مشبعًا بمواطنين يستدعون شعورًا بالولاء الوطني يكاد يكون متكلفًا، مع ارتفاع شعبية الملك عبد الله حتى بين المنتقدين الاعتياديين. إضافةً إلى أنَّ القراءة المتأنية لوسائل الإعلام المحلية تُظهر أيضًا خوفًا لدى جميع الأطراف، وهو خوف النخب الأردنية القبلية من فقدان «أراضيها»، وخوف الفلسطينيين الأردنيين من معاناة الصراع الأهلي، وخوف الملكية من الكوارث الجيوسياسية.

وحسبما حذر أحد المسؤولين: إذا تزعزع استقرار الأردن، وهو الحليف الغربي الاستراتيجي وشريك السلام لإسرائيل، فربما يؤدي هذا إلى إحراق المنطقة.

وأخيرًا، تبنى النظام الملكي الحاكم وضع الاستعداد للحرب في صياغة وجهة نظره للأمور؛ مما عزز الطريقة التي تعكس بها السياسات المحلية والعلاقات الخارجية بعضها بعضًا في نضال الأردن من أجل بقاء النظام. إذ شهد الأردن الصيف الماضي مظاهراتٍ جماهيرية ضد إجراءات التقشف، أدت إلى تنصيب رئيس الوزراء الحالي عمر الرزاز. وفي شهر مارس (آذار)، بينما تصاعدت الضغوط الدولية والشكوك الداخلية، استخدم النظام القمع، فنصَّب قيادة جديدة لجهاز المخابرات، وأقال عشرات الضباط الذين يعتقد أنَّهم عملوا خارج نطاق اختصاصهم.

وأجرى النظام تعديلاتٍ وزارية في حكومة الرزاز، ورقَّى إحدى الشخصيات المحافظة المشهورة ليكون وزيرًا للداخلية، فألقى القبض بعدوانية أكبر على الكثير من قادة الشباب من نشطاء الحراك الأردني. فكانت الرسالة التي أراد النظام إيصالها -في وقتٍ تمر فيه البلاد بأزمة غير مسبوقة: أنَّ الأولوية للأمن الداخلي.

Embed from Getty Images

صفقة القرن المدمرة

في غضون ذلك، نوَّع الأردن استراتيجيات سياسته الخارجية حسبما يرى يوم وكاترينا. ففي الشهور الأخيرة، حاول الأردن التقارب في مبادراتٍ حظيت بتغطية كبيرة مع تركيا والعراق وإيران وروسيا وقطر، وكلها دول خارج المحور الإسرائيلي السعودي الأمريكي الذي يدعم صفقة القرن. ويبدو هذا البحث عن تحالفات جديدة رد فعلٍ منطقيًّا لبلد صغير مثل الأردن، بلد لم يعد يشعر بالأمن بالاعتماد على رعاته الخارجيين التقليديين.

فالسعودية، على سبيل المثال، أصبحت مساعداتها مشروطة بالأهداف الجيوسياسية على نحوٍ متزايد. إذ عرضت في شهر أبريل (نيسان) مليار دولار لو وافق الأردن على تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعةً إرهابية، وألمحت المملكة مؤخرًا إلى أنَّ الدعم المستقبلي سوف يتطلب الإذعان لصفقة السلام. ويشعر الأردن أيضًا بتعرضه للخيانة من راعيه التاريخي، وهو الولايات المتحدة (على الرغم من زيارات الملك عبد الله السبع لواشنطن منذ عام 2017).

إذ يرى الأردن خطوات إدارة ترامب أحادية الجانب ضد الدولة الفلسطينية منذ عام 2018، بوصفها خطواتٍ غير مسبوقة، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإغلاق سفارة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وقطع المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والسلطة الفلسطينية.

وبرر المسؤولون الأردنيون للجمهور حضورهم محادثات البحرين على نحوٍ براجماتي؛ قائلين إن الأفضل أن يكونوا داخل الغرفة التي تُتخذ فيها القرارات، حيث يكون بإمكانهم تعطيل العملية وتعزيز المصالح الفلسطينية.

أما في السر، يعتقد يوم وكاترينا أنَّ هؤلاء المسؤولين يرون الأمر ابتزازًا ضخمًا من الأنصار الأساسيين لصفقة السلام، بدءًا من صهر الرئيس ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، ووصولًا إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ويوافق هؤلاء على مضض في ظل حاجة الأردن اليوم للمعونة الأمريكية والخليجية للحفاظ على قطاعه العام الضخم، وجيشه باهظ التكلفة، وتكلفة استيعاب قرابة مليون لاجئ سوري.

لكن ما دام سيناريو الوطن البديل يبدو نتيجةً محتملة لما يحدث اليوم الثلاثاء، يتوقع الكاتبان أن تواجه المملكة الهاشمية أزمة وجودية للهوية الوطنية. ومن ثم ربما تؤدي صفقة القرن في نهاية المطاف إلى تدمير دولتين: فلسطين والأردن.

الصفقة تضر بالمملكة.. هل يستطيع الأردن «درء مفاسد» صفقة القرن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد