نشر موقع معهد «ستراتفور» تحليلًا لمستقبل المشهد الليبي في أعقاب الاتفاق الأخير الذي أبرم بين الفرقاء الليبيين برعاية فرنسية.

وأوضح التقرير أنه «بعد مرور ما يقرب من عام على فشل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في إخراج ليبيا من مستنقع الفوضى السياسية، قام بمحاولة أخرى»؛ ففي 29 مايو (أيار) استضاف ماكرون في باريس أربعة من القادة الليبيين المتنافسين على أمل تقريب وجهات النظر. وقد اتفقوا هذه المرة على تاريخ 16 سبتمبر (أيلول) كموعد لتحديد الدستور الجديد الذي ستجرى الانتخابات في ظله، وعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية – الأولى منذ 2014 – في نهاية العام.

لكن لم يختلف شيء عن مفاوضات باريس العام الماضي – يشير التقرير – فما زالت نفس العقبات أمام تنظيم الانتخابات موجودة. وفرص نجاحها ضعيفة، وقد ينتهي الأمر برفض قطاعات كبيرة من البلاد لنتائج الانتخابات التي يدفع الغرب بشدة نحو إجرائها؛ مما سيعيد البلاد إلى دائرة العنف وعدم الاستقرار.

حرب المال والدَّم والسلطة.. هل شنَّ ساركوزي حربًا ضد القذافي ليخفي آثار جريمته؟

مشكلات مزمنة

إن المشهد السياسي الليبي معقد للغاية – ينوه التقرير – إذ يوجد في البلاد برلمانان متنافسان، وثلاثة رجال يدعون أنهم: رئيس الوزراء، وبنكان مركزيان، وشركتان نفطيتان وطنيتان، وعدد لا يحصى من الجماعات المسلحة. علاوة على ذلك، فإن كل طرف، بدءًا من حكومة الوفاق الوطني في الغرب، إلى ميليشيات خليفة حفتر في الشرق، منقسمة على نفسها، وكل مجموعة فرعية لديها أجندتها ومصالحها التي تتعارض مع الآخرين، لكن القضية الأكثر إثارة للجدل لا تزال: حفتر – قائد الجيش الوطني الليبي – وتوحيد الجيش في البلاد.

تشعر حكومة الوفاق الوطني في غرب ليبيا باستياء شديد من حفتر. في عام 2014 انقلب الرجل على الحكومة في طرابلس، التي حصلت على دعم من مدينة مصراتة والأحزاب الإسلامية في البلاد، بزعم أنها تجاوزت وقتها في المنصب. ولأنه لم يحقق شيئًا لأهل طرابلس، أطلق «عملية الكرامة» في شرق البلاد، مهاجمًا الإسلاميين والجهاديين على حد سواء في مدن مثل بنغازي. لكن مصراتة وقيادتها العسكرية انحازت إلى الجماعات الإسلامية المختلفة في بنغازي ضد حفتر؛ مما دفعه إلى رفض العمل مع أي من الإسلاميين في غرب ليبيا وشريحة كبيرة من المصراتيين.

ويؤكد التقرير أن مصر تحاول جاهدة توحيد كافة الميليشيات تحت قيادة حفتر، لكن الفكرة قوبلت بالرفض في الشرق. لا يتمتع حفتر بدعم مجلس مصراتة العسكري، أحد أقوى المنظمات العسكرية في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، فإن الميليشيات في الزنتان بجبال نفوسة في شمال غرب ليبيا – التي تحالفت مع حفتر – لديها قادة عسكريون يرون أنفسهم كمنافسين لقائد الجيش الوطني الليبي.

وقد أبدى أعضاء البرلمان في طرابلس تحفظًا بشأن المحادثات مع حفتر – يواصل التقرير – إذ إنهم يرفضون مساواته بين تنظيمات الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية الأكثر تشددًا. انتُخب خالد المشري، عضو في جماعة الإخوان المسلمين، لقيادة المجلس الأعلى للدولة، وكان أحد القادة الليبيين الأربعة الرئيسين المدعوين للاجتماع مع ماكرون، لكنه رفض فكرة أن يعين حفتر قائدًا للجيش.

مبادرة فرنسا قد تزيد الطين بلة.. لماذا تفشل كل المبادرات الدولية في ليبيا؟

هناك مشكلة أخرى تنشأ من تعدد الدساتير في ليبيا. في عام 2014 انتُخبت جمعية لصياغة دستور جديد وطرحه للاستفتاء، وفي 2017 جرى حلها. ومع ذلك فإن إضافة مادة تتيح حق الترشح في الانتخابات الرئاسية لمزدوجي الجنسية سمح لحفتر أن يكون مؤهلًا للترشح للرئاسة. ويؤكد التقرير أنه من الضروري الاستفتاء على هذا الدستور قبل الانتخابات. وقد يصر حفتر عليه حتى يصبح مؤهلًا للترشح. من ناحية أخرى أيد عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، استخدام دستور 1951، الذي يدعم نموذجًا سياسيًا اتحاديًا، ويمنع حفتر من الترشح.

يظل أمل تحديد موعد للانتخابات قائمًا، على الرغم من أنه قد جرى الاتفاق من قبل بين رئيس الوزراء في الحكومة الوطنية، فايز السراج، وحفتر، في فبراير (شباط) 2017 على إجرائها بنهاية مارس (آذار) 2018، وهو ما لم يحدث. في هذه الحالة وفي حالات سابقة أخرى، فشلت المفاوضات حول اختيار أي دستور لاستخدامه لإجراء الانتخابات. ومن المحتمل أن يتكرر الأمر مجددًا؛ إذ تبقى نقاط الخلاف الرئيسة هي: من هو القائد العام؟ من يملك سلطة إقالة القائد العسكري «البرلمان أم الرئيس» في ظل ظروف معينة؟ ما مدى السلطة السياسية التي يجب منحها إلى السلطات المحلية؟

السلطة والمتنافسون يتحركون

شهدت ليبيا تغيرًا في ميزان القوى الوطنية، وكان أكبر التغيرات في الغرب. فقبل عام مضى كانت حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، والتي يرأسها السراج، تصارع للنجاة، وباتت المدينة تحت رحمة مزيج من الميليشيات، العديد منها يدعمه ظاهريًا فقط. وتكمن السلطة السياسية الحقيقية مع ميليشيات مصراتة وحليفهم السياسي أحمد معيتق – نائب السراج – ثم المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي.

منذ ذلك الحين – يؤكد التقرير – انقسمت السلطة هناك إلى ثلاث قوى. أولًا: سيطرت بعض الميليشيات القوية التي ترتبط بشكل وثيق بحكومة الوفاق الوطني على طرابلس، وأعطى السراج قوات الردع الخاصة صلاحيات واسعة في مايو. وقد قضى هذا على تأثير ميليشيا مصراتة في المدينة. ثانيًا: انسحبت ميليشيات مصراتة من فزان، وهي محافظة في جنوب ليبيا؛ مما قلل من نفوذ مصراتة على المستوى الوطني. وأخيرًا: هزم المشري السويحلي في انتخابات المجلس الأعلى للدولة؛ فيما عزز السراج سلطته ضد معيتق في مجلس الرئاسة. وقد أدى ذلك إلى تهميش نفوذ مصراتة السياسي في الكتلة الغربية.

أدى هذا التهميش في طرابلس إلى بحث مصراتة عن حلفاء بين بعض خصومها السابقين، بما في ذلك مليشيات الزنتان، التي تواجه خطر الاستبعاد من الحوار الوطني. وفي حين كانت مشاركة المدينتين في باريس محدودة، إلا أنهم لم يكونوا بارزين في المحادثات. وفي أعقاب مؤتمر باريس، أصدرت 13 مليشيا من غرب ليبيا – بما في ذلك مجلس مصراتة العسكري ومجلس الزنتان العسكري – بيانًا مشتركًا رفضت فيه نتائج محادثات باريس. وإذا لم تؤخذ مصالحهم في الاعتبار، فإن لديهم القدرة على تعطيل الانتخابات ومنعها، أو حتى شن حرب أهلية أخرى.

وفي الشرق، يتنافس كل من حفتر وصالح – رئيس مجلس النواب – على النفوذ. سعت عشيرة حفتر إلى تعزيز وإضفاء الطابع المؤسسي على سيطرته العسكرية في الشرق على حساب صالح والقبائل الأخرى. ولهذا دعم صالح المحادثات مع المشري – يكشف التقرير. وبينما كان حفتر يتلقى العلاج في فرنسا في أبريل (نيسان)، حاول صالح استبداله بحليف آخر. يسيطر صالح على مجلس النواب، الذي سيمرر القوانين والتشريعات الخاصة بإجراء الانتخابات الوطنية. لكن ولاية المجلس ومدتها أربع سنوات ستنتهي في الرابع من أغسطس (آب)، وقد يحاول حفتر نزع الشرعية عنه حينها. وكان قد حاول أن يفعل الشيء نفسه مع الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها في عام 2014 وحكومة الوفاق الوطني في عهد السراج بعد انتهاء فترة ولايته في عام 2017.

الطموح الفرنسي

تسعى فرنسا والأمم المتحدة إلى حل الأزمة السياسية في ليبيا للمساعدة في محاربة الجماعات المتطرفة – يقول التقرير. وعلى الرغم من طرد «الدولة الإسلامية» من معقلها الليبي في سرت ديسمبر (كانون الأول) 2016، إلا أنها عادت إلى الظهور بشكل كبير في عام 2018. وقد قامت بأول هجوم إرهابي لها في طرابلس منذ عام 2015 عندما اعتدت على مقر اللجنة الانتخابية. كما أجرت سلسلة من التفجيرات عند نقاط التفتيش في منطقة الهلال النفطي.

تنطوي استراتيجية فرنسا على مخاطر كبيرة. لكنها باتت منفتحة على كافة الأطراف أكثر مما كانت عليه في عام 2017 حين كانت تُتهم بأنها داعمة لحفتر. وتأمل باريس في أن يحد نفوذها من خطر عودة الفوضى. كما أنها تحاول كسب حلفاء داخل ليبيا وخارجها. لكن الجدول الزمني للانتخابات مدفوع أيضًا بتنافسها مع إيطاليا على النفوذ في ليبيا وبقية شمال أفريقيا.

بعد ارتفاع النفط.. هل يعود اقتصاد ليبيا إلى الحياة قريبًا؟

كانت روما تدعم بقوة الجماعات في غرب ليبيا – يقول التقرير. بيد أن نفوذها قد تضاءل في طرابلس؛ لأن العديد من الروابط التي أقامتها كانت مع مصراتة. بالإضافة إلى ذلك أعلن عن مؤتمر باريس قبل أسبوع من انعقاده، حيث كانت إيطاليا مشغولة بالأزمة السياسية الخاصة بها. وقد رأت فرنسا هذه فرصة لترسيخ نفسها كقوة أوروبية رائدة في توجيه الحوار السياسي الليبي.

ومع ذلك – يختتم التقرير بالقول – «إن المحادثات والانتخابات هي مقامرة بمستقبل ليبيا. يمكن أن تساعد الوحدة في استقرار اقتصادها، وجمع الأموال اللازمة لإعادة بنائها، لكن الانقسامات في البلاد لا تزال عميقة، والعديد من أصحاب المصلحة لم تجر دعوتهم إلى المؤتمر. في حين قام كلٌّ من: صالح، والمشري، وحفتر، والسراج، بالتقاط الصور مع ماكرون، وبمجرد عودتهم إلى ليبيا شكك كلٌّ منهم في العملية، وفرص تعاونهم. علاوة على ذلك فإن الميليشيات القوية في مصراتة والزنتان – وكذلك معظم مناطق فزان – ليس لها دور واضح في الحوار. إن هذا الاستبعاد قد يقوض أي انتخابات، كما أنه يزيد من احتمال رفض نتائجها على نطاق واسع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد