تحاول السعودية في الوقت الحالي بذل أقصى جهودها لإنجاح خطة التنويع الاقتصادي، الهادفة إلى تقليل اعتماد اقتصاد المملكة على النفط، لكنَّها في الوقت نفسه تواجه مصاعب مختلفة تعوق تحقيق أهداف الخطة. تتنوع هذه المصاعب بين الأزمات السياسية، مثل حرب اليمن، والسياسات المتهورة العدوانية للأمير محمد بن سلمان ولي العهد، وتبعات القرارات الاقتصادية مثل إجبار الشركات العاملة بالمملكة على توظيف عددٍ أكبر من السعوديين، وفرض الضرائب المرتفعة.

ومن بين الأهداف الكبرى للمملكة ضمن خطتها لتنويع الاقتصاد، هناك سعي المملكة المحموم لجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما تجلَّى في مؤتمر «دافوس في الصحراء» الذي عقدته المملكة شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. لكن هل تنجح المملكة في جذب المستثمرين والشركات الأجنبية إلى مشروعاتها وخططها الاقتصادية في العام القادم؟ هذا ما حاول موقع «ستراتفور» الأمريكي الإجابة عنه في تقييمه للسياسات السعودية المتعلقة بهذا الشأن.

يوضح الموقع بدايةً أنَّ وضع الاقتصاد السعودي يبدو جيدًا مقارنةً بالعام الماضي. فعلى مدار عام 2018، ارتفعت أسعار النفط بما يكفي لتتمكن المملكة من تقليل عجز الموازنة الضخم الذي كانت تعاني منه في وقتٍ أسرع مما كانت تخطط له. وزاد معدل النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي ليصل في النصف الأول من عام 2018 إلى 1.8%، أي زيادة مقدارها 1% عن الفترة نفسها في عام 2017. وشهدت العائدات غير النفطية أيضًا زيادةً بنسبة 50% عن عام 2017، ويبدو أنَّ معدل الإنفاق العام القادم سيصل إلى مستوياتٍ قياسية.

«ميدل إيست آي»: كابوس الشرق الأوسط.. هذا ما قد يحدث إن انهارت السعودية ومصر

ويشير التقرير إلى أنَّ الرياض تخطط لزيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 7% من إجمالي نفقات الموازنة، التي من المتوقع أن تبلغ 1.106 تريليون ريال سعودي (295 مليار دولار أمريكي) العام القادم، وبهذا تُعَد أكبر ميزانية في تاريخ المملكة. وتتوقع السلطات السعودية أنَّ إجمالي الناتج المحلي للمملكة سيزداد بنسبة 2.9% في 2019.

لكن هناك مشكلة كبرى تواجه هذه التوقعات الإيجابية، وهي بحسب التقرير تتعلق بالمحرك الاقتصادي الذي سيؤدي إلى هذا النمو. فإن كان مصدر هذا النمو هو الإنفاق الحكومي الضخم بدلًا من القطاع الخاص أو ارتفاع مستويات الاستهلاك، ترى «ستراتفور» أنَّ فرص المملكة في النجاح في تنفيذ خطط التنويع الاقتصادي هذه على المدى القصير ربما تصبح أضعف.

الاستراتيجية الأساسية التي تعتمد عليها المملكة.. والواقع الذي تمر به

تقول الحكومة السعودية إنَّها ملتزمةٌ بأهداف رؤية 2030، التي تتضمن محاولة هيكلة الاقتصاد السعودي لرفع عبء النمو الاقتصادي من على كاهل الحكومة، وتحميله للقطاع الخاص. لكنَّ موقع «ستراتفور» يرى أنَّ هذه الأولوية التي تذكرها الخطة تتعارض مع الميزانية السعودية، التي تتضمن مستوياتٍ قياسية للإنفاق العام، وذلك لتعويض الأداء الباهت للقطاع الخاص، وقلة الاستثمارات الأجنبية الضرورية لتدعيمه. وجديرٌ بالذكر أنَّ ضعف أداء القطاع الخاص أعاق الدولة عن تحقيق النمو الذي تحتاجه بشدة من خلال الاعتماد على قطاعاتٍ أخرى غير القطاع النفطي، وهو النمو الذي كان سيساعد المملكة في النهاية في تحقيق أهدافٍ أكبر مثل سد عجز الميزانية.

كان الاقتصاد السعودي لعقود يعمل من خلال نموذج اقتصادات الدول النفطية، يعتمد بالأساس على النمو الاقتصادي الذي تقوده الحكومة. إذ كانت المملكة دولةً «ريعية» تقليدية، لديها مصدر واحد للدخل وهو النفط، ويُوزَّع هذا الدخل بعدها على السكان عبر بنود إنفاق منظمة بعناية، مثل الإعانات، والعوائد، والدعم، وبرامج العمل. وبينما لم تكن واردات النفط تمثل نسبةً كبيرة من إجمالي الناتج المحلي، فإنَّها كانت تشكل جزءًا كبيرًا من ميزانية الدولة. وكانت الشركات المدعومة من الحكومة تسيطر على صناعة النفط، مثل شركة «أرامكو» وشركة «سابك».

لكنَّ أحد أهداف خطة إصلاح الاقتصاد في رؤية 2030 وفقًا لتقرير «ستراتفور» هو تحقيق التوازن في تلك المسألة، وإلقاء عبء النمو الاقتصادي على كاهل القطاع الخاص بعيدًا عن القطاع العام المرهق. وبهذا تأمل السعودية في تنويع اقتصادها، خاصةً مع احتمالية الوصول إلى أعلى مستويات الطلب على النفط على المدى المتوسط.

وبحسب التقرير، فإنَّ الأوضاع الحالية تُصعِّب تحقيق تلك الأهداف. إذ تواجه السعودية اضطراباتٍ سياسية، وفضائح وخلافاتٍ دبلوماسية مع دولٍ أخرى، بالإضافة إلى تقلب أسعار النفط وسجل المملكة غير المنتظم في تحقيق أهداف الإصلاح الاقتصادي. وهذا الوضع أيضًا أدى إلى ضعف اهتمام المستثمرين الأجانب بالمشاركة في القطاع الخاص السعودي، وضعف ثقة المستثمرين المحليين كذلك.

المهمة الشاقة لجذب الاستثمار

Embed from Getty Images

اليوم الأول لمؤتمر «دافوس في الصحراء»، الذي شهد انسحاب العديد من المشاركين بعد فضيحة اغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي.

يشير تقرير «ستراتفور» إلى أنَّه رغم جهود السعودية لتدعيم القطاع الخاص من خلال زيادة الثقة في فرص نموه، وذلك بتخفيف قوانين التأشيرات، وامتلاك الأعمال، وتأسيس مناطق اقتصادية خاصة، فإنَّ كل ذلك لم يُفلح في زيادة ثقة المستثمرين في السوق السعودية. إذ تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية خلال العقد الماضي. وبينما ينبع جزءٌ من هذا التراجع من حالة الاستثمارات الأجنبية المباشرة حول العالم كله عقب الأزمة الاقتصادية عام 2008، فإنَّ السعودية ومجلس التعاون الخليجي يواجهان مشكلةً أكبر وفقًا للتقرير. ففي 2017، لم تجذب السعودية سوى 1.4 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، أي أقل من عددٍ من الدول الأفقر منها في الشرق الأوسط.

ويوضح الموقع أنَّه بالإضافة إلى جهودها لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خفَّفت السعودية القواعد المُنظِّمة المفروضة على المؤسسات الاستثمارية الكبرى للاستثمار المحلي في بورصة «تداول»، وتبنَّت نظام تصنيفٍ للصناعات خاصًّا بالأمم المتحدة لتسهيل إصدار تراخيص الاستثمارات الأجنبية. وساهمت شركات أخرى مثل «إم سي إس آي» في زيادة جاذبية السوق السعودية، وذلك بإدراج السعودية على مؤشر الأسواق الناشئة الخاص بها عام 2019، وشركة «جاي بي مورجان»، التي أعلنت أنَّ المملكة السعودية (بالإضافة إلى الإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت) يمكنها الانضمام إلى مؤشرات الشركة للسندات الحكومية الخاصة بالأسواق الناشئة في العام القادم. لكنَّ المستثمرين أحجموا بوضوح في النهاية عن زيادة استثماراتهم في البورصة السعودية. هذا في الوقت الذي جذبت فيه بورصة قطر الأصغر استثماراتٍ أكثر من السعودية في 2018، بالإضافة إلى خروج رأس المالي المحلي من السعودية. وهو ما يشير التقرير إلى أنَّه ربما يكون علامةً على أنَّ المستثمرين المحليين يريدون التريُّث قليلًا بعد الحملة السعودية المزعومة ضد الفساد العام الماضي، التي شهدت احتجاز عددٍ من الأمراء السعوديين، ورجال الأعمال، وإبرام تسوياتٍ مالية مع عددٍ منهم مقابل الإفراج عنهم.

ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فإنَّ التأويلات المتباينة التي تتبناها المملكة لقوانين قطاع الأعمال أضرت كذلك بإجمالي حجم التجارة والاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويشير موقع «ستراتفور» إلى أنَّ اضطرار المستثمرين الأجانب إلى العمل مباشرةً مع شركاء محليين بموجب القواعد التنظيمية في السعودية خلق حالةً من التردد لديهم بسبب الاضطرابات السياسية التي تمر بها المملكة، إذ يريد هؤلاء المستثمرون الحصول على ضماناتٍ بأنَّ شركاءهم المحليين لن يكونوا هدفًا فجأةً لغضب النظام في الرياض. ويعود السبب المباشر في هذه الاضطرابات إلى السمعة المتقلبة لولي العهد محمد بن سلمان، التي تثير أسئلةً كثيرة حول حكم القانون، ومدى أمان الاستثمار في المملكة واستقرار الحكومة.

Embed from Getty Images

مظاهرة ضد ابن سلمان في المملكة المتحدة أثناء زيارته في مارس (آذار) الماضي.

ويذكر التقرير نقاطًا أخرى في رؤية 2030 من شأنها أن تعوق نمو القطاع الخاص، منها تشديد القواعد المنظمة لسوق العمل السعودي، وإجبار الشركات على توظيف مزيدٍ من السعوديين، وفرض ضرائب ورسوم جديدة. ورغم أنَّ هدف هذه الإجراءات كان تدعيم القطاع الخاص ومساعدة الحكومة في تحقيق عائداتٍ غير نفطية أكبر على المدى الطويل، فإنَّها تسببت في خلق حالةٍ من الريبة في القطاع الخاص على المدى القصير. وأدى أيضًا فرض السعودة على الشركات إلى رحيل الكثير من العمال الأجانب الذين كانوا يساهمون في اقتصاد المملكة، ما أدى إلى تراجع مستويات الاستهلاك.

الإنفاق الحكومي لتحقيق النمو هو عنوان المرحلة

يرى موقع «ستراتفور» أنَّ حالة الريبة المهيمنة على القطاع الخاص لا تقضي على احتمالية تحسُّن الاقتصاد السعودي في عام 2019. إذ تخصص الرياض 100 مليار ريال سعودي من الإنفاق العام لمشروعات بنية تحتية ضخمة، ومشروعات استثمارية داخل البلاد وخارجها. وتخطط الشركات المدعومة من المملكة مثل «أرامكو» و«سابك» بالفعل لاستثمار ما يصل إلى 500 مليار دولار أمريكي في مشاريع خارج البلاد، منها مصفاة تكرير هندية تشارك فيها «أرامكو»، وشركة «بترول أبوظبي الوطنية». وبالتأكيد سيُعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي عن استثماراتٍ كبرى العام القادم. وكل هذا يعني وفقًا للتقرير أنَّ السعودية ما زالت تمتلك من الثروة ما يكفي للعمل على تنمية اقتصادها، بغض النظر عن احتمالات تتحاول السعودية في الوقت الحالي بذل أقصى جهودها لإنجاح خطة التنويع الاقتصادي، الهادفة إلى تقليل اعتماد اقتصاد المملكة على النفط، لكنَّها في الوقت نفسه تواجه مصاعبراجع أسعار النفط ومعدلات النمو العالمية في 2019.

لكن بحسب التقرير، فإنَّ سجل المملكة يحفل بحالاتٍ اضطرت فيها لتأجيل تحقيق أهداف الإصلاح. وأقرب هذه الحالات العام الماضي، عندما مدَّت موعدها النهائي لسد عجز الميزانية لثلاث سنواتٍ أخرى بدلًا من عام 2020 كما كانت تُخطط في البداية. ولو شهد العام القادم حالة الركود والاضطراب نفسها في القطاع الخاص، وخاصةً في قطاعي السياحة والترفيه الناشئين الذين استهدفهما الأمير، ربما تضطر المملكة لتعديل أهدافها مرةً أخرى.

وفي النهاية، يرى موقع «ستراتفور» أنَّ الشواهد الحالية توضح أنَّ عام 2019 سيكون عامًا صعبًا في ما يتعلق بتشجيع القطاع الخاص على زيادة استثماراته في المملكة وخارجها، ما سيُعقد أكثر جهود ولي العهد لتصوير رؤيته الاقتصادية «رؤية 2030» بوصفها نجاحًا مذهلًا.

مترجم: سيناريوهات سياسية مرعبة تلوح في سماء الشرق الأوسط.. فكيف يمكن تجنبها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات