تُعَدُّ لبنان دولةً صغيرةً نسبيًا من حيث المساحة وتعداد السكان، لكنَّها تعيش حياةً سياسيةً مُعقَّدةً وصراعاتٍ طائفيةً تعصف بها منذ أمدٍ بعيد. وليست الأزمات السياسية الأخيرة التي ضربت البلاد بجديدةٍ على السياسة اللبنانية، بل يُمكننا القول إنَّها أصبحت أمرًا معتادًا بالنسبة للمواطن اللبناني العادي، وإن تعذَّر فهمه بعض الشيء على المُتابعين الأجانب. وترى مجلة «الإيكونومست» البريطانية في تقريرٍ نشرته عن الوضع اللبناني أنَّ مشاكل هذا البلد ترجع إلى التقدم البطيء في حياته السياسية.

تشير المجلة إلى أنَّ لبنان استغرقت عامين ونصف العام لانتخاب رئيسها الحالي، وتسعة أعوامٍ لإجراء الانتخابات البرلمانية، و12 عامًا لتمرير مشروع الميزانية. ويبدو أنَّ تشكيل الحكومة يتبع نفس القاعدة الزمنية. إذ قضت لبنان قرابة العامين ونصف العام في آخر 13 عامًا دون حكومة، وامتدت محادثات تشكيل الحكومة الجديدة لأكثر من سبعة أشهر. وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي قال سعد الحريري رئيس الوزراء السُنِّي إنَّه يأمل في الانتهاء من تشكيل الحكومة الجديدة قبل نهاية العام.

Embed from Getty Images

وبحسب التقرير، السبب الرئيسي في هذا الجمود هو النظام السياسي الطائفي في لبنان. إذ تُقسَّم مقاعد البرلمان بالتناسب بين الجماعات الدينية الثمانية عشر في البلاد، بناءً على اتفاقية تقاسم السُلطة التي يعود تاريخها إلى حقبة الاستعمار الفرنسي. وتُقسَّم المناصب الحكومية ووظائف القطاع العام بين الطوائف. ويكون الرئيس دائمًا مسيحيًا مارونيًا، ورئيس الوزراء مُسلمٌ سُنِّيٌ، ورئيس البرلمان مُسلمٌ شيعيِّ. وتُمرَّر قرارات الحكومة بأغلبية ثُلثي المجلس، لكنَّ حزب الله، الميليشيا والحزب السياسي الشيعي، ضمن الحصول على ثُلث الحقائب الوزارية مع حلفائه بموجب اتفاقيةٍ أُجرِيت عام 2008، مما يمنحه حق الفيتو. ويتطلَّب التوصُّل إلى توافقٍ بشأنٍ أي قرار مثل تشكيل الحكومة أن تضع الجماعات الطائفية خلافاتها جانبًا. ويستغرق هذا الأمر وقتًا طويلًا داخل مجتمعٍ تقسمه الخطوط الطائفية.

وتنفي «الإيكونومست» أن تكون أسباب الأزمة السياسية الأخيرة مختلفةً كثيرًا. لكن تجمع المُشادة هذه المرة بين الحريري وحزب الله.

Embed from Getty Images

مُنِيَ تكتل الحريري، المُؤيِّد للغرب والمدعوم من المملكة العربية السعودية، بهزيمةٍ ساحقةٍ في انتخابات شهر مايو (أيار)، خسر على إثرها ثُلث مقاعده. في حين يُطالب حزب الله المدعوم من إيران الحريري بتسليم إحدى حقائبه الوزارية إلى برلمانيٍ سُنِّي من معسكر حزب الله، وهي الخطوة التي تُقوض مزاعم الحريري بأنَّه الزعيم الوحيد الذي يُمثِّل السنة اللبنانيين، في حين تُعزِّز من نفوذ حزب الله وحلفائه بحسب المجلة. ويرى البعض الدور الخفي الذي تلعبه الأيادي الغربية. إذ يُرجِّحون أنَّ إيران تستخدم وكيلها في البلاد للرد على أمريكا، التي أعادت فرض العقوبات على إيران مؤخرًا، وذلك بالمماطلة في تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة والحد من قدرة لبنان على التصرُّف باعتبارها حصنًا ضد ما وصفته المجلة بـ«التشدَّد» و«الإرهاب».

وتُؤكِّد «الإيكونومست» أنَّ لبنان ليس بمقدورها أن تتحمل قضاء فترةٍ طويلةٍ بدون حكومة. رغم أنَّها فعلت ذلك في السابق، لكنَّ الثقة في الاقتصاد المُضطرب ضعيفةٌ في الفترة الحالية بالفعل. هذا فضلًا عن المخاوف المتزايدة من اندلاع حربٍ مع إسرائيل، نظرًا لاستمرار الأخيرة في قصف الأهداف التابعة لإيران وحزب الله في سوريا، وإطلاقها مشروعًا لتدمير ما تزعم أنَّه أنفاقٌ تابعة لحزب الله على الحدود اللبنانية. وربما تتسبب هذه المخاوف في إضعاف تدفُّق الحوالات المالية التي تعتمد عليها لبنان في سد عجزها المالي، مما قد يُؤدِّي إلى تخلُّف لبنان عن سداد ديونها في النهاية، إذ تمتلك واحدةً من أكبر نسب الديون مقارنةً بإجمالي الناتج المحلي في العالم. وتعهَّدت مؤسساتٌ مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية بتقديم مساعداتٍ قيمتها 11 مليار دولار في صورة قروضٍ ومِنَحٍ مُيسَّرة. لكن بدون حكومة، ستفشل لبنان في تطبيق الإصلاحات اللازمة للحصول على الأموال. وتكمُن الخطورة هنا في أنَّ التشاحن بشأن الحقائب الوزارية ربما يستمر في عام 2019، مما سيُؤدي إلى انهيار الاقتصاد قبل تشكيل الحكومة.

Embed from Getty Images

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد