على الرغم من أن الباكستانيين يحملون بين جوانحهم كراهية عميقة لإسرائيل، فإن دولتهم تقيم علاقات سرية مع دولة الاحتلال منذ عقود. السؤال الذي تحاول مجلة «ذا دبلومات» الإجابة عنه في مقال لمراسلها في لاهور، هو: لماذا يكشف قادة باكستان عن زياراتهم السرية لإسرائيل الآن؟

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، احتدم الجدل في باكستان حول مسألة الاعتراف بإسرائيل. صحيح أن هذا الجدل لا يعكس بالضرورة وقائع تجري على الأرض، لكن الصحافي عمير جمال، مراسل «ذا دبلومات» في لاهور الباكستانية، يرى أن هذه ربما تكون المرة الأولى التي يتاح لنا فيها الاطلاع بعمق على مستوى التواصل بين البلدين.

والسؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا احتدم النقاش في هذا التوقيت بالذات؟

نفى رئيس الوزراء، عمران خان، وغيره من كبار المسؤولين الحكوميين في عدة مناسبات أن تكون باكستان تخطط لإقامة علاقات مع إسرائيل. لكن في الوقت ذاته، أعلن خان صراحةً – أثناء مقابلة أجريت معه مؤخرًا – أن الولايات المتحدة ودولًا أخرى كثَّفت الضغط على باكستان بعد الصفقات التي أبرمتها إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين.

وعندما سئل عما إذا كانت هناك دول إسلامية من بين تلك الدول التي تمارس الضغط على باكستان، قال خان: «هناك أشياء لا يمكننا الإفصاح عنها؛ مراعاة لعلاقاتنا الطيبة معهم». وأضاف: «لا يخطر في بالي ولو لثانية أن نعترف بإسرائيل، ما لم يجر التوصل لتسوية عادلة ترضي الفلسطينيين».

دولي

منذ 7 شهور
ياريف الباز.. مهندس «صفقة التطبيع» المغربية الذي يخطط «لغزو» أفريقيا

من يضغط على باكستان لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل؟

يشير المراسل إلى احتمالية أن تكون باكستان تعرضت لضغوط من دول مثل المملكة العربية السعودية وحلفائها في منطقة الخليج، والولايات المتحدة، لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

يستشهد المقال بما نشرته صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية نقلًا عن مصادر حكومية باكستانية صرحت بأن «الرياض تلوي ذراع إسلام أباد منذ شهور؛ لأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يريد «تطبيع التطبيع»، قبل أن تخطو السعودية خطوة رسمية تجاه إسرائيل».

وبينما سارعت باكستان إلى نفي مثل هذه المزاعم صراحة، يستدل مراسل مجلة «ذا دبلومات» على نقيض ذلك بأدلة جديدة تشير إلى أن إسلام أباد ربما كانت حريصة على تطبيع العلاقات وليس العكس.

Embed from Getty Images

ويتابع: بصراحة، لم تواجه إسرائيل أبدًا مشكلة في إقامة علاقة عمل مع باكستان. بل لم تكن باكستان قادرة على تقرير ما إذا كانت تريد أن تكون صديقة لإسرائيل أو تعارضها، في ظل سياسة متخيلة تهدف إلى حماية المصالح العالمية للأمة الإسلامية.

معضلة السياسة الخارجية الباكستانية

إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل يضع السياسة الخارجية الباكستانية أمام معضلة، بحسب المقال؛ ذلك أن إسلام أباد ليست واضحة حيال ما إذا كانت تريد أن يكون الإسلام جزءًا من سياستها الخارجية، أم أن تصوغ سياستها الخارجية انطلاقًا من أرضية أكثر واقعية لتحقيق أهدافها الوطنية على الساحة الدولية.

يردف مراسل «ذا دبلومات»: المؤسف أن باكستان أضرت بنفسها حين افترضت، على مدى عقود، أن السعوديين والشركات العربية التابعة لها ستظل مؤيدة لكراهية إسرائيل إلى الأبد. وكان ينبغي لقادة باكستان إدراك أن الحكومات الأجنبية، بما في ذلك الدول ذات الأغلبية المسلمة، لم تكن مهتمة بما يسمى بجهودها الرامية لتوحيد الأمة الإسلامية، أو تقديم نفسها قائدًا لها.

ويكمل الكاتب: بل أزعج ما يسمى بريادة باكستان في الدفاع عن قضايا العالم الإسلامي العديد من البلدان الإسلامية ذات الجذور التاريخية والحضارية الأقوى. وأفضل تجسيد لهذا الوضع هو طرفة قالها الملك المصري فاروق: «هل تعلم أن الإسلام ولد في 14 أغسطس 1947» – تاريخ استقلال باكستان – وهو بذلك كان يلمز الجهود التي بذلتها باكستان منذ تأسيسها، وكذلك تركيز قادتها على إبراز دورهم بوصفهم مدافعين عن مصالح العالم الإسلامي.

كراهية علنية وزيارات سرية

عملت القيادة الباكستانية، طيلة عقود، على تطبيع الكراهية ضد الدولة اليهودية، من خلال جهودها المحلية لتبني الإسلام منهجًا. لكن في الوقت ذاته، كان قادة الدولة يتواصلون سرًّا مع إسرائيل، ويرسلون وربما يستقبلون وفودًا لاستكشاف خيارات لتطبيع العلاقات بين البلدين، بحسب الكاتب.

وزعم أجمل قادري، القيادي في جمعية علماء الإسلام، مؤخرًا أن رئيس الوزراء السابق، نواز شريف، أرسل وفدًا من علماء المسلمين، كان هو شخصيًا من بينهم، إلى إسرائيل. وقال قادري أثناء مقابلة أجريت معه قريبًا: «لقد وجدته (يعني: نواز) متحمسًا جدًّا لتطوير العلاقة مع الدولة اليهودية، لكن السياسة الداخلية منعته من المضي قدمًا في هذا المسار».

وأضاف قادري أنه بعد اختتام جولته في إسرائيل، نصح نواز شريف بضرورة «استشارة البرلمان الباكستاني أو إجراء حوار وطني لاتخاذ قرار بهذا الشأن»، على اعتبار أنه هو نفسه لا يعارض الاعتراف بإسرائيل.

Embed from Getty Images

هل تهيئ باكستان مواطنيها للتطبيع على المدى الطويل؟

قبل أيام قلائل، صرح زعيم ديني بارز آخر، وعضو في جمعية علماء الإسلام، يدعى محمد خان شيراني، بأنه يدعم تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقال صراحة: «هذه قضية دولية، وأنا أؤيد الاعتراف بإسرائيل».

وأضاف قائلًا: «المسلمون المثقفون بحاجة لأن يفهموا أن القرآن والتاريخ يثبتان لنا أن أرض إسرائيل ملك لليهود فقط. ذلك أن البيت الذي بناه الملك داود للرب في القدس كان للإسرائيليين، وليس للفلسطينيين».

في هذه المرحلة، ليس من الواضح ما إذا كانت القيادة المدنية- العسكرية الحالية في باكستان قد أدركت الطبيعة الاستثنائية للخيارات المتاحة أمام بلادهم على صعيد السياسة الخارجية، ولذلك فهي تبذل جهودًا لتشكيل الرأي العام تمهيدًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل على المدى الطويل.

أما ما هو واضح فهو أن بعض التصريحات التي كشفت عن العلاقات الباكستانية السرية مع إسرائيل والقبول بها، صدرت عن أشخاص يمثلون جزءًا من تحالف المعارضة ضد الحكومة. ففي يوم الجمعة الماضية، أصدر فضل الرحمن، رئيس حزب جمعية علماء الإسلام، الذي يقود أيضًا الحركة الديمقراطية الباكستانية، قرارًا بطرد شيراني من الحزب لإعلان دعمه الاعتراف بإسرائيل.

اصطياد عصفورين بحجر واحد

تصريحات أجمل قادري، الذي كان أيضًا قياديًّا في حزب جمعية علماء الإسلام، حمَّلت مسؤولية الزيارة إلى إسرائيل لنواز شريف، الذي يهاجم القيادة المدنية- العسكرية في خطاباته منذ أكثر من شهر.

يخلص المقال إلى أن القيادة الباكستانية الحالية ربما تتطلع إلى تحقيق هدفين بكشفها اللثام مؤخرًا عن علاقاتها السرية مع إسرائيل:

أولًا، كشف اللثام عن وقوع تلك الزيارات السرية لإسرائيل خلال فترة حكم شريف، يضر بشرعيته وشرعية فضل الرحمن، ويضعف موقفهما في مهاجمة الحكومة؛ لأنها تستكشف الخيارات المتاحة أمامها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

ثانيًا، بالنسبة للقيادة المدنية- العسكرية، فإنها تحقق الغرض ذاته المتمثل في اختبار رد فعل الرأي العام على تطبيق مثل هذا الاحتمال على المدى الطويل.

ويتوقع مراسل مجلة «ذا دبلومات» في ختام مقاله أن يشهد المستقبل محطات أكثر إثارة على صعيد العلاقات الثنائية السرية بين باكستان وإسرائيل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد