أعاد المسلسل التلفزيوني عن كارثة تشيرنوبل الذي عُرِض على شبكة «إتش بي أو» في مايو (أيَّار) الماضي، أنظار الجماهير إلى الكارثة التي وقعت في المدينة الأوكرانية، إثر انفجار المفاعل رقم 4 من محطة تشيرنوبل للطاقة النووية.

في هذا المقال، الذي نُشِرَ على موقع «ذا كونفرسيشن»، يتساءل ستيوارت ثومبسون، المُحاضِر في الكيمياء الحيوية النباتية بجامعة ويستمنستر البريطانية، عن السبب الذي جعل النباتات تنمو على الرغم من تلك الكارثة التي أودت بحياة الحيوانات وأجبرت البشر على مغادرة المنطقة.

صارت كلمة تشيرنوبل مرادفًا للفاجعة. وأدَّت كارثة تشيرنوبل النووية التي وقعت عام 1986، والتي استحضرها المسلسل التلفزيوني الشهير ذو الاسم نفسه مؤخرًا إلى أنظار الجمهور، وكانت كذلك سببًا في إصابة الآلاف بمرض السرطان، إلى تحويل تشيرنوبل -التي ازدحمت بالسكان في الماضي- إلى مدينة أشباح. وكانت السبب في إنشاء منطقة محظورة مساحتها 2600 كيلومتر مربع.

نجاة النباتات من كارثة تشيرنوبل

يشير ثومبسون إلى أن مدينة تشيرنوبل المعزولة ليست خالية من الحياة؛ إذ عادت الذئاب والخنازير والدببة مرةً أخرى إلى الغابات الكثيفة تحيط بالمحطة النووية القديمة.

وفي ما يتعلَّق بالحياة النباتية، يقول الكاتب إن أكثر النباتات هشاشةً وعُرضةً للخطر ظلَّت على قيد الحياة، وحتى في أكثر المناطق المُشعَّة في المدينة، بدأت النباتات تتعافى في غضون ثلاث سنوات.

يفيد الكاتب بأن البشر والثدييات الأخرى ومعهم الطيور، كلهم كانوا ليموتوا، مهما كان عددهم، إذا تعرَّضوا لقدر الإشعاع الذي تعرَّضت له النباتات في أكثر المناطق تلوثًا. إذن فما الذي يجعل النباتات قادرة على تحمل الإشعاع والكوارث النووية؟

Embed from Getty Images

للإجابة على هذا السؤال، يقول الكاتب إننا نحتاج أولًا أن نفهم كيف يؤثِّر الإشعاع الصادر من المفاعلات النووية على الخلايا الحية. ويصف في مقاله المواد الإشعاعية في تشيرنوبل بأنها «غير مستقرة»، وذلك لأنها تطلق باستمرار جُسيماتٍ وأمواجًا عالية الطاقة تحطم الهياكل الخلوية، أو تُنتج موادًا كيميائية تفاعلية تهاجم آلية عمل الخلايا.

معظم أجزاء الخلية تكون قابلةً للاستبدال في حال تدميرها، لكن خلايا الحمض النووية (DNA) هي استثناء مهم من ذلك، فعند التعرُّض لجرعاتٍ عالية من الإشعاع، يتشوَّه الحمض النووي وتموت الخلايا بسرعة.

لكن الكاتب يوضح أن الجرعات الأقل من الإشعاع تُحدِث ضررًا أدق؛ ويكون في هيئة طفراتٍ جينية تُغيِّر من خصائص الخلية، فتجعلها على سبيل المثال خلية سرطانية تتكاثر بلا سيطرة وتنتشر في مختلف أنحاء الجسد.

ويشير إلى أن هذه العملية تكون قاتلةً في الحيوانات؛ حيث الخلايا والأنظمة المُتخصِّصة بدرجة كبيرة وغير مرنة.

ومن هنا، يطرح الكاتب أن نُفكِّر في بيولوجيا الحيوانات كآلةٍ مُعقَّدة ومتشابكة، حيث لكلِّ خلية وكلِّ عضو مكان وغرض مُحدَّدان، وينبغي أن تعمل جميع الأعضاء وتتعاون معًا من أجل أن يبقى الفرد على قيد الحياة. فليس في مقدور الإنسان أن يظل حيًا دون دماغ أو قلب أو رئتين.

لكنَّ النباتات على الجانب الآخر، تنمو وتتطوَّر بشكلٍ أكثر مرونة وطبيعية من البشر والحيوانات.

ولأن النباتات غير قادرة على الحركة، فهي لا تملك إلا أن تتأقلم مع الظروف التي تجد نفسها فيها. ووفقًا لما هو مطروحٌ في المقال، تصوغ النباتات بنيتها الخاصة بها أثناء نموها بدلًا من أن يكون لها بنية مُحدَّدة كما في الحيوانات.

يلفت الكاتب إلى أن النباتات، أثناء تطويرها جذورًا أعمق أو سيقانًا أطول، تعتمد على توازن الإشارات الكيميائية من الأجزاء الأخرى فيها والشبكة التي تمتد عبر كلِّ هذه الأجزاء، إلى جانب الضوء ودرجة الحرارة والماء والمواد الغذائية التي تصلها.

الأهم من ذلك، حسبما أفاد المقال، أنه على عكس خلايا الحيوانات تتمكَّن جميع الخلايا النباتية تقريبًا من إنشاء خلايا جديدة من النوع الذي تحتاج إليه النبتة أيًا كان. وهو ما يجعل المُزارع قادرًا على زراعة نباتات جديدة من الفسائل، حيث الجذور تنبُت مِمَّا كان في السابق جذعًا أو ورقة.

وكلُّ هذا يعني أن النباتات يُمكِنها الاستعاضة عن الخلايا والأنسحة الميِّتة بسهولة أكبر من الحيوانات، سواء كان سبب الضرر الذي لحق بهذه الخلايا هو مهاجمة الحيوانات لها أو تعرُّضها للإشعاع.

ويشير الكاتب إلى فارقٍ مهم بين النباتات والحيوانات عند الإصابة بالإشعاع، هي أن الخلايا المُصابة في النباتات عادةً ما تكون غير قادرةٍ على الانتشار إلى أجزاءٍ أخرى غير مُصابة في النبات، خلاف الأمراض السرطانية، وذلك بفضل الجدران الصلبة المترابطة المحيطة بخلايا النباتات.

ويذكر المقال أن هذه الأورام غير قاتلة في أغلب الحالات، إذ أن النباتات قادرةٌ على العثور على حلٍّ لإصلاح الأنسجة الفاسدة.

يلاحظ الكاتب أمرًا آخر مثيرًا للاهتمام بالإضافة إلى تلك المقاومة الفطرية للإشعاع، وهو أن بعض النباتات في منطقة تشيرنوبل المحظورة بدت وكأنها تستخدم آلياتٍ إضافية لحماية حمضها النووي، مُغيِّرةً تكوينها الكيميائي ليكون أشد مقاومةً لضرر الإشعاع، وتدير أنظمةً لإصلاح الخلايا إن لم تُجدِ تلك الآليات نفعًا.

يشير الكاتب إلى أن مستويات الإشعاع الطبيعية على سطح الأرض كانت في الماضي السحيق أعلى بكثير؛ وذلك عندما كانت النباتات الأولى في طور نشأتها، ولذا ربما كانت النباتات في تشيرنوبل قد تذكَّرت تكيُّفها مع الإشعاع في الماضي كي تبقى على قيد الحياة.

Embed from Getty Images

أملٌ في الحياة

تزدهر الحياة الآن في تشيرنوبل. وقد ازدادت نسبة الحياة بين النباتات والحيوانات عمَّا كانت قبل الكارثة.

يشير الكاتب إلى أنه نظرًا للخسارة الفادحة التي أصابت البشر وتقليص أعمارهم بعد كارثة تشيرنوبل، قد يُدهِشك هذا النهوض الجديد للطبيعة. ويذكر أن للإشعاع تأثيرٌ ضارٌ جليّ على حياة النباتات، وقد يُقلِّص أعمار بعض النباتات والحيوانات الفرادى، لكن إذا كانت الموارد اللازمة للبقاء على قيد الحياة وافرة بما يكفي وكانت الصعوبات غير قاتلة، فسوف تزدهر الحياة.

يلفت الكاتب أيضًا إلى أن المشكلات التي جلبها الإشعاع في تشيرنوبل كانت أقل وطأةً مقارنة بالمنافع التي حُصِدَت من مغادرة البشر تلك المنطقة. وبعد أن صارت الآن واحدةً من أوسع المحميات الطبيعية في أوروبا، يضم النظام البيئي في تشيرنوبل أعدادًا أكبر من الكائنات الحية مِمَّا كان في السابق، حتى ولو كان متوسط الأعمار الفردية أقل قليلًا.

ويختتم الكاتب مقاله المنشور على موقع «ذا كونفرسيشن» بأن كارثة تشيرنوبل كشفت بطريقةٍ ما المدى الحقيقي لتأثيرنا بيئيًا على الكوكب. ورغم ضرر الكارثة النووية التي وقعت، فقد كان تأثيرها على النظام البيئي المحلي أقل دمارًا مما كان تأثيرنا نحن. وعندما هَجَرَ البشر المنطقة، أفسحنا الطريق لعودة الحياة الطبيعية.

«هنا غويانيا».. حين تسبب لصان في مأساة كادت أن تصبح تشيرنوبل جديدة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد