قالت إلين لابيسون في مقال لها على موقع «وورلد بوليتيكس ريفيو» إن مصطلح «الفشل» بات يقترن بكافة المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخبارية الأمريكية، وأن جميع الرؤساء الأمريكيين وُصموا بالفشل في ملف ما.

وترى لابيسون أن تقييم السياسات والاستراتيجيات المتبعة أمر لا بد منه. بيد أن بعض الاعتقادات المضللة التي أصبحت راسخة تحتاج منا إلى إعادة تدقيق.

إذا نظرنا إلى الربط بين ملفات ليبيا والعراق وأفغانستان واعتبارها أيقونات الفشل الأمريكي – تقول لابيسون – فسنجد أن حربي أفغانستان والعراق قد شنتا بقرار من جورج بوش الابن، أما حرب ليبيا فكانت بقرار من أوباما. وعليه، يتحمل المحافظون الجدد مسئولية الفشل في العراق وأفغانستان. أما الفشل في ليبيا وحتى سوريا، فيقع على عاتق الليبراليين من أنصار التدخل في شؤون الغير.

تعيش ليبيا مأساة كبرى اليوم، فقد غاب القانون بعد سقوط معمر القذافي ومقتله، تلا ذلك إخفاق الفرقاء الليبيين على الجلوس معًا والاتفاق على بناء دولة مدنية. وقد أدى ذلك إلى أن أصبحت ليبيا معقلًا للإرهابيين وتجارة السلاح والاتجار في الأفارقة الراغبين في الهجرة إلى أوروبا، فباتت ليبيا صداعًا يؤرق بلدان المنطقة. ولكن – تستطرد لابيسون – ظهر أمل اليوم في قدرة غسان سلامة – المبعوث الأممي – الذي يصفه المقال بالموهوب على جمع الفرقاء الليبيين حول اتفاق حكم أكثر براجماتية، حتى يشرعوا في بناء دولتهم.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: من شقته بالقاهرة.. كيف يخطط قذاف الدم للسياسة في ليبيا؟

تؤكد لابيسون على أن الانتقادات الموجهة للتدخل الأمريكي في ليبيا لها مبرراتها؛ إذ كان السبب وراء التدخل وفق ادعاء أوباما هو «منع وقوع مجزرة بحق المدنيين في بنغازي، التي إن وقعت فستبقى وصمة عار في جبين العالم». لكن ما حدث هو أن سقط النظام وأُعدم القذافي. وهنا يكشف الكاتب ميكاه زنكو عن أن الغرض من التدخل منذ البداية كان إسقاط النظام.

ويعتقد معارضو التدخل أن حالة ليبيا أضرت بمبدأ «مسؤولية الحماية». إذ فقد العالم الثقة في الولايات المتحدة. وهذا سيحول دون التدخل في حالة طوارئ في المستقبل لمنع ارتكاب جرائم حرب، خشية أن تكون البلدان الغربية قد وضعت خططًا أكثر طموحًا لتغيير النظام.

لكن مأساة العراق أكبر بكثير – تشير لابيسون – مع آثار دائمة لا تزال يتردد صداها حتى اليوم ومن المرجح أن تظل كذلك لسنوات قادمة.

بيد أن بعض المنتقدين للتدخل الأمريكي غاضبون من قيام أوباما بإفساح الطريق لدول الناتو الأكثر قربًا من ليبيا مثل إيطاليا وفرنسا لأخذ زمام المبادرة. ما زالت الولايات المتحدة تقدم الدعم الفني واللوجيستي الضروري، ولا ترى مشكلة في المشاركة في عملية تقودها أوروبا. أما بالنسبة إلى أولئك النقاد، كان على الولايات المتحدة تولي زمام المبادرة.

وفوق كل ما سبق – تكشف لابيسون – وجهت انتقادات بسبب الفشل في تخطيط وتنفيذ عملية بناء الدولة بعد انتهاء الصراع، مع الفشل في إيلاء اهتمام خاص وعاجل لتشكيل قطاع أمني جديد يحفظ القانون والنظام الداخلي ويراقب الحدود. ولكن بدلًا من ذلك، أعلن زعماء غربيون أنهم لن يتدخلوا إلا إذا طلبت ليبيا ذلك. لكن ليبيا لم تكن قادرة حتى على طلب تلك المساعدة، فقد مرت أشهر عديدة قبل أن يتم تدشين تعاون أمني مع دول خارجية.

اقرأ أيضًا: المخابرات المصرية.. أذرع السيسي الناجحة في 5 دول عربية

لكن وضع مسؤولية الفشل في ليبيا على الولايات المتحدة يعتبر غير منطقي – تضيف لابيسون. فقد كان مقدرًا لليبيا السقوط في الفوضى بعد القذافي – سواء كان نُفي أو مات. إذ أمضى الرجل أكثر من أربعة عقود يقود الدولة بمفرده، ولم يترك سوى ملفات هامشية في يد المؤسسات التي كان يمكنها أن تدير المرحلة الانتقالية. إذا قارنا ذلك بالعراق، كان الهدف من الغزو الأمريكي هو تفكيك مؤسسات دولة حزب البعث، في اعتقاد خاطئ بأن إقامة عراق ديمقراطي جديد سيحدث سلميًا وبدعم من الشعب. لذا فالمسؤولية الأمريكية في العراق عميقة، مع آثار دائمة لا تزال قائمة حتى اليوم ومن المرجح أن تظل كذلك لسنوات قادمة.

أما في أفغانستان – تضيف لابيسون – فقد مضت واشنطن إلى الحرب لإطاحة حكومة طالبان فى كابول بعد هجمات سبتمبر (أيلول) بسبب إيواء الأخيرة عناصر القاعدة. وكانت تظن أن التحالف الدولي يمكن أن يكون شريكًا مثمرًا في أفغانستان المحررة. لكن بناء الدولة كان صعبًا جدًا، وانصرفت إدارة بوش بسرعة نحو حربها في العراق. ولم تكن الموارد الأمريكية والاهتمام السياسي كافيين لمواجهة التحديات الهائلة في أفغانستان.

اقرأ أيضًا: سعر الفرد 200 دولار.. ماذا تعرف عن تجارة العبيد في ليبيا؟

ظل غياب الأمن مشكلة كبرى في أفغانستان، على الرغم من الاستثمارات الضخمة التي انهالت على البلاد. وعوضًا عن ذلك، عطلت أمريكا هياكل السلطة الموجودة وأثبتت أنها قوة استعمارية جديدة، ولم تدرك السرعة التي تحول بها المجتمع الأفغاني إلى مجموعة مختلفة من الحوافز الاقتصادية والسياسية. باتت طالبان تسيطر اليوم على نصف أفغانستان تقريبًا، وقد ذهبت التعهدات الأمريكية بمواصلة التعاون مع قوات الأمن الأفغانية أدراج الرياح، بل وحتى العاصمة التي تخضع للحراسة المشددة ليست آمنة من هجمات طالبان أو غيرها من التنظيمات الإرهابية. هناك أسباب كثيرة لهذا الفشل في إحلال السلام والأمن في أفغانستان، ومن بينها سياسيون أفغان يتقاسمون بعض المسؤولية.

وهنا يبرز سؤال: متى تكون القوة الخارجية عاملًا حاسمًا في نتيجة أي تدخل أو اضطرابات عنيفة؟ تتحمل الولايات المتحدة المسئولية عن العراق لأنها استولت على سيادة البلاد. لكن الولايات المتحدة لم تسيطر على ليبيا أبدًا. وبالنظر إلى طبيعة مشاركتها، فليس هناك سوى قدر محدود من المسؤولية يقع عليها. تعددت العوامل التي ستحدد مصير ليبيا، ولا يمكن لرئيس أمريكي أن يضع استراتيجية شاملة لاحتلال هذا البلد المحاصر وإعادة بنائه. لقد حان الوقت لمزيد من الدقة عندما يتعلق الأمر بإعلان فشل السياسة الخارجية الأمريكية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد