قال أنشيل فيفر في مقال له في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: «إن اتفاق الهدنة الذي جرى التوصل إليه قبل ساعات بين إسرائيل وقطاع غزة يتناغم مع خطة نتنياهو للسلام التي تقضي بالضغط على الفلسطينيين حتى يذعنوا لأجندته السياسية الخاصة بالسلام».

وأوضح فيفر أنه لا يُعرف بالضبط ما الهدف الحقيقي للعملية الإسرائيلية في غزة ليلة الأحد. وثارت تساؤلات حول ما إذا كان من الحكمة إطلاق العملية في اللحظة نفسها التي بدا فيها أن وقف إطلاق النار طويل المدى في غزة قد تحقق أخيرًا.

لكن المؤكد هو – وفقًا لفيفر – أنه عندما عُرضت العملية على نتنياهو في أحد الاجتماعات الروتينية مع رؤساء المؤسسة الأمنية، أذن نتنياهو بالتنفيذ على افتراض أنها مثل آلاف العمليات السابقة: ستنتهي بحلول الصباح، ولن يعرف أي شخص في إسرائيل وغزة سوى القليل من الشركاء السريين بوقوعها.

«ستراتفور»: لهذا السبب قد تتقارب مصر وقطر مرة أخرى.. فماذا ينهي الصراع بينهما؟

سجل طويل من العمليات السرية

لطالما أذن نتنياهو بتنفيذ مثل هذه المهمات، بل شارك فيها بنفسه وقادها على الأرض. قولوا ما شئتم من أوصاف سيئة عنه – يشير فيفر – لكن القليل من السياسيين الذين يتخذون قرارات مصيرية يمتلكون خبرته في تقييم فرص فشل مثل هذه العملية وانكشافها.

لقد ارتكب أخطاء من قبل، وأشهرها عندما سمح بمحاولة اغتيال خالد مشعل في عمان عام 1997، والتي أسفرت عن إلقاء القبض على عملاء الموساد؛ مما أجبر إسرائيل على إنتاج ترياق أنقذ حياة مشعل، وإطلاق سراح 70 عضوًا من «حماس» «بما في ذلك مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين من أجل استرضاء الأردنيين الغاضبين».

Embed from Getty Images

فلسطينيون يتظاهرون دعمًا للمقاومة في غزة بعد سريان الهدنة

تعلم نتنياهو الدرس، وبات أكثر حذرًا عندما يأذن لخطط قادة الأمن. عندما يتعلق الأمر بتعبئة الجيش الإسرائيلي بأكمله، فهو أكثر حذرًا. تخرج نتنياهو من وحدة النخبة، ولطالما اعتقد أن الجيش الإسرائيلي بكامل ألويته ليس مجهزًا بالشكل الكافي. لذا كان نتنياهو حذرًا من شن هجمات عسكرية واسعة النطاق خلال سنواته كرئيس للوزراء. في الحقيقة إن المرة الوحيدة التي أجاز فيها عملية برية واسعة خلال حرب غزة في عام 2014 ظل منتظرًا لأسابيع، على الرغم من توسلات من زملائه في مجلس الوزراء والجيش للسماح لهم باجتياح القطاع. وحتى عندما أعطى إشارة الاجتياح أخيرًا، كان ذلك لهدف محدود، وهو تدمير أنفاق حماس.

لا يمانع نتنياهو من المخاطرة، ولديه أدنى معدل للخسائر بين أي من رؤساء وزراء إسرائيل – يضيف فيفر. ولكن يشاع عنه أيضًا أنه يكره صفقات السلام الكبرى بقدر ما يكره الحروب الكبيرة. الآن في أعقاب وقف إطلاق النار الأخير مع غزة، يتعرض لانتقادات من جميع الأطراف بسبب «ضعفه» من اليمين داخل ائتلافه الخاص، ومن أحزاب المعارضة من يسار الوسط. ويتعرض للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي عن طريق نشر تصريحاته عندما كان زعيم المعارضة، قبل أكثر من عقد ينتقد حكومة أولمرت بسبب ضعفها في مواجهة حماس.

لكن هذا ما يفعله كل زعيم للمعارضة. أما اليوم فإن نتنياهو على استعداد لوقف إطلاق النار، ودافع بقوة يوم الأحد في مؤتمر صحافي مع المراسلين الإسرائيليين في باريس «قبل العملية السرية في غزة» عن صفقة نقل 90 مليون دولار من الأموال القطرية لحماس.

لا مكان لحل الدولتين في أجندة نتنياهو

لكن نتنياهو ليس داعية للسلام – يستدرك فيفر – إذ يتناغم وقف إطلاق النار في غزة مع استراتيجية الرفض التي يتبناها. إنها استراتيجية قام بتوسيعها قبل 25 عامًا في كتابه «مكان ما بين الأمم»، وأحيانًا يتحدث عنها عندما يقدم محاضرة نادرة أو مؤتمرًا صحافيًا حقيقيًا يوضح فيه فلسفته.

Embed from Getty Images

رام الله تنتفض دعمًا لغزة

تستند استراتيجية نتنياهو في التعامل مع الفلسطينيين على خمسة مبادئ هي:

1-التمسك بمنع إقامة دولة فلسطينية، بغض النظر عما قد قاله قبل تسع سنوات لتهدئة رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت باراك أوباما.

2-سيتعين على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أن يتعايشوا في جيوب شبه مستقلة في غزة وأجزاء من الضفة الغربية، ولكن سيتولى الإسرائيليون الأمن ومراقبة الحدود؛ للتظاهر بأنه لا يزال يؤمن بحل الدولتين، ووصف هذه الجيوب بأنها «دولة منقوصة السيادة».

3-تقع مسؤولية تحسين الاقتصاد الفلسطيني على الدول العربية التي استغلت على مدى عقود محنتهم لممارسة الضغط على إسرائيل. في هذه الحالة، فإن الأموال القطرية إلى غزة تتناغم تمامًا مع ما يؤمن به نتنياهو.

4-عدم الربط بين التطبيع مع الدول العربية وبين حل القضية الفلسطينية. إن العلاقات المتنامية بين حكومة نتنياهو ودول الخليج العربي هي دليل على أن هذا الأمر ناجع.

5-الوقت في صالح إسرائيل. وقد جادل نتنياهو أنه بنفس الطريقة التي استغرق الأمر عقودًا قبل أن تقبل مصر والأردن وجود دولة يهودية، فإن العملية نفسها ستحدث مع الدول العربية الأخرى، وفي نهاية الأمر سيتعين على الفلسطينيين قبول الأمور كما هي.

Embed from Getty Images

جندي إسرائيلي في مستوطنة سديروت على حدود القطاع

إن الهدنة الأخيرة تتناسب تمامًا مع استراتيجيته طويلة الأجل – يشدد فيفر. ولكن، ماذا لو أن شراء حماس في غزة بأموال قطرية لا يحل أي شيء؟ على الأكثر سيعطي إسرائيل بضع سنوات من الهدوء المؤقت على الجبهة الجنوبية ويخفف من الوضع الإنساني في غزة بما فيه الكفاية لتجنب أزمة. لكن نتنياهو لا يبحث عن حل طويل الأمد الآن. إنه لا يؤمن بوجود سلام مع الفلسطينيين، إلا بما يسميه «سلام الردع» – وهي كلمة أخرى تعني قمع الفلسطينيين حتى يستسلموا. إنه على دراية تامة بأن ذلك لن يحدث في المستقبل المنظور وهو مستعد للانتظار لجيل آخر من أجل ذلك.

الاستعداد لمعركة الانتخابات

ثمة أسباب أخرى لدى نتنياهو لتوقه لوقف إطلاق النار ودفع غزة بعيداً عن جدول الأعمال لفترة من الزمن – يكشف فيفر. فعلى الجبهة الداخلية، ستكون هناك انتخابات في العام القادم. إن أي حرب مع غزة ستؤدي إلى سقوط قذائف الهاون على المناطق الحدودية مع القطاع؛ مما سيؤدي إلى تآكل مكانة «السيد أمن». ومن الأفضل تحمل ضربة قصيرة العمر لشعبيته الآن، ويقدم نفسه على أنه «الشخص الوحيد المسؤول» عن فشل العملية، ثم يربح قلوب قاعدته اليمينية المتشددة مع اقتراب الانتخابات، عبر مهاجمة اليسار والعرب، مثلما فعل في 2015.

رحلة «كورنيت».. ماذا تعرف عن الصاروخ الذي دمرت به «حماس» الحافلة الإسرائيلية؟

على الصعيد الدولي، يريد نتنياهو التأكد من أنه يستطيع تعديل أي مبادرة سلام محتملة من إدارة ترامب أو من الأوروبيين. إن الهدوء في غزة يقلل من الضغط الدولي عليه لتقديم تنازلات للفلسطينيين. كما أنه يغذي الانقسام بين حماس وفتح، حيث إن أبا مازن غاضب من الطريقة التي تجاوز بها اتفاق مصر وقطر وإسرائيل وحماس سلطته وأبعده عن غزة. إن القيادة الفلسطينية المنقسمة بشدة تجعل أي عملية دبلوماسية أكثر صعوبة.

أخيرًا – يختتم فيفر بالقول – نتنياهو لا يسعده الصمت أمام فكرة «ضعفه» في مواجهة حماس، لكنه يعرف أن الزوبعة الإعلامية في إسرائيل ستهدأ سريعًا؛ ففي اللحظة التي تتوقف فيها الصواريخ عن التحليق من غزة، ستنسى وسائل الإعلام والإسرائيليون العاديون الأمر. إن وقف إطلاق النار مع حماس هو بالضبط ما يريده، ولم تكن عملية يوم الأحد تهدف إلى تعريضه للخطر. وسيواصل بذل كل ما في وسعه للتأكد من التهدئة مع حماس، على الأقل خلال الأشهر القليلة المقبلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد