تناول تقرير على موقع مجلة «فورين أفيرز» مستقبل العلاقات بين أمريكا وإيران في ظل المحاولات المتكررة من واشنطن لتغيير النظام في طهران، وهو ما اعتبره التقرير أمرًا غير مُجْدٍ.

وأوضح التقرير أنه مع اقتراب حلول الذكرى الثانية للاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع الغرب، لا يزال الحل في نظر «الصقور» الأمريكية لمشكلة إيران هو تغيير النظام. كانت مجلة «بوليتيكو» قد ذكرت أن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات – مركز بحث محافظ في واشنطن – قد وجهت مذكرة إلى مجلس الأمن القومي الأمريكي بعد تولي ترامب الرئاسة قال فيها إن من الممكن فرض الديمقراطية في إيران بالقوة لأن النظام هناك يفتقر إلى الدعم الشعبي، وأن هيكل النظام يشي بعدم الاستقرار مع احتمالية بالانهيار.

لكن راي تاكييه – من مجلس العلاقات الخارجية – يصيغ الأمر بشكل مختلف، حيث قال: «إن مهمة الإدارة الأمريكية الآن تتمثل في إيجاد سبل لاستغلال الأزمة التي تلوح في إيران لإسقاط أحد ألد أعداء أمريكا». في الواقع، إن عداء ترامب تجاه إيران هو ما شجع الصقور أكثر، مع تلميح وزير الخارجية ريكس تيلرسون بأن تغيير النظام سلميًا في طهران بديل مطروح. لكن التقرير يؤكد أن تغيير النظام لن يكون ذا جدوى ما لم تضع أمريكا استراتيجية سياسية وعسكرية شاملة لمدة غير معروفة في مسرح جديد في الشرق الأوسط. وفي حالة غياب هذه الاستراتيجية، فلن يؤدي ذلك إلا لغياب القدرة على إيجاد بديل للنظام القائم.

يشير تاريخ أمريكا في إسقاط الأنظمة أنها اتبعت إحدى وسيلتين: إما دعم فصيل
معارض معتدل، أو شن غزو شامل واستبدال مؤسسات الدولة. وحتى إذا كان إسقاط
نظام الملالي في صالح أمريكا، فلن تعطي أي من الوسيلتين النتائج المرجوة.

ينوه التقرير إلى أنه منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، شكلت إيران تحديًا لواشنطن. وقد دعا الكثير من المحللين واشنطن إلى الضغط على طهران لوقف انتهاكات حقوق الإنسان، وبرنامجها النووي، والكف عن دعم المجموعات الإرهابية. لكن التقرير يرى أن توصياتهم شابتها العيوب، فقد زعم بعضهم أن القصف الجوي سيوقف برنامج إيران النووي، لكنهم لا يقدمون استراتيجية محددة لتنفيذ ذلك ولم يتحدثوا في التعقيدات المحتملة. ورأى آخرون أنه لا بديل سوى تغيير النظام، لكنهم فشلوا في توضيح الطرق اللازم اتباعها لتحقيق النتائج المرجوة.

ويشدد التقرير على أنه يتعين على الساسة البارعين إدراك أن تحليل «التكلفة-المنفعة» من عمل كهذا هو ما سيحدد الاستراتيجية والوسائل اللازمة. يشير تاريخ أمريكا في إسقاط الأنظمة أنها اتبعت إحدى وسيلتين: إما دعم فصيل معارض معتدل، أو شن غزو شامل واستبدال مؤسسات الدولة. وحتى إذا كان إسقاط نظام الملالي في صالح أمريكا، فلن تعطي أي من الوسيلتين النتائج المرجوة.

اقرأ أيضًا: كيف ستقاتل إيران العالم بـ«جيش التحرير الشيعي»؟

مشكلة المعارضة

يمكن لأمريكا عبر ذراعها الاستخبارية القيام بسلسلة عمليات اغتيال ضد الشخصيات الرئيسية في الجمهورية الإسلامية مثل آية الله خامنئي وأبرز قادة الحرس الثوري. لكن هذا لن يحل المشكلة، لأن الحكومة الإيرانية عبارة عن
شبكة معقدة من اللاعبين في المؤسسات السياسية والأمنية.

ثمة ثلاثة بدائل إيرانية معارضة يمكنها أن تحظى بدعم الولايات المتحدة:

الأول، هي حركة «مجاهدين خلق إيران» التي يتمدد وجودها في أمريكا وتحظى بدعم بعض الساسة هناك. وعلى الرغم من رفع أمريكا اسم المنظمة من قائمة المنظمات الإرهابية في 2012 بعد تعهد الأخيرة بوقف نشاطها داخل العراق، لكن سمعة المنظمة العنيفة وتبنيها المبادئ الشيوعية تجعلها حليفًا مشكوكًا فيه. الأكثر من ذلك، فقدت المنظمة الدعم الشعبي بسبب دعمها صدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية، فقد قاتلت في صف الجيش العراقي على الرغم من استخدام الأسلحة الكيماوية في حلبجة، ولهذا فإن دعم الحركة مصيره الفشل.

البديل الثاني، هو «الحركة الخضراء» التي ظهرت أثناء الانتخابات الرئاسية في 2009. ورغم اندثارها، إلا أن مسئولين أمريكيين يعتقدون أنها كادت أن تسقط النظام على الرغم من أن هذا لم يكن هدفها. وتخضع السلطات اثنين من أبرز قادتها – هما مير حسين موسوي ومهدي كروبي – للإقامة الجبرية. ويعتبر الرئيس السابق خاتمي أحد أبرز داعميها. لكن أيًا منهم يمكن أن يمثل بديلاً للنظام الحالي، فقد عبروا عن دعمهم للأسس الدستورية للبلاد، وجميعهم انتخبوا حسن روحاني في 2013 و2017. لكنهم سعوا إلى تطبيق إصلاحات وليس إشعال ثورة ضد النظام. ولهذا فلم يقاطعوا العملية الانتخابية، وإنما دعموا روحاني للقيام بإصلاحات عبر الآليات الدستورية المطبقة. ولن يرحب أي منهم بتدخل أمريكي في شؤون بلاده، ولن يؤدي دعم أي منهم إلى تغيير النظام.

أخيرًا، يشير التقرير إلى إمكانية دعم أمريكا لابن شاه إيران – رضا بهلوي – الذي يعيش في الولايات المتحدة وبإمكانه العودة لاستعادة عرش والده. وقد أظهر بهلوي نفسه على الساحة بتهنئته للرئيس ترامب على فوزه ومناشدته إياه بدعم القوى العلمانية والديمقراطية داخل إيران. لكن الشعب الإيراني لا يشعر بالحنين إلى الملكية – يستدرك التقرير – فالبلاد لم تقم بثورة أطاحت بالحكم الملكي، وتخوض حربًا طاحنة مع العراق، وتخضع لعقوبات لمدة أربعة عقود حتى تعود إلى أحضان الملكية ثانية.

ويشدد التقرير على أن كافة الأطراف السابقة إما تفتقر إلى الدعم الشعبي أو ترفض التعاون مع أمريكا في إسقاط النظام. ولكن هناك سبيلًا مختلفًا – يواصل التقرير – إذ يمكن لأمريكا عبر ذراعها الاستخبارية القيام بسلسلة عمليات اغتيال ضد الشخصيات الرئيسية في الجمهورية الإسلامية مثل آية الله خامنئي وأبرز قادة الحرس الثوري. لكن هذا لن يحل المشكلة، لأن الحكومة الإيرانية عبارة عن شبكة معقدة من اللاعبين في المؤسسات السياسية والأمنية. وقد جرى تصميم تلك المؤسسات لتحصين النظام من الانقلابات المحتملة. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين النظام الإيراني وعراق ما قبل 2003، حيث انهار نظام صدام حسين بمجرد إزاحة القيادة الرئيسية.

اقرأ أيضًا: «صراع العروش» في إيران: لماذا يكره الحرس الثوري حسن روحاني؟

الدبلوماسية هي الحل

إنه في غياب أي معارضة إيرانية حقيقية، لم يعد أمام أمريكا سوى القيام بتحرك عسكري للإطاحة بالنظام القائم وتثبيت نظام جديد. لكن أي حكومة انتقالية لن يُكتب لها النجاح ما لم يجرِ تغيير في هيكل مؤسسات الدولة.

وستصبح البلاد عرضة للاضطرابات دون وجود مؤسسات شرعية – يضيف التقرير – وهو ما سيضيف مزيدًا من المشكلات إلى منطقة مضطربة أصلًا. ولهذا يجب أن تحظى تلك العملية بدعم شعبي، بيد أن هدم المؤسسات القائمة وتثبيت أخرى مكانها سيتطلب قدرًا هائلًا من الوقت والجهد في بيئة بالغة التعقيد – تزيد مساحة البلاد مرة ونصفًا تقريبًا على مساحة العراق ومرتين على مساحة أفغانستان، بما في ذلك الصحاري الشاسعة والجبال والسهول، فضلًا عن المدن الرئيسية التي يسكنها نحو 70% من السكان البالغ عددهم 80 مليون نسمة – مما سيشعل حربًا دموية في المدن.

باختصار – يؤكد التقرير – إن بديل الحرب غير مضمون وتكاليفه باهظة في أفضل الأحوال، وقد يؤدي إلى حرب أهلية في أسوأ الأحوال. كما ينوه الكاتب إلى أن التاريخ أثبت أن التغيير السلمي للحكومات يتبعه قيام حكومات ضعيفة، مما يجعل البلد عرضة للاضطرابات. أما فرض حكومة من الخارج، فقد يؤدي إلى حرب أهلية دامية مثلما شاهدنا في العراق.

لقد تعلم الأمريكيون من درس العراق أن تغيير الأنظمة بالسبل العسكرية ليس عملية سهلة. فمن أجل ضمان تغيير دائم للنظام، فإن نقل السلطة عادة ما يكون بداية لحملة عسكرية أعنف. لذا، إذا أرادت واشنطن تنصيب حكومة صديقة في بلد ما، يتعين عليها استخدام الوسائل الدبلوماسية التي لا تنطوي على شن حروب دموية وباهظة التكاليف.

في أعقاب الاتفاق النووي، انتهز الاتحاد الأوروبي الفرصة للتباحث مع طهران حول أنشطتها البغيضة الأخرى، ففتحت عدة عواصم أوروبية قنوات اتصال للحديث مع إيران عن دعم الإرهاب، وانتهاك حقوق الإنسان، وبرنامج الصواريخ البالستية.

وتعليقًا على ذلك، قالت فيديريكا موجريني، الممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، «إننا نبحث دومًا عن أرضية مشتركة. ونعتقد أن هناك إمكانية للعمل معًا لإيجاد حلول مقبولة من كافة الأطراف». ويبدو أن هذه الجهود قد أثمرت، إذ وافقت بعض الشخصيات المحافِظة في إيران على التعاون مع الأوروبيين.

يختتم التقرير بالقول إن على أمريكا استغلال نفوذها للضغط على إيران لتغيير سلوكها، فلا تزال السبل الدبلوماسية لم تستنفد بعد، وهناك الكثير من المصالح المشتركة بين إيران والولايات المتحدة. فكلا البلدين يسعيان لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. وما لا شك فيه أن البلدين لا يتفقان على كل شيء، ولا يجب على أمريكا عدم الرد إزاء التهديدات الإيرانية. ولكن يجب أن يجري ذلك عبر الوسائل الدبلوماسية فقط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد