في أحد أيام نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، هرع الباعة الجائلون المتكدسون في محيط البنايات العتيقة بحي مصر القديمة، يجمعون بضائعهم استعدادًا للفرار من حملة أمنية تستهدف إخلاء المنطقة الحساسة منهم، التي يفصلها بضع مئات من الأمتار عن قصر الاتحادية الرئاسي، حيثُ يستضيف الرئيس العسكري المصري عبد الفتاح السيسي كبار المسؤولين ورجال الأعمال الأجانب. حينها وجد الباعة يدًا غير مألوفة تمتد بالعون: طالب دراساتٍ عُليا إيطالي يُدعى جوليو ريجيني.

لاحقًا، اختفى ريجيني، ثمَّ عُثِر على جثته مُلقاة إلى جانب الطريق، عارية النصف السُفلي، مشوهة من آثار التعذيب الوحشي. اشتعل الرأي العام الإيطالي مطالبًا بمعرفة الحقيقة، ومع الوقت تكشفت العديد من الجوانب في القصة تُشير إلى أن السُلطات المصرية تعرف تمامًا، على أعلى المستويات، من هُم قتلة ريجيني.

لكن السؤال المحير فعلًا، والذي يحاول ديكلان والش، مُدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في القاهرة، الإجابة عنه في تقريره هو: لماذا تعرَّض ريجيني لما تعرَّض له من الأساس في مصر؟ ما الدافع وراء اختطاف ريجيني، وتعذيبه بكل هذه الوحشية، ثمَّ – وهو الأغرب – إلقاء جثته على قارعة الطريق ليكتشفها سائقٌ غافل في وضح النهار؟

روح ثورية فاتنة

نشأ ريجيني في قرية إيطالية صغيرة قريبة من مدينة تريست، لأبٍ يعمل مندوبًا للمبيعات، وأمٍ مُدرِّسة. وفي 2011، حين أطاحت تظاهرات ميدان التحرير بالرئيس المصري حسني مبارك، كان ريجيني يُنهي درجته العلمية في اللغة العربية والسياسة بجامعة ليدز البريطانية، وافتتن افتتانًا بالروح الثورية التي حملها الربيع العربي إلى الشرق الأوسط.

وصل ريجيني إلى القاهرة في 2013، بصفته متدربًا في وكالة تابعة للأمم المتحدة. ثم اندلعت موجة ثانية من الاحتجاجات تمخضت عن إطاحة الجيش بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وتنصيب السيسي، وزير الدفاع حينها، محله.

استحسن ريجيني هذا التطور، وفقًا لما كتبه لصديقٍ إنجليزي في أوائل أغسطس. «هو جزءٌ من العملية الثورية»، على حد قوله. بعد أقل من أسبوعين، نفذت قوات السيسي الأمنية أسوأ مذبحة مدعومة من الدولة في تاريخ مصر، حين قتلت 800 من مؤيدي مُرسي في ميدان رابعة العدوية في يومٍ واحد. وكانت المذبحة إيذانًا بعهدٍ من القمع.

غادر ريجيني القاهرة بعدها بوقتٍ قصير إلى إنجلترا، حيث بدأ العمل لحساب شركة «أوكسفورد أناليتيكا» للبحوث التجارية. تابع ريجيني حكومة السيسي عن بُعد، وأعدَّ تقارير تحليلية تتناول الموجات السياسية والاقتصادية. وبعد عامٍ كان قد ادخر ما يكفي لبدء برنامج الدكتوراه في الدراسات التنموية بجامعة كامبريدج. واتخذ قراره بالتركيز على النقابات المستقلة في مصر، التي رأى فيها أملًا واهيًا لإنقاذ الديمقراطية في مصر.

اختار ريجيني، بتوجيهٍ من د. مها عبد الرحمن، المصرية المُشرفة على رسالته بالجامعة، الباعة الجائلين في مصر موضوعًا لدراسته. انغمس ريجيني في عالم الشباب القادمين من القرى النائية طلبًا للرزق على أرصفة القاهرة، ساعيًا إلى تقييم قدرة نقابتهم المستقلة. على إحداث تغيرات سياسية واجتماعية في مصر.

إلا أن هذا النوع من الانغمار الثقافي لم يعُد سهلًا في مصر بحلول 2015، إذ خيَّم جوٌ من الشك على أنحاء القاهرة، وتعرض العديد من المحامين والصحافيين للمضايقات، وامتلأت شوارع القاهرة بالمرشدين، لكن هذا لم يردعه. استغل ريجيني إتقانه لخمس لغات وخلفيته الثقافية المتنوعة في اجتذاب دائرة واسعة من الأصدقاء الكتاب والفنانين، وتدرَّب على الحديث بالعربية في محل كُشري «أبو طارق» الشهير، واستمتع بشوارع القاهرة الجامحة ومقاهيها التي تنبعث منها رائحة الدخان، وصخبها الذي لا ينتهي، والقوارب زاهية الألوان تشق طريقها في مياه النيل في المساء.

سجَّل ريجيني نفسه باحثًا زائرًا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقضى ساعاتٍ يُجري مقابلاته مع الباعة الجائلين في مصر الجديدة وفي السوق الصغير الوقع خلف محطة مترو رمسيس. شاركهم ريجيني الأكل من عربات الشارع نفسها، في محاولة لكسب ثقتهم، بالرغم من تحذيرات مشرفه الأكاديمي بالجامعة الأمريكية من التسمم.

كان ريجيني، بالرغم من كل شيء، واعيًا بمخاطر العيش في القاهرة. كتب إلى صديقه الإنجليزي بعد شهرٍ «الحياة كئيبة جدًا. يملك الجميع وعيًا فائقًا بالألاعيب الدائرة». لاحظ ريجيني ارتياب المصريين فيه، وبدأت مضايقات الباعة الجائلين طلبًا لخدماتٍ متنوعة منه. وحين حضر اجتماعًا مع نشطاء نقابيين وكتب عنه تحت اسمٍ مستعار لموقعٍ إخباري إيطالي، رأى شابة محجبة تلتقط صورته بهاتفها الخلوي. إلا أن تواصل ريجيني الرئيس كان مع محمد عبد الله، نقيب الباعة الجائلين الذي عمِل في صحيفة شعبية بالقاهرة لمدة عقدٍ كامل. كان عبد الله دليل ريجيني في القاهرة، يقدم له النصائح ويعرفه بأشخاص يُجري معهم مقابلاته.

لكن تحولًا غريبًا حدث في علاقته مع عبد الله في أوائل يناير (كانون الثاني) 2016، حين التقى الاثنان في مقهىً بلدي قريب من محطة مترو رمسيس، ليشربا الشاي ويناقشا منحة تقدمها منظمة بريطانية غير ربحية للنشطاء الأكاديميين. بدأ عبد الله في طرح أفكار «مختلفة» للاستفادة من «الفلوس». هل يمكن استخدامها في «مشاريع الحرية»، على حد تعبيره؟ هل يُمكن أن تُساعده الأموال في إجراء عملية جراحية لابنته وعلاج زوجته من مرض السرطان؟ هو في حاجة ماسَّة إلى النقود. «اشبط في أي حاجة» وفق تعبيره. لكن ريجيني بدأ يتوتر، واستعان بعربيته المهشمة قائلًا «مش ممكن. مش بروفيشنال». «أنا بالنسبة لك عندي سلطة كتير، لكن أنا معنديش أي سلطة، أنا باحث».

بعد أسبوعين، جاءت الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير. فضل ريجيني البقاء في المنزل خلال النهار، بعد ورود أخبار عن حملات أمنية اعتُقل أثناءها عشرات المتظاهرين المحتملين استمرت في الأسابيع السابقة، على شقق وسط البلد ومقاهيها.

لكنه اعتقد أن مغادرة المنزل ليلًا آمنة، وتوجه إلى مقهى قريبٍ من ميدان التحرير لحضور حفل عيد ميلاد يساري مصري دعاه إليه صديقٌ إيطالي مشترك. استمع ريجيني إلى أغنية «تدفق دموي إلى الرأس» من فرقة كولدبلاي، وأرسل رسالة نصية إلى خليلته فيتينسكا في الساعة السابعة وواحد وأربعين دقيقة مساءً، يخبرها فيها أنه سيغادر الشقة.

لكنه لم يصل.

#أين_جوليو؟

Embed from Getty Images
مضى أسبوع على اختفاء ريجيني، وانتشر الخبر في أرجاء القاهرة. بدأ أصدقاؤه حملة إلكترونية للبحث عنه تحت هاشتاج #whereisgiulio، واستقل والداه طائرة من إيطاليا للبحث عنه. انتشرت شائعة بأن ريجيني اختطفه المتطرفون الإسلاميون، وقد كان احتمالًا مروعًا لأن مهندسًا كرواتيًا لاقى هذا المصير قبل ستة أشهر من اختفاء ريجيني، إذ اختطفه مسلحو الدولة الإسلامية من ضواحي القاهرة وقطعوا رأسه.

أحد الباحثين عن ريجيني كان السفير الإيطالي إلى مصر، ماوريتسيو ماساري، الذي تضاعف قلقه حين لم تتوصل الوحدة الاستخباراتية الملحقة بالسفارة الإيطالية في مصر إلى أية أدلة عن مصير ريجيني، ولم يُسفر تواصله مع وزير الخارجية ووزير الإنتاج الحربي والمستشارة فايزة أبو النجا عن أي معلومات. ثمَّ استغرقه الأمر ستة أيام للحصول على موعدٍ مع وزير الداخلية مجدي عبد الغفار، طلب فيه مساعدته في البحث. تعجَّب ماساري: كيف لا يملك عبد الغفار ووزارته أي معلوماتٍ عن ريجيني، بينما شوارع القاهرة تعج بالمرشدين؟

الأغرب هو الخيوط التي اتبعها محققو الوزارة، وفقًا للكاتب. التقى والش بأستاذ جامعي يساري كان أحد أصدقاء ريجيني، طلب عدم ذكر اسمه، وتحدَّثا عن تحقيق الشرطة معه في فترة اختفاء ريجيني. سأل المحققون الأستاذ مرارًا عما إذا كان ريجيني مثلي الجنس. «أخبرتهم بأن لديه خليلة. هنا انبرى الآخر يقول: (هل أنت متأكد أنَّه مستقيم؟ ربما كان واحدًا من ثنائيي الجنس هؤلاء)».

في اليوم التالي لاجتماع السفير مع وزير الداخلية المصري، وصل إلى القاهرة وزيرة الاستثمار الإيطالية فيدريكا جويدي وثلاثين مسؤولًا تنفيذيًا إيطاليًا في بعثة تجارية تهدف إلى عقد عدد من الصفقات. توجه الوفد إلى قصر الاتحادية، واجتمع ماساري وجويدي بالرئيس السيسي في اجتماعٍ مُغلق. لكنَّه لم يحمل لهما سوى التعاطف.

في تلك الأمسية، شقَّ حسام زكي مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية طريقه وسط الحاضرين في حفل استقبال البعثة البريطانية بالسفارة، حتى وصل إلى ماساري متجهمًا.

«هل عرفت ما حدث؟ لقد وجدوا الجثة».

مشرحة زينهم

صباح يوم العثور على الجثة، كان سائق حافلة ركابٍ يقطع طريق الإسكندرية الصحراوي المزدحم غربي القاهرة، حين لاحظ جسمًا غريبًا ملقى إلى جانب الطريق. وحين غادر الحافلة، وجد أنها جثة عارية النصف السفلى، ومضرجة بالدماء.

فور علمه بالخبر، توجَّه ماساري أولًا إلى شقة ريجيني بالدقي حيث يقيم والداه، وأبلغ الخبر الصادم لوالدته. ثم إلى مشرحة زينهم في وسط القاهرة بعد منتصف الليل، بصحبة فريقٍ من السفارة ورجل شرطة. في البداية رفض موظفو المشرحة السماح له بالدخول، ليصيح ماساري غاضبًا، آمرًا إياهم بفتح الباب فورًا. بعدها اقتادوه إلى غرفة باردة حيث رقدت جثة الشاب على محفة معدنية.

هُنا يمضي والش في وصف مظهر الجثة. كان فم ريجيني مفتوحًا، وشعره معجونًا بالدماء. فقد سنًا من أسنانه الأمامية، وعدد منها كان مكسورًا، كما لو أنها تلقت ضربة من جسمٍ غير حاد. تركت حروق أعقاب السجائر الدائرة آثارها على جلده، وكانت عظام رسغيه وكتفيه وقدميه محطمة.

بعدها بأيام، خرج تقرير الطب الشرعي الإيطالي بأن ريجيني تعرض لضرباتٍ وحروقٍ وطعنات وجلدات على باطن قدميه على مدار أربعة أيام. ومات حين انكسرت رقبته.

مراوغة

في الساعات الأولى من التحقيق، وقف أحمد ناجي، رئيس نيابة الحوادث والذي أشرف في البداية على التحقيق في جريمة مقتل ريجيني، يتحدث أمام المُراسلين بصراحة صادمة. قال ناجي: إن ريجيني عانى من «موتٍ بطيء» وقال إنه لا يستبعد احتمال تورط الشرطة في جريمة مقتله.

لكن هذا لم يدُم. سُرعان ما اقترح المحقق الرئيس في القضية أن ريجيني مات في حادث سيارة. ثم برزت شتى أنواع النظريات في الصحف وعلى شاشات التلفاز، من كون ريجيني مثليًا قتله حبيب غيور، إلى كونه مدمن مخدرات أو جاسوسًا لحساب الاستخبارات المركزية الأمريكية أو المكتب السادس البريطاني. وحين ذهب والش ليلتقي بأحمد ناجي في مكتبه بعد مرور أسابيع على مقتل ريجيني، كانت الجرأة التي تحدث بها أمام الكاميرات قد اختفت، مُجيبًا عن أسئلة والش بإجاباتٍ مراوغة تفتقر إلى الحسم أو الجزم.

Embed from Getty Images
لكن المسؤولين في مصر أخطأوا حين ظنوا أن أزمة ريجيني يمكن حلها بالتسويف والتشويش والمماطلة. اشتعل الإيطاليون غضبًا في قرية فلوميتشيلو مسقط رأس ريجيني، وفي أنحاء إيطاليا، مع ظهور تفاصيل التعذيب المُوجع الذي تعرض له. وانتشرت اللافتات الصفراء حاملة عبارة Verità per Giulio Regeni (الحقيقة لجولي ريجيني) في المدن والقرى. وخرج ماتيو رينزي، رئيس الوزراء الإيطالي حينها، أمام الكاميرات قائلًا «سنتوقف فقط حين نعرف الحقيقة. الحقيقة الحقيقية، لا مجرد حقيقة ملائمة».

لم يكُن غضب رينزي مُستندًا إلى العدم. وفقًا لمسؤول سابق بإدارة أوباما، تلقت حكومة رينزي خلاصة معلوماتٍ استخباراتية من الولايات المتحدة، في الأسابيع التالية لوفاة ريجيني، تُفيد بأن قوات الأمن المصرية اختطفت ريجيني وعذبته وقتلته، لكن الأمريكيين سعوا إلى الحفاظ على مصادرهم سرية، فلم يشاركوا المعلومات نفسها، ولم يحددوا الجهاز الأمني المسؤول عن مقتله.

الصندوق المظلم

معرفة التفاصيل الداخلية لعمل أجهزة الأمن الرئيسة في مصر أمرٌ شديد الصعوبة. يقول مايكل وحيد حنا من مؤسسة القرن، معهد دراسات السياسة في نيويورك «القطاع الأمني شديد الغموض. مثل صندوق أسود، لكن هناك مفاتيح».

الجهاز الأمني الأبرز في مصر حاليًا هو جهاز الأمن الوطني، والذي كان يُعرف باسم أمن الدولة في عهد مبارك، وكان الذراع القمعي الرئيس. يُقدر عدد العاملين بالأمن الوطني بمائة ألف موظف، ومثلهم من المرشدين. لكنه يظل تحت سيطرة وزارة الداخلية، التي يُعتقد أنها تضم 1.5 مليون ضابطًا وعميلًا ومرشدًا.

الجهاز الصاعد المُنافس للأمن الوطني هو المخابرات الحربية، التي كانت تنأى عن الصراعات السياسية قبل تولي السيسي قيادتها من 2010 إلى 2012. والجهاز الثالث هو المخابرات العامة المصرية، التي كان نفوذها طاغيًا في عهد مبارك، لكنه تراجع الآن في عهد السيسي.

تتمتع الأجهزة الأمنية الثلاثة بنفوذٍ جامح في مصر. تمتلك كل منها قنوات تليفزيونية، وتتحكم في كتلة برلمانية، وتنخرط في الأعمال التجارية، بينما يراقب عملاؤها الشوارع وشبكات الإنترنت. «حركة خاطئة واحدة.. دعابة واحدة يُساء فهمها.. كفيلة بإلقاء صاحبها في السجن أو منعه من السفر».

Embed from Getty Images
في أعقاب ثورات الربيع العربي، انعقدت آمال الكثيرين على تفكيك الأجهزة الأمنية المخيفة في الشرق الأوسط، ومن أبرزها الجهاز الأمني المصري العتيد. في مارس (آذار) 2011، اقتحم المصريون مقار جهاز أمن الدولة، وخرجوا بقوائم المُرشدين ونسخٍ من صور المراقبة وتفريغاتٍ نصية لمكالمات هاتفية تنصت عليها الجهاز. وخرجت مطالب بإجراء إعادة هيكلة جذرية للقطاع الأمني المصري وتفكيكه.

لكن حين وصل وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في 2013، اكتشف المصريون أن الأشياء بالكاد تغيرت، إن لم تكن قد انحدرت إلى الأسوأ. عاد الضباط المفصولين إلى مناصبهم، وأُعيد فتح غرف التعذيب. وبدأ مراقبو حقوق الإنسان في إحصاء أعداد «المختفين»، إلى أن بدأ المراقبون أنفسهم في الاختفاء.

اليوم، يجادل البعض بأن مصر صارت مكانًا أقسى مما كانت عليه في عهد مبارك. خيَّمت الأجواء الأمنية الخانقة في الأعوام التالية على المناخ العام في مصر، وتوحَّشت الأجهزة الأمنية في سبيل هدفٍ واحد: ألا تتكرر احتجاجات يناير 2011 بأي ثمن كان. يقول سفير إحدى الدول الغربية لوالش: إن المسؤولين في نظام السيسي يرون أن تراخي مبارك عجَّل بسقوطه. سمح مبارك في العقد الأخير من فترته الرئاسية لجماعة الإخوان المسلمين بشغل خُمس مقاعد البرلمان، وأعطى مساحة من الحرية للصحافة، وسمح على مضض ببعض الإضرابات العمالية، لكن هذا لم ينقذه.

وهو ما أفضى إلى ما نراه اليوم. يتربع السيسي على رأس السلطة بانتخاباتٍ رئاسية أجريت في 2014 حصل فيها على 97% من إجمالي الأصوات، ويمتلئ البرلمان بمؤيديه، بينما تمتلئ السجون بنحو 40 ألفًا من معارضي نظامه. معظم هؤلاء من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، لكن منهم المحامين والصحافيين والإغاثيين.

يبرر السيسي هذه الإجراءات بسعيه إلى حماية مصر من خطر المتطرفين، خاصة وأن الجنود المصريين في حربٍ مع مسلحي تنظيم ولاية سيناء المبايع للدولة الإسلامية منذ 2014. نفذ التنظيم عددًا من العمليات الإرهابية، استهدفت بعضها كنائس الأقباط وراح ضحيتها العشرات. يدفع هذا بعددٍ كبير من عامة المصريين ونخبتهم إلى تأييد «قبضة السيسي الصارمة» على المجال العام، خوفًا من أن تتحول مصر إلى سوريا أو ليبيا أو العراق.

انقسام إيطالي

بحلول بدايات 2016، كان فريقٌ من سبعة محققين إيطاليين قد وصل إلى القاهرة ليُساعد في التحقيق المصري في جريمة مقتل ريجيني. يقول والش: إن السلطات الأمنية المصرية «أعاقتهم عند كل منعطف»، إذ بدا للمحققين أن الشهود ملقَّنون، ووجدوا أن مقاطع كاميرات المراقبة من محطة مترو الأنفاق القريبة من مسكن ريجيني حُذِفت. ورفضت الحكومة عدة مطالب من جانب المحققين، منها طلب البيانات الوصفية لملايين المكالمات الهاتفية، على أساس أن هذا «ينتهك الحقوق الدستورية لمواطنين مصريين».

تصاعد الضغط الدولي على مصر، وأرسلت الصحف الإيطالية أبرع محققيها الاستقصائيين إلى القاهرة. بدأت والدة ريجيني حملة خاصة بها سعيًا إلى كشف الحقيقة، بدعمٍ من ممثلين ولاعبين كرة إيطاليين. أصدر الاتحاد الأوروبي قرارًا يُدين ظروف مقتل ريجيني المريبة، وقُدِّمت عريضة إلى البرلمان البريطاني حملت أكثر من 10 آلاف توقيعًا، مطالبة الحكومة البريطانية بالتدخل لضمان نزاهة التحقيق.

لكن تحقيق ريجيني كشف تصدعاتٍ مؤلمة داخل الدولة الإيطالية. في قضية ريجيني، تختلف أولويات القطاعات المختلفة: الاستخبارات الإيطالية في حاجة إلى مساعدة مصر في مواجهة الدولة الإسلامية، ومن أجل إدارة النزاع الليبي ومراقبة تدفق اللاجئين عن طريق البحر المتوسط. وإيطاليا كانت من أكثر الدول انفتاحًا في سياستها الخارجية على مصر، حتى في أوقات التوترات مع دول أخرى، بينما شركة الطاقة الإيطالية الحكومية «إيني» لها مصالحها الخاصة: حقل «ظهر»، الواقع على بعد 120 ميلًا من الساحل الشمالي المصري، ويحتوي ما يُعادل 5.5 مليار برميل من النفط.

Embed from Getty Images
ليست مسألة الطاقة هينة في إيطاليا، التي تُعد واحدة من أكثر الدول الأوروبية المعرضة لمخاطر نقص الطاقة. في 2014، اعترف ماتيو رينزي رئيس الوزراء بأن إيني «جزء أساسي من سياسات الطاقة والسياسة الخارجية والاستخباراتية الإيطالية». وفي العديد من البلدان، نجد أن كلاوديو ديسكلاتسي، المدير التنفيذي للشركة، يعرف قادتها أفضل من الوزراء الإيطاليين أنفسهم.

يقول مسؤول بوزارة الخارجية الإيطالية: إن الدبلوماسيين في ذلك الحين ظنوا أن شركة إيني انضمت إلى الاستخبارات الإيطالية بهدف الوصول إلى حلٍ سريع للقضية يحفظ مصالح الشركة في شمال إفريقيا. وأدت هذه الظنون إلى زيادة حدة التوترات بين أجهزة الحكومة الإيطالية. بدأت وزارة الخارجية والاستخبارات الإيطالية في إخفاء المعلومات عن بعضهما البعض. يقول أحد المسؤولين الإيطاليين «كنا في حرب، ليس فقط مع المصريين».

بعد ستة أسابيع من مقتل ريجيني، أجرت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية مقابلة مع السيسي، أبدى فيها تعاطفه مع والدي ريجيني، وتعهد بإيجاد مرتكبي الجريمة والوصول إلى الحقيقة. يتهم بعض الدبلوماسيين جواسيس إيطاليين بالتوسط بين السيسي والصحيفة من أجل إجراء هذه المقابلة وحل الأزمة، إلا أن محرر الصحيفة يؤكد أن طلب المقابلة جاء من الصحيفة نفسها.

الجُناة

بعد 8 أيام من «تعهد» السيسي، في الرابع والشعرين من مارس (آذار)، فتحت قوات الشرطة المصرية بالقاهرة النار على سيارة ميكروباص تقل خمسة رجال، بعضهم له سوابق إجرامية أو تاريخ من تعاطي المواد المخدرة. مات الخمسة كلهم في تبادل إطلاق النار، وأسماهم بيان صادر عن وزارة الداخلية «تشكيل عصابي بنطاق القاهرة الجديدة، تخصص في انتحال صفة ضباط شرطة واختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه». وفي غارة لاحقة على شقة ربطتها التحقيقات بالمشتبه بهم، عثرت الشرطة على جواز سفر ريجيني، وبطاقته الائتمانية وبطاقته الجامعية. وهكذا أعلنت وسائل الإعلام الحكومية المصرية عن قتلة ريجيني.

لكن الرأي العام في إيطاليا قابل الخبر بالتشكك، وتداول الإيطاليون هاشتاج #noncicredo، أي لا أصدق، على موقع تويتر. وتداعت الرواية المصرية الرسمية أمام أقوال الشهود الذين أفادوا بأن الرجال قتلوا بدمٍ بارد، ومنهم من أطلق عليه النار أثناء محاولته الفرار ثم وضعت القوات جثته داخل السيارة. واستخدم المحققون الإيطاليون سجلات المكالمات لإظهار أن طارق عبد الفتاح، رئيس العصابة على حد زعم الحكومة، كانت على بعد 60 ميلًا شمال القاهرة في يوم اختطاف ريجيني. وفي الخريف الماضي، أبلغ النائب العام المصري نظيره الإيطالي بأن النيابة وجهت اتهاماتٍ لضابطي شرطة على صلة بمقتل الرجال الخمسة، لكن إن كان الخمسة لم يقتلوا ريجيني، كيف وصل جواز سفره إلى شقتهم؟

كان الإيطاليون على ثقة بأن القصة كلها ملفقة للتغطية على المجرمين الحقيقيين. لكنها نجحت في تحقيق غرضها، بالرغم من كل شيء. عاد المحققون الإيطاليون إلى وطنهم، واستُبدل بالسفير ماساري، الذي كان قد تأثر بعلامات التعذيب البادية على الجثة، وصار عاجزًا عن النوم بعدها، سفير آخر صدرت له أوامر بالمكوث في إيطاليا. وفي مصر، أصبحت كلمة «ريجيني» تُقال همسًا.

مُرشدين في كل مكان

بعد أشهر من العلاقات الدبلوماسية المتوترة، انهار جدار الإنكار المصري. في سبتمبر (أيلول) الماضي، اعترف النائب العام المصري نبيل صادق علانية في زيارة إلى روما بأن جهاز الأمن الوطني كان يُراقب ريجيني بعد الاشتباه في جاسوسيته. قدم النائب العام للإيطاليين وثائق شملت سجلات مكالمات هاتفية، وأقوال شهود، ومقطعٍ مصور، أثبتت أن ريجيني تعرَّض للخيانة من أكثر من شخص.

أولهم بالطبع هو محمد عبد الله، نقيب الباعة الجائلين، الذي يعمل مُرشدًا لجهاز الأمن الوطني. سجَّل عبد الله محادثته المذكورة في القسم الأول من التقرير مع ريجيني، عن المنحة البريطانية. وأصدر عبد الله بيانًا يحمل تفاصيل اجتماعاته بالعقيد شريف مجدي إبراهيم عبد العال، الذي وعده بـ«مكافأة» حين تنتهي قضية ريجيني.

أما الثاني فكانت هويته مفاجئة. كان ريجيني يسكن في غرفة بشقة في حي الدقي، يتقاسمها مع معلمة اللغة الألمانية جولين شوكي، ومُحامٍ مصري يُدعى محمد السيد. في الشهر السابق على اختفاء ريجيني، سمح محمد السيد لضباط الأمن الوطني بتفتيش الشقة، وأظهرت سجلات الهاتف أنه تحدث في الأسبوع التالي إلى ضابطين بالجهاز. ثم اكتشف الإيطاليون من سجلات الهاتف، أن ضابط الشرطة الذي عثر على جواز سفر ريجيني في شقة الخمسة المقتولين كان على تواصل بأعضاء من الفريق المُراقب لريجيني بجهاز الأمن الوطني.

لكن بالرغم من اعتراف المصريين بمُراقبة ريجيني، أصرت الأجهزة الأمنية على نفي أنها اختطفت أو قتلت ريجيني نفيًا قاطعًا. وحتى إن ثبت هذا يظل السؤال الأبرز: لماذا مات ريجيني «كأنه مصري»، على حد قول النشطاء المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي؟

حين وصل ريجيني إلى مصر في 2015، كان يُعتقد أن الأجانب لا تنطبق عليهم قواعد التعامل مع المواطنين المصريين. بعضهم يقع في مشاكل مع الأجهزة الأمنية، مثل الصحافي الأسترالي بيتر جريست من الجزيرة، الذي احتجزته السلطات الأمنية 13 شهرًا، لكن ريجيني اعتقد، وفقًا لمشرفته، أن جواز سفره سيحميه. وكان خوفه المُقيم هو من ترحيله إلى كامبريدج قبل الانتهاء من أبحاثه.

كيف حدث هذا؟ تُشير إحدى النظريات الشائعة إلى أن هذا من عمل ضابط مارق، إذ يتمتع الضباط من الرتب المنخفضة في وزارة الخارجية بدرجة من الاستقلال تسمح لهم بفعل ما يشاؤون دون مُساءلة، وفقًا ليزيد الصايغ، الزميل الرفيع بمركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت.

لكن هذا لا يفسر سبب إلقاء الجثة على طريقٍ سريع مزدحم، بدلًا عن دفنها في الصحراء، حيث لن يُعثر عليها أبدًا، وتزامن العثور على الجثة مع زيارة وفد إيطالي رفيع المستوى. التفسير الذي يتسق مع هذا جاء من رسالة مجهولة المصدر إلى السفارة الإيطالية في سويسرا، نشرتها لاحقًا صحيفة إيطالية. ما حدث هو أن ريجيني وقع ضحية صراعٍ على مناطق النفوذ بين جهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات العسكرية، إذ استخدم أحد الجهازين وفاته لإحراج الآخر.

الاحتمال الثالث المُرعب، هو أن تكون وفاة ريجيني رسالة وجهها نظام السيسي عمدًا للغرب. في روما، تحدث والش إلى مسؤول إيطالي أخبره بأن جثة ريجيني رُفعت على حائط حين عُثِر عليها. وتساءل «هل أرادت الحكومة المصرية العثور عليها؟» ويقول مسؤول بإدارة أوباما إنه يعتقد أن واحدًا من كبار المسؤولين بالحكومة المصرية أصدر أوامره بالتنكيل بريجيني «ليبعث رسالة إلى الأجانب والحكومات الأجنبية، مفادها أن يتوقفوا عن العبث بأمن مصر».

لا يلوح في الأفق كثيرٌ من الأمل في الضغط على السيسي من أجل انتزاع الحقيقة، بعد 18 شهرًا من مقتل ريجيني. في روما، اعترف المسؤولون الإيطاليون الشهر الماضي بأن نتيجة التحقيق ستحسمها العوامل السياسية، لا الشُرطية. بعد مقتل ريجيني، تناول السيسي العشاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمام الأهرامات، واستقبله البيت الأبيض استقبالًا حافلًا. وأعلنت الحكومة الإيطالية عودة السفير الإيطالي إلى القاهرة في الرابع عشر من أغسطس (آب). وسيبدأ الإنتاج في حقل الظهر في ديسمبر (كانون الأول).

أما في فلوميتشيلو، قريته الأم، يرقد ريجيني. على قبره تتراكم باقات الورود، إلى جانب صورة فوتوغرافية صغيرة تظهره يتحدث إلى حشد ممسكًا بميكروفون. لكن شاهد قبره الرخامي لم يُكتب عليه شيء؛ لأن التحقيق، كما قال كاهن الإبرشية، ما زال مفتوحًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد