كتبت كاثرين جي، الصحفية المختصة في مجال العلوم، مقالًا في مجلة «سميثسونيان» حول السبب الذي يجعل البعوضة تنجذب نحو دم الإنسان الدافئ، موضحة أن هذه «الكائنات المتعطشة للدماء» تعيد استخدام جينٍ كان يستخدم سابقًا للشعور بدرجات الحرارة المرتفعة وتجنبها، ليصبح الآن أداتها لاقتفاء أثر الدم.

افتتحت كاثرين مقالها بالقول: «عندما يرفض البعوض تناول الطعام، يقدِّم «ويليام لورسين»- عالم الأحياء في جامعة برانديز- زوجًا من الجوارب. يقول لورسين: إن رائحة الأقدام تجذب البعوض بالفعل. فعندما تذهبون إلى الخارج، يتجه البعوض مباشرة نحو كواحلكم. لذا يلف لورسين الجوارب في شكل حلقة حول أقراص تغذية الحشرات المملوءة بالدم». 

البيئة

منذ 7 شهور
«فيوتشر ساينس»: الحشرات قد تنقرض خلال 100 عام.. وهذا ما قد يحدث للبشر حينها

يبدو أن لدى البعوض البري تعطش للدماء، لكن البعوض الذي ينمو في المعمل- بعد نقله من موائله الطبيعية ووضعه داخل غرف صغيرة مضاءة اصطناعيًا – يبدو أنه يواجه مشكلات في استثارة شهيته. للحفاظ على الوزن المناسب للحشرات؛ يثبّت لورسين وزملاؤه مجموعة من المستثيرات الحسية على البعوض تهدف إلى محاكاة ما يواجهه حقيقة في الهواء الطلق: فالدفء يأتي من قرص معدني ساخن، ونفثات من ثاني أكسيد الكربون تحاكي الزفير، ورائحة العرق البشري النفاذة تنبعث من جوارب نايلون غير مغسولة. 

ما يجذب البعوض للإنسان في قبضة الباحثين

تتابع الكاتبة الحاصلة على دكتوراه في الأحياء الدقيقة وعلم المناعة من جامعة هارفارد: ومع ذلك أثبت البعوض المعد في المختبر أن إقناعه باستخدام هذه المغريات أكثر صعوبة من المعتاد. لذا عدّل لورسين وزملاؤه البعوض الماص للدم وراثيًا كي يتوقف عن إنتاج جزيء يسمى «آي آر 21 إيه» (IR21a) في قرون استشعاره؛ مما أوقف قدرته على التوجه صوب الحرارة، وبالتالي جعله أقل ميلًا لامتصاص الدم البشري الدافئ. 

كانت النتائج التي توصل إليها الفريق، ونُشرت في مجلة ساينس، هي المرة الأولى التي يحدد فيها الباحثون بعض الخلايا والجينات المسؤولة عن انجذاب البعوض للدفء. ويمكن لفهم هذه الأهداف الجزئية أن يساعد يومًا ما في تطوير طارد للبعوض، أو فخاخ للإيقاع بالحشرات الناقلة للأمراض، من النوع الذي يحمل مسببات المرض التي تؤدي إلى الإصابة بالملاريا وحمى الضنك وفيروس زيكا وغيرها من الأمراض. 

Embed from Getty Images

على الرغم من أن ما بين البعوض (يظهر في الصورة) وذباب الفاكهة فارق زمني يبلغ 200 مليون سنة من التطور، إلا أنهما يشتركان في الكثير من الأعضاء بما في ذلك أجهزة استشعار الحرارة الجزيئية

تنقل الكاتبة عن «سارة زهدي» – خبيرة الأمراض المعدية والتي لم تشارك في الدراسة المذكورة – قولها: «يعلم الجميع أن البعوض مزعج؛ فهو يلدغ، ويتواجد في كل مكان. لكن لا تزال هناك بعض علامات الاستفهام حول الآليات الأساسية التي تحرك هذه الحشرات. وهذه الدراسة الممتازة تجسِّر هذه الفجوة المعرفية».

آلية الانجذاب والهبوط على جلد البشر

تواصل كاثرين: بالنسبة للبعوض، لا شيء أكثر جذبًا من جسم ممتلئ بدماء طازجة ودافئة. ولكن لكي تنطلق هذه الحشرة وتنفذ لدغتها، هناك مجموعة كاملة من الإشارات يجب أن تحدث أولًا. وهذه الأشياء الباعثة على الانطلاق هي ما يسميه  لورسين الإشارات طويلة المدى – أشياء مثل: رائحة الجسم وأعمدة ثاني أكسيد الكربون التي يمكن أن تُغري الحشرات من مسافة عدة أقدام. وعندما تصل الحشرة على مقربة بضع بوصات، تبدأ المحفزات قصيرة المدى كالحرارة والرطوبة بأداء دورها؛ الأمر الذي يمهد مسارًا واضحًا للوصول إلى بقعة من الجلد اللذيذ. 

في السنوات القليلة الماضية، أحرز الباحثون في مجال الحشرات تقدمًا كبيرًا في تحديد ما الذي يساعد الحشرات في التعرف على الإشارات الكيميائية من بعيد؟ لكن الذي يبقيها في مسارها الصحيح إلى أن تهبط على جسم الإنسان، لم يكن من السهل تحديده، على حد قول لورسين. 

ولمعرفة استراتيجية استشعار درجة الحرارة لدى البعوض، استعان فريق لورسين وزملاؤه علماء الأحياء «كلوي جريبي» و«بول جاريتي» بمصدر غير متوقع هو: ذباب الفاكهة. 

كائنات مختلفة وآليات واحدة

تنقل الكاتبة عن بول قوله: «يختلف ذباب الفاكهة عن البعوض نتيجة الكثير من التباينات الغذائية الحادة، ويفصلهما بنحو 200 عام من التطور، إلا أن ذباب الفاكهة لا يزال يشترك مع مصاصي الدماء من «أبناء عمومته» في الكثير من الآليات الجزيئية. وهناك فرق مهم واحد، هو: أن الباحثين نجحوا في تفسير الكثير من آليات الحساسية تجاه الحرارة في ذباب الفاكهة».

Embed from Getty Images

بعوض أنوفيليس جامبيا قادر على حمل الطفيل المسبب للملاريا والمتصورة المنجلية

استُخدمت هذه الاستراتيجية التي تعتمد على الفكر التطوري من قبل. ففي عام 2015، أجرى مجموعة من الباحثين تعديلًا على جينوم البعوض لتعطيل الجينين المسؤولين عن مساعدة ذباب الفاكهة على استكشاف الحرارة. ولكن لم تفلح أي من هذه التعديلات الوراثية في القضاء على تعطش البعوض للدماء الدافئة. 

يتابع المقال: كان ذلك الاكتشاف محيرًا في البداية، كما يقول جاريتي. فالطريقة التقليدية والأسهل لتصور سلوك البحث عن الحرارة لدى هذه الحشرات، هو: من خلال مجموعة من الخلايا أو المستقبلات التي تستجيب لارتفاع درجة الحرارة. يتابع جاريتي: لكن هناك طريقتان للانجذاب لجسم دافئ؛ إما بالبحث عن أماكن تكون فيها درجة الحرارة أكثر دفئًا، أو الابتعاد حيثما تبدأ درجة الحرارة بالانخفاض. 

لذا، حوّل الباحثون انتباههم بدلًا من ذلك إلى مستشعر «آي آر 21 إيه»؛ وهو مستقبِل يساعد ذبابة الفاكهة على الإحساس بالحرارة، والانتقال في نهاية المطاف إلى درجات حرارة أبرد، للحماية من فرط الحرارة. لم يعد البعوض الذي نُزع منه مستقبل «آي آر 21 إيه» بالتعديل الوراثي ينجذب إلى السخانات الصغيرة المصنعة التي تصل حرارتها إلى 98.6 فهرنهايت، وهو الهدف الذي ينجذب له البعوض «غير المعدّل».

كما أظهر البعوض المفتقد لمستقبِل «آي آر 21 إيه» اهتمامًا أقل بالدم الدافئ الذي عُرض عليه في قرص ساخن متصل بأعلى قفصه الشبكي، وهو النظام الذي وفر أيضًا مصدر الغذاء الرئيسي لهذه الحشرات. (الخيار الأرخص ولكن الأكثر مشقة هو: أن يقوم أعضاء المختبر بالتناوب ببساطة بإلصاق سواعدهم حول السياج).

ولاستمرار تغذية البعوض المعدّل وراثيًا خارج هذه التجارب، جلب لورسين وزملاؤه للبعوض دماء إضافية، أو نفخوا داخل أقفاصهم لرفع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء. كما أنهم وضعوا جواربهم من الحين للآخر، على الرغم من أن بعض أعضاء المختبر أثبتوا أن جواربهم كانت أكثر جذبًا للبعوض من الآخرين (يحتفظون بسجل على السبورة، ولورسين الآن يحتل المركز الثاني). 

بعوضة معدلة (بعيون خضراء) تفتقد لمستقبِل آي آر 21 إيه وبعوضة عادية (بعيون حمراء)

تشير تجارب فريق البحث إلى أنه على المستوى الجزيئي، فإن «آي آر 21 إيه» يعمل بالطريقة ذاتها لدى البعوض وذباب الفاكهة. ولكن بينما يساعد هذا المستقبِل ذباب الفاكهة على تجنب الحرارة، فإنه يجعل البعوض يتجه نحوها. ويبدو أن البعوض قد أعاد استخدام الجين القديم التطوري في دورة خلوية جديدة، وقلَب وظيفته رأسًا على عقب. 

خطوة مهمة للوقاية من الأمراض

تنقل الكاتبة عن «لورا دوفال» – خبيرة سلوك البعوض في جامعة كولومبيا والتي لم تشارك في التجربة – قولها: «بدلًا من القلق فقط بشأن التنظيم الحراري، يستخدم البعوض الآن مستشعرات الحرارة هذه لاصطياد البشر». ومع ذلك، لا يبدو أن تعطيل «آي آر 21 إيه» يكفي لإخماد شهية مصاص دماء يتضور جوعًا؛ فعندما وضع الباحثون أياديهم العارية على أقفاص البعوض المعدّل، كانت الحشرات لا تزال تتدفق للأعلى لتذوقها». 

تضيف لورا: «البعوض ماهر جدًا في العثور علينا. ومع وجود الكثير من الإشارات الحسية المختلفة التي تداعب خيال هذه الحشرات، لن يكون استهداف مسار واحد كافيًا لتعطيل هذه القدرة». ولكن باستعراض قائمة الإغراءات التي تجذب البعوض للبشر، فربما يكون الباحثون في طريقهم إلى تطوير مواد طاردة أكثر قوة؛ بما فيها تلك التي يمكن أن تحبط مهارات التنقل (الملاحة) لدى الحشرات. كما يمكن دمج مجموعة كبيرة من هذه المحفزات في فخ واحد شديد الجاذبية يبعد الحشرات عن جلد الإنسان. 

تختم الكاتبة مقالها بقول لورا: إن هذا النهج جذاب جدًا؛ إذ يمكن أن يكون له تأثير كبير إذا تمكن العلماء من تقليل التفاعلات بين البعوض والبشر، فمن الممكن منع جميع الأمراض التي تنشرها تلك الحيوانات.

علوم

منذ سنة واحدة
لماذا يجب عليك ألا تقتل حشرات منزلك؟!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد