كتبت صحف أمريكية عديدة في نعي السيناتور الأمريكي جون ماكين وهو الجمهوري الذي حارب وأسر في فيتنام، قبل أن يعود ليصبح عضوًا في مجلس الشيوخ منذ 1987 وحتى وفاته. وصفت بعض الصحف «ماكين» بأنه بطل قومي للولايات المتحدة، بينما ذهب البعض الآخر للقول بأنه كان يستحق أن يكون رئيسًا، وفقًا لمقال نشر في صحيفة «ديلي بيست»، وكتبه جون آفلون، رئيس تحريرها السابق.

يستهل الكاتب بأن الساسة الأمريكيين الأبطال قد أصبحوا مهددين بالانقراض، وقل بينهم الشجعان، وصار الشرف كلمة قد لا تسمعها سوى في القاموس. لكن ماكين امتلك كل هذا، فكان مثالًا للشجاعة والشرف بطرق عديدة، وخلال العقود التي خدم فيها ضابطًا في البحرية، وأسير حرب، وعضوًا في مجلسي النواب والشيوخ، ومرشحًا رئاسيًّا.

يصفه الكاتب بأنه لم يكن مثاليًّا، لكنه أيضًا لم يدّع ذلك. كان يحفظ مبادئه دون تباهٍ، وكان صارمًا صريحًا، وفي أغلب الأحيان مضحكًا. يلقي بالنكات في أحلك الظروف، ﻷنه كان دومًا أصلب منها. مقت الهراء، والمخادعين الذين يحيطون بالسياسة الأمريكية أغلب الوقت، والذين شجعوا على شيوع فلسفة «الأخلاق الظرفية» الموجودة الآن. كان يحب وطنه حبًّا غير مشروط، سواء عندما يتحدث من منطلق المواطن، أو السيناتور، وامتلك بوصلة أخلاقية أفضل من الكثيرين من رؤساء أمريكا، بمن فيهم الرئيس الحالي، ولهذا كان من بين أعظم أعضاء مجلس الشيوخ في أمريكا، وسيبقى أثره بينما يختفي رجال آخرون مؤثرون من ذاكرتنا.

جون ماكين أثناء إطلاق سراحه مع رفاقه الأسرى الأمريكيين في فيتنام.

يكمل الكاتب في رثاء «الابن المتمرد لضابط البحرية»، الذي كان يمزح كثيرًا عن تخرجه بدرجات أدنى من رفاق صفه في الأكاديمية البحرية في آنابوليس. لكن إصابته، وقضاءه خمس سنوات ونصف في فيتنام، بين أسر وتعذيب، شددتا على حقائق خالدة ربما تعد خارج سياق نقاشات اليوم. لقد رفض الانصياع لآسريه، وكرر رفضه لعرض بالخروج مبكرًا رغم مرضه الشديد، وبعد سنوات من الضرب والحبس، كي لا يبدو خروجه تفضيلًا له على زملائه الأسرى القابعين في سجون هانوي، مما قد يحبط معنوياتهم. هذا المستوى من ضبط النفس تحت الاحتجاز يفوق تعريف همينجواي للشجاعة، والذي يصفها فيه بأنها «الصبر عند الشدة». لقد رفض ماكين مصلحته الشخصية في سبيل الوصول إلى ما هو أعظم: الأخوة والشرف.

عاد ماكين من فيتنام مكسورًا بعض الشيء، فلم يكن باستطاعته رفع يديه فوق رأسه، لكنه وضع نصب عينيه طريقه نحو الخدمة العامة، متقبلًا سقطاته ونقاط ضعفه، بدلًا عن الاختباء خلف أوسمة الحرب، والتي كانت ربما تكسبه إحساسًا واهمًا بالكمال؛ ﻷنه كان قد تعلم باكرًا أن الأبطال لا يحتاجون للكمال، وأن هذا ما يجعلهم أكثر جاذبية.

«قطار الصراحة السريع»

ترشح للكونجرس عن ولاية أريزونا بعدما التقى بزوجته الثانية سيندي، وعقدا قرانهما. حصل على مقعده باكتساح، والذي خلف فيه بطله السياسي باري جولدووتر. كان ماكين شخصية محافظة من الغرب، لذلك يرفض بعض الليبراليين مسامحته على مواقف لم تتسق مع اختبارات الهوية التي يقيمونها. رغم ذلك، لم يخشَ التوفيق بين الحزبين، وكانت المصلحة العامة في ذهنه دومًا. لم يسامح العديد من المحافظين أبدًا «بطل المساومات» الجريء، مثلما لقبوه، بعد عمله مع الديمقراطي روس فاينجولد على إصلاحات لقوانين التمويل الانتخابي، وكان لهذا أشد الأثر في حملته الرئاسية عام 2000.

يصف الكاتب حملته الانتخابية -التي اشتهرت باسم «قطار الصراحة السريع»- بأنها كانت تفوق المثالية، وكانت بطولية لصراحتها ووضوحها تجاه تقاليد الإصلاحات الجمهورية التي بدأت منذ روزفلت، ليسير في الاتجاه المعاكس لـ«مثلث واشنطن الحديدي: المال الوفير، وجماعات الضغط، والمشرّعون؛ الذين وضعوا جميعًا مصالحهم الخاصة فوق المصلحة القومية»، بحسب تعبير ماكين. ربح بعدها وسبق جورج بوش الابن -المرشح الأبرز وقتها- في انتخابات ولاية نيو هامبشير، بينما تفوق بـ20 نقطة على آل جور في الانتخابات العامة.

اشتهرت حملة ماكين بـ«قطار الصراحة السريع»، العبارة التي كتبت على حافلته الانتخابية وعلى طائرته الخاصة. مصدر الصورة: مارك جستول

تبعتها انتخابات ولاية كارولينا الجنوبية، والتي كانت -على الأغلب- أقذر انتخابات ابتدائية في تاريخ الولايات المتحدة، بحسب وصف الكاتب، ودعم فيها اليمين الديني بوش ضد ماكين. عقد بوش مؤتمره الانتخابي في جامعة «بوب جونز» الإنجيلية، والتي كانت لتوها قد تراجعت عن حظر المواعدة بين الأعراق المختلفة. تلوثت الأجواء بفيض من الدعاية الهجومية، بينما كانت مداخلات إذاعية محفوظة وغير منسقة تتهم ماكين بكل خطيئة يمكن تخيلها، بما في ذلك التعاون مع الفيتناميين الشماليين، وأبوّته لطفل غير شرعي أسود اللون، وهي سبّة يقصدون بها ابنته التي ولدت في بنجلاديش قبل تبنيه لها. خلال مناظرة بينهما، مد بوش يده معتذرًا وقال: «جون، إنها السياسة»، فرد ماكين باقتضاب: «جورج، ليس كل شيء سياسة».

يكمل الكاتب حديثه عن رحلته الانتخابية، فبعد خسارته في ولاية كارولينا الجنوبية، ألقى ماكين خطابًا قويًّا في مدينة فيرجينيا قال فيه: «ليست تكتيكات التقسيم والتشهير من قيمنا، إنها تفسد الدين والسياسة، وأولئك الذين يستخدمونها باسم الدين، أو باسم الحزب الجمهوري، أو باسم أمريكا يسيؤون لمعتقدنا ولحزبنا ولبلدنا. يجب ألا ينجر أي من الحزبين للكذب للوصول إلى البعيدين عن السياسة ولمعتنقي التطرف، سواء كان لويس فراخان أو آل شاربتن من اليسار، أو بات روبرتسن وجيري فالول من اليمين… نحن حزب آبراهام لينكولن، وليس بوب جونز».

ماذا لو فاز ماكين بالرئاسة عام 2000؟

بما أن ماكين كان يعرف الحماقات التي أدت إلى حرب فيتنام، ربما لم يكن ليتأثر بالأيديولوجيات التي شجعت غزو العراق غير الحكيم.

يرى الكاتب أن مدى الاختلاف الذي كان ليحدث في مسار الدولة الأمريكية الحديثة -لو كان ماكين ربح عام 2000- يستحق التدبّر. أظهرت الاستطلاعات أن نتائج الانتخابات العامة لم تكن لتصبح قريبة بالقدر نفسه، فقد كان ينال قبولًا شديدًا من الناخبين المستقلين، وهو ما كان -على الأرجح- سيوفر على أمريكا قرار المحكمة الدستورية الذي حل مشكلة أصوات الناخبين وأصوات المجمع الانتخابي وقتها.

وبرغم اختلافه مع كلينتون، إلا أن ماكين كان سيسير على النهج الوسطي نفسه الذي بدأه كلينتون في عهده، مع ترويضه اليمين المتطرف في الوقت نفسه. بعد أحداث سبتمبر (أيلول)، كان سيمثل النموذج المثالي للقائد الأب لكل الأمة، وذلك لتضحيته الشخصية في خدمته العسكرية. وبما أنه كان يعرف الحماقات التي أدت لحرب فيتنام، ربما لم يكن ليتأثر بالأيديولوجيات التي شجعت غزو العراق غير الحكيم. كما أنه عارض التخفيضات الضريبية في عهد بوش، مما يعني أنه كان يمكنه الحفاظ على فوائض الميزانية التي جاءت بصعوبة، والموجودة منذ عهد كلينتون، بدلًا من الانحدار إلى الديون بشكل أكبر. كان الرجل المناسب ليكون رئيسًا، بحسب تعبير الكاتب.

ماكين أثناء جولته الانتخابية في 2008، وتظهر على يساره سارة بالين

أما في انتخابات 2008، فكان ماكين خارج الصورة بشكل ما، إذ بدأ انحراف الحزب يمينًا حينها، وبدأوا في وصف جورج دبليو بوش بأنه جمهوري بالاسم فقط. حل متأخرًا في الاستطلاعات وتعجل في جمع أموال حملته، لكنه استبسل واستمر في حملته للترشح عن حزبه، تحت عنوان «البلد أولًا».

ينتقل الكاتب إلى اختياره سارة بالين نائبة له أثناء الانتخابات، والتي سيظل العديدون ينتقدونه بسببها، فقد فتح الباب لهذا النوع من الشعبوية المحافظة التي لا تفقه شيئًا، وكان ماكين قد انتقدها طوال أغلب حياته السياسية، لكنه كان قد اختارها بعد أن استبعدت احتمالية الوحدة بين الحزبين، والذي كان يود فيها ضم صديقه الديمقراطي جو ليبرمان، السيناتور الذي كان مع آل جور في انتخابات 2000. هدد المحافظون وقتها بأنهم لن يحضروا مؤتمراته إن قام بهذه الخطوة الجريئة.

رغم هذا، يقول الكاتب إنه تصدى للمتشددين في حزبه، وحتى في حملته الانتخابية. في إحدى المرات، قامت امرأة لتسأله، موضحة أنها لم تكن تثق في السيناتور أوباما ﻷنه «عربي»، وكان رد ماكين: «لا يا سيدتي، إنه رجل عائلة محترم. هو مواطن أختلف معه في بعض القضايا المحورية، وهذا أساس الحملة الانتخابية. هو رجل محترم وشخص يجب عليك ألا تخشي أن يكون رئيسًا. أنا أقدر السيناتور أوباما وإنجازاته، وسأحترمه. أريد من الجميع أن يكونوا محترمين، وعلينا أن نتأكد أننا أيضًا كذلك. ﻷن هذا هو الطريق الذي يجب أن تكون عليه السياسة في أمريكا».

في السياسة الأمريكية نادرًا ما يحدث ما يجب أن يحدث، بحسب تعليق الكاتب. كان ماكين مقاتلًا، ولم يكن يسعده دومًا وجود أوباما، كما أن الفجوة بين سجليهما في الخدمة العامة كانت تزعجه، لكن هذا لم يمنعه من أن يتعاون معه في بعض المناسبات، وأثبت للجميع بأنه الصوت الفارق عندما رفض دعم ترامب في تشويهه لقانون أوباما للرعاية الصحية، بينما كان يحارب السرطان المميت.

خلال أشهره الأخيرة، تلقى تشخيصًا بالموت، بينما كان محاطًا بحب عائلته ورفاقه وأبناء وطنه. استمر في إظهار صلابته وتقديره لحياته التي عاشها جيدًا، ممتدحًا: «الرضا الذي تناله من خدمة ما هو أهم من نفسي، ومن أن تكون لاعبًا صغيرًا في قصة أمريكا الاستثنائية».

قتال حتى الأشهر الأخيرة

عندما قرر ماكين التوقف عن تلقي العلاج في أغسطس (آب) الجاري، حيّاه الجميع ونال الثناء من الطرفين، عدا استثناء مقزز ومتوقع؛ وهو الرئيس ترامب.

بعد تلقيه ميدالية الحرية في صيف 2017، وبخ ماكين «الترامبية» توبيخا واضحًا قال فيه: «خشينا العالم الذي نظمناه وقدناه لقرابة ثلاث أرباع القرن، هجرنا مثلنا العليا التي نشرناها في العالم، رفضنا التزاماتنا بالقيادة الدولية وواجبنا بأن نكون آخر أمل للأرض. كل هذا لأجل قومية غير ناضجة، طبخها لنا من يفضلون البحث عن فدية بدلًا من حل المشكلة. إنه أمر عديم الوطنية يطابق السير على أي نهج دوجمائي فاشل من الماضي الذي ألقاه الأمريكيون في رماد التاريخ. نحن نعيش على أرض بنيت بالقيم، لا بالدم والتراب. نحن حراس هذه القيم في وطننا، وأبطالها في الخارج».

ولالتزامه المستمر بالصراحة، أظهرت استطلاعات خريف 2017 أن العسكري المحافظ المعادي للإجهاض يمتلك شعبية لدى الديمقراطيين أكبر من الجمهوريين. بينما كان الناخبون المستقلون دومًا في قلب جمهور ناخبيه، وهو ما يظهر استقلاليته المبنية على المبادئ.

كتاب ماكين الأخير «الموجة التي لا تهدأ» الذي صدر هذا العام

يقول الكاتب إن كتابه الأخير، «الموجة التي لا تهدأ»، أظهر للمرة الأخيرة حياته الجيدة التي قاتل فيها، مطلقًا تحذيرات عديدة لرفاقه من المواطنين من مخاطر التعصب الحزبي والاستقطاب. يقول ماكين في كتابه: «نحن مواطنو جمهورية بنيت على قيم مشتركة صيغت من أجل عالم جديد لتستبدل الخصومات القبلية التي مزقت عالمنا القديم. نحن نتشارك هذه التراث العظيم، ونتشارك في مسؤولية دعمه».

قدم قيمة -تكاد تكون حالة روحانية- للوسطي الفعّال ذي الرؤية الجيدة، التي تأتي من قلب التطبيق العملي المثالي للحياة الديمقراطية. يقول ماكين: «معك كل الحق! أنا بطل المساومة في حكم بلد به 325 مليون شخص متمردون ومشاكسون وذوو آراء مختلفة. لا توجد طريقة أخرى لحكم مجتمع مفتوح، أو للدقة، لا توجد طريقة أخرى لحكمه بفاعلية». ويضيف ماكين: «إن أردت للسياسة أن تكون أكثر تحضرًا، وإن أردت للكونجرس أن يتجادل أقل ويفعل أكثر، فعليك الظهور. عليك الانتخاب. قم بدور كبير في السياسات على الأرض مثلما يفعل المتعصبون».

يرى الكاتب أن ماكين ضرب مثلًا سيعيش رغم رحيله، وضع معايير أعلى مما كان يأمل أغلبنا، بتضحيات لا يمكن سوى للقليلين منها تخيلها. حافظ ماكين على إيمانه طوال حياته، وسار على أفضل التقاليد في وطننا، وفي عكس اتجاه الريح، ليسعى للتوافق بين الحزبين من أجل حل المشاكل، دون التضحية بالقيم الحقيقية.

عندما قرر ماكين التوقف عن تلقي العلاج في أغسطس (آب) الجاري، حيّاه الجميع ونال الثناء من الطرفين، عدا استثناء مقزز ومتوقع؛ وهو الرئيس ترامب. سيكون أفضل عرفان له أولئك الجمهوريين القلائل المتبقين، ممن تترفع قيمهم عن التحزب، ليقاوموا ويشجبوا الأفعال والأحاديث المشينة لترامب. ومن الواضح أن الجمهوريين سيندموا في النهاية على المسار المتهاوي الذي يسلكه ترامب، كما سيدركون قوة شخصية ماكين في وقت متأخر جدًا. التباين واضح، استقلال وشرف وتضحية في مقابل تفكير منعدم وابتزاز مالي وطمع.

يختم الكاتب بالقول إن الأبطال لا يموتون أبدًا، لكن للحفاظ على إيمان الناس، يجب أن يكون هناك المزيد مثل ماكين في الخدمة العامة، أولئك الذين يسعون للأمانة والشجاعة والفكاهة، في حين يضعون وطنهم فوق حزبهم. وبسبب أمثاله، ربما يجب على الأمريكيين البحث أكثر، في بلد يستحق القتال ﻷجله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد