تروي آشلي فيترز، الكاتبة بمجلة «ذي أتلانتك»، أنَّها حينما كانت في الرابعة من عمرها، كانت لها نكتة مفضلة دائمًا ما كانت تلقيها على أقاربها، وهي:

«طق طق

– من بالباب؟

– جيتار

– جيتار من؟

– جيتار إذا لم يكن لديك منزل!».

وتقول إنَّه في كل مرةٍ، بعدما تنتهي من إلقاء جملتها الختامية، كانت تنظر إلى جمهورها في ترقب، ثم تمر لحظة، إما يضحكون بعدها أدبًا منهم، وإما ينظرون إليها في حيرة. «جيتار إذا لم يكن لديك منزل»؟، ترى آشلي الآن أنَّ لا شيء ذكي أو مضحك في هذه الجملة، فهي لا تفتقر إلى أي معنى أو منطق فحسب، بل إنَّها تفتقر إلى أي تلاعب لفظي، أو أي تلميح يجعل منها دعابة متداخلة، تلمح إلى دعابةٍ أخرى مثلًا.

ليست سوى مجموعة من الكلمات التي يألفها الأطفال الصغار، مرتبة بطريقةٍ عشوائية داخل البنية المعروفة لنكات «دق الباب»، الشهيرة في الثقافة الأمريكية بـ«Knock knock jokes». تضحك أمها الآن وهي تحكي لها عن عروضها الكوميدية المحببة غير المنطقية، أكثر من أي مرة وقفت فيها أمامها لتلقي هذه الدعابة.

«جيتار إذا لم يكن لديك منزل» هو مثال نموذجي للعبارات الختامية الغريبة، والساذجة، ومجهولة المصدر، التي يلقيها الأطفال في مثل هذه السن. وتقدم صفحة «Kids Write Jokes»، التي أُنشئت في عام 2012 على منصة تمبلر، المئات من النكات التي تشبه إلى حد كبير نكتة آشلي القديمة، أو بمعنى أدق، تطرح العبارات التي تشبه النكات، لكنَّها مسلية لأنَّها غريبة، لا لكونها ذكية ومضحكة. وتطرح آشلي بعض الأمثلة:

«ما اسم الشيء كريه الرائحة، الذي ليس له جسم؟ اليقطين». «حاول رجل وسحلية ذات مرةٍ الدخول إلى حانة، فإذا بالنادل يقول: السحالي ممنوعة». «لماذا لم يكن للكلب عائلة؟ لأنَّ رائحته كانت كريهة أكثر من اللازم».

«طق طق

– من بالباب؟

– هل تريد مني تنظيف منزلك؟

– لا، شكرًا.

– حسنًا».

وفقًا لآشلي، هناك عدة أسباب مختلفة تجعل الأطفال يؤلفون مثل هذه النكات، التي غالبًا ما تكون غريبة وغير مألوفة. فبحسب ما ذكرته أليسا مكابي، أستاذة علم النفس بجامعة ماساتشوستس المتخصصة في النمو اللغوي عند الأطفال، تشبه نكات الأطفال الصغار إلى حدٍّ ما، ما يصدره الرضع من أصوات، فالأطفال الرضع يتعلمون الأصوات وإيقاع المحادثات المنطوقة قبل أن يتعلموا الكلمات الفعلية، وهو ما يؤدي إلى نشوء «المصطلحات التعبيرية» أو اللغة الغريزية للأطفال، التي تفتقر إلى الكلمات الحقيقية، لكن مع ذلك تفيد بما يحاولون قوله عندما ينتابهم الفضول، أو عند الإحساس بالسعادة، أو الانزعاج على سبيل المثال. (هناك سلسلة كاملة لطيفة للغاية من مقاطع الفيديو على يوتيوب لرضعٍ يصدر منهم ما وصفته أليسا مكابي بالمصطلحات التعبيرية).

بالمثل، تقول أليسا إنَّ الأطفال الأكبر سنًّا، الذين غالبًا ما يكونون في سن ما قبل الدخول للمدرسة، يتعلمون إيقاعات النكات وبنيتها دون أن يفهموا حقًّا ماهية الفكاهة، مما يؤدي إلى كلام غير منطقي، له شكل المزحة، لكنَّه ليس كذلك.

وينتبه الأطفال أيضًا في كثير من الأحيان إلى أنَّه عندما يلقي شخصٌ بالغ نكتةً ما، فإنَّه غالبًا ما يلاقي اهتمامًا واستحسانًا يشعرانه بالقوة والتمكن. وتضيف أليسا أنَّ الشيء ذاته ينطبق على التلفظ بكلماتٍ بذيئة، باستثناء تلقي الاستحسان بالطبع، ثم تضحك قائلةً: «يلاقي الأطفال الكثير من ردات الفعل المؤسفة إذا تلفظوا بأي كلمةٍ بذيئة». لكن عندما يحاول الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة إلقاء النكات، توضح أنَّهم «يلاقون الكثير من ردات الفعل (الإيجابية)؛ لأنَّ غالبًا ما تكون تلك المحاولات لها وقع لطيف وغير منطقي»، ما يشجعهم بعد ذلك على محاولة إلقاء مزيدٍ من النكات.

ويوافق ستانلي دوبينسكي، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة كارولينا الجنوبية، ومؤلف كتاب «فهم اللغة من خلال الفكاهة»، على أنَّ الأطفال يميلون إلى إلقاء النكات الغريبة لأنَّهم لم يفهموا بعد ماهية النكتة. ويوضح أنَّ ماهية النكتة تكمن في قدرتها على أن تقدم شيئًا من «التعارض» (أي تناقضٍ ما، أو وضعٍ مفاجئ ومربك) ثم تحلُّها حلًّا متماسكًا.

ما الذي تكشفه رسومات طفلك عن مشاعره وشخصيته؟

يقول دوبينسكي إنَّ الأطفال، خصوصًا أولئك في ما قبل المرحلة الدراسية الابتدائية، كثيرًا ما يتعرضون للنكات التي لا يفهمونها، ولا يعني بهذا فقط النكات التي غالبًا ما يواريها منتجو أفلام الأطفال، مثل شركة «بيكسار»، في حوار الفيلم بغرض اجتذاب الآباء، لكنَّه يقصد بذلك أيضًا «محاولات الآباء تلقين أطفالهم نوعًا معينًا من النكات بهدف تعريفهم إلى الفكاهة، لكنَّهم لا يفهمون أغلبها». لذا يضيف دوبينسكي أنَّه من الطبيعي أن يعتقد بعض الأطفال أنَّهم لو جمعوا بين مفهومين غريبين وغير متجانسين، سواء في نكات دق الباب، أو نكات «ما اسم كذا؟»، ستصبح لديهم نكتة قابلة للإلقاء.

ويكمل دوبينسكي أنَّه حين ينتبه الأطفال إلى أنَّ النكات قائمة على مبدأ التناقض، يحاولون تطبيق هذا المبدأ في غير سياقه، «دون أن يكونوا قد طوروا بعد الفهم اللازم لتكوين تناقض قابل للحل».

وهذا أحيانًا ما تنتج منه نكاتٌ تشبه شكلًا أكثر تطورًا من الدعابة، أو ما يُسمى «الدعابة المضادة»، التي غالبًا ما تفتقر إلى جمل ختامية ذكية أو مرضية، وتقتصر على كونها مجرد تعليق ذكي أو «مترِّفع» على مبدأ النكات ذاته.

تطرح الكاتبة أمثلة على هذا النوع من النكات، مثل: «ماذا قال فرنسي لآخر؟ لا أدري. أنا لا أتحدث الفرنسية»، أو «ما هو الأسوأ من العثور على دودة في تفاحتك؟ الهولوكوست». ويشرح أنَّه إذا تخيلنا وجود طيف ما لهذه الدعابات المترفعة، ففي نقطةٍ ما منه نجد النكات غير المضحكة البلهاء التي يلقيها الأطفال الصغار، وبعدها مباشرةً نجد دعابات الآباء، التي لها منطق ما، لكنَّ جملتها الختامية تفتقر إلى عنصر الإضحاك، هذا بينما تتجلى النكات المضادة في الجهة المقابلة من الطيف، ويصفها دوبينسكي بأنَّها أشبه بمقالب يتعرض لها أي متلقٍ ذي ذوقٍ عادي بما يكفي لينتظر في نهاية أي من هذه الدعابات جملًا ختامية مضحكة. إلا أنَّ بعضًا من أطرف المشاركات على صفحة Kids Write Jokes تشبه أيضًا النكات المضادة، إذ يقول دوبينسكي إنَّ دعابته المفضلة هناك هي: «لماذا تقيأ النمر على الأريكة؟ لأنَّه كان مريضًا».

عرضت أليسا في بحثها حول النمو اللغوي للأطفال إلى الكثير من نكات الأطفال الصغار التي لا تُضحك أحدًا سوى الأطفال أنفسهم. لكنَّها تضع تلك النكات في فئة تسميها «الأخطاء الذكية»، وهي عبارة عن أخطاء شفهية يرتكبها الأطفال في طريقهم إلى إدراك ماهية الكلمات وأساليب التواصل.

فإنَّ قول «أنا ذهبتِ» بدلًا من «أنا ذهبتُ»، على سبيل المثال، هو خطأٌ ذكي؛ لأنَّ الأطفال يعرفون معنى كلمة «ذهبت»، ويعرفون القاعدة العامة لضمير المتكلم وضمير المخاطب، لكنَّهم لم يتقنوا بعد تركيبة هذا الفعل بعينه. وبالمثل، فإنَّ إلقاء الأطفال لنكتة لا معنى لها، ينشأ نتيجة فهمهم للخصائص اللغوية للنكات ودورها الاجتماعي، حتى لو لم يفهموا تمامًا بعد ما يجعل نكتةً ما تثير الضحك.

وبحسب الكاتبة، تقول أليسا إنَّ الآباء الذين سئموا من دعابات أطفالهم يمكن أن «يوفروا لهم فرصة إصلاح ما يقولونه، إذ يمكن أن تجيب الأم أو الأب بـ«آه، نعم، تشبه هذه النكتة هذا أو ذاك، ثم يلقون دعابةً أخف منها ظلًا». لكنَّها تشجع الآباء على الضحك ببساطة مع أطفالهم حتى تنتهي مرحلة إلقاء النكات السيئة، وتختم ساخرة بأنَّهم يتجاوزونها بالفعل في النهاية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s