يهوى بعض الناس السهر ليلًا، بينما يهوى آخرون الاستيقاظ باكرًا. ولكن الفرق بينهما قد يكون مستوى الذكاء.

 

تسير تقريبًا كل الأحياء في الطبيعة، من الكائنات الحية وحيدة الخلية وحتى الثدييات، بما في ذلك البشر؛ وفق دورة نشاط يومية تسمى إيقاع الساعة البيولوجية. حيث يجري تنظيم إيقاع الساعة البيولوجية في الثدييات عن طريق مجموعتين من الخلايا العصبية تسمى نوى التأقلم (SCN) تقع في منطقة ما تحت المهاد الأمامي. وقد حدد علماء الوراثة مؤخرًا مجموعة من الجينات التي تنظم نشاط نوى التأقلم، وبالتالي ينتظم إيقاع الساعة البيولوجية بين الثدييات.

 

ومع ذلك، وعلى عكس أنواع الثدييات الأخرى، فإن لدى البشر قدرة فريدة، إدراكيًا ومعرفيًا، على تجاوز ساعتهم البيولوجية الداخلية ومخرجاتها الإيقاعية. وبعبارة أخرى، فإن إيقاع الساعة البيولوجية ليس مسألة وراثية، على الأقل بالنسبة للبشر. وفي حدود القيود الوراثية الواسعة، يمكن للإنسان أن يختار وقت ذهابه إلى الفراش ووقت الاستيقاظ.

 

وفي حين أن هناك بعض الاختلافات الفردية في إيقاع الساعة البيولوجية، حيث يميل بعض الأفراد للسهر أكثر من غيرهم، فإن البشر في الأساس كائنات نهارية. يعتمد البشر بشدة على البصر في الحركة ولكن، على عكس الكائنات الليلية حقًا؛ لا يمكنهم الرؤية في الظلام أو تحت الإضاءة الخافتة، ولم يكن لدى أجدادنا الإضاءة الاصطناعية خلال الليل حتى جرى استخدام النار. وكان أي إنسان قديمًا يسهر أثناء الليل عرضة لخطر الافتراس من قبل الحيوانات المفترسة الليلية.

 

لا تشمل موسوعة الثقافات العالمية، التي تحوي كتالوجات توضح جميع الثقافات البشرية المعروفة في علم الإنسان؛ أي إشارة على الأنشطة الليلية في أي من الثقافات التقليدية. ولا توجد مقالات في فهرس “الليلي”، “الليل”، “المساء”، “الظلام” و”الليل بأسره”. كما أن المراجع القليلة التي تشير إلى “القمر” كلها ذات طابع ديني، كما هو الحال في “إله القمر”، “القمر الأم”، و”عبادة القمر”. والاستثناء الوحيد هو “مغازلة الليل”، وهو عرف اجتماعي يسمح بممارسة الجنس قبل الزواج لوحظ بين الدنماركيين والفنلنديين، وهي ثقافات غربية تمامًا بعيدة عن بيئة الأسلاف.

 

تؤكد الإثنوجرافيا هذه الملاحظات وتشير إلى أن الناس في المجتمعات التقليدية عادة ما يستيقظون قبل وقت قصير من الفجر ويذهبون للنوم بعد فترة قصيرة من الغسق، وذلك لتحقيق الاستفادة الكاملة من الضوء الطبيعي الذي توفره الشمس. “تبدأ الأنشطة اليومية في وقت مبكر في قرية يانومامو”، و”على الرغم من زيارة اللحظة الأخيرة، عادة ما تهدأ الأجواء في القرية عندما يحل الظلام”. أما لدى الماساي في كينيا، “يبدأ اليوم حوالي السادسة صباحًا، عندما تكون الشمس على وشك الارتفاع” و”ويقضي معظم الناس الأمسيات في الدردشة بهدوء مع أفراد العائلة. وإذا كان القمر بدرًا فمن الممكن الرؤية تقريبًا وكذلك أثناء النهار، ويستفيد الناس من الضوء من خلال البقاء حتى وقت متأخر وممارسة الأنشطة الاجتماعية”. ولدى الأتش في باراجواي، “بعد الطبخ وتناول الطعام، غالبًا ما يكون المساء وقت الغناء والمزاح. ثم يخلد أعضاء الفرقة إلى النوم”.

 

وبالتالي ليس هناك ما يشير في أي من الأدلة العرقية إلى وجود أنشطة ليلية في المجتمعات التقليدية، سوى الدردشة والغناء. لذا فمن المعقول أن نستنتج أن أجدادنا قد اقتصرت أنشطتهم اليومية على النهار. ولذلك، فإن النظرية تتوقع أن الأفراد الذين يسهرون هم أكثر ذكاء من غيرهم.

 

يؤكد تحليل عينة تمثيلية كبيرة من الشباب الأمريكي هذا التوقع. فعدد كبير من العوامل الاجتماعية والديموغرافية تفترض أن الأطفال الأكثر ذكاء يكبرون ليكونوا ميالين للسهر كبالغين أكثر من الأطفال الأقل ذكاء. وبالمقارنة مع نظرائهم الأقل ذكاء، فإن الأفراد الأكثر ذكاء يذهبون إلى الفراش في وقت متأخر (عندما يكونون مضطرين للاستيقاظ في وقت معين في اليوم التالي) وخلال عطلة نهاية الأسبوع، ويستيقظون في وقت متأخر خلال أيام الأسبوع. على سبيل المثال، أولئك الأطفال الذين يقل معدل الذكاء لديهم عن 75، يذهبون إلى الفراش حوالي الساعة 11:41 مساءً خلال أيام الأسبوع في أوائل مرحلة البلوغ، في حين أن أولئك الذين لديهم معدل ذكاء أعلى من 125 يذهبون إلى الفراش حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد