حذر «منصور المرزوقي»، الباحث في السياسة السعودية من مغبة إضعاف القدرات العسكرية للمملكة العربية السعودية التي تقود تحالفًا عربيًا في اليمن، مشيرًا إلى أن استقرار المملكة ودحض التوسعات الإيرانية بمنطقة الشرق الأوسط يدعمان المصالح الأمريكية في المنطقة.

تعليقات الباحث السياسي عبر عنها في مقال نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية.

تحذيرات الكاتب تزامنت مع تقدم أربعة من أعضاء الكونجرس مؤخرًا بمشروع قانون يحظر بيع أسلحة للسعودية بقيمة مليار دولار، ويتوقع أن تولد الصفقة أكثر من 11 ألف وظيفة أمريكية. أعضاء الكونجرس ربطوا بين مشروع القانون والصراع في اليمن والوضع الإنساني المتدهور فضلًا عن الإضرار بالأمن القومي الأمريكي.

أشار الكاتب في مقاله الذي انتقد مشروع القانون إلى أن هناك ثلاث نقاط يستند إليها في موقفه المعارض للقانون.

أولًا؛ لا تُمنح المملكة العربية السعودية الاعتراف الكافي بالتزامها بحماية المدنيين فضلًا عن المساعدات الإنسانية التي تقدمها لليمن.

ثانيًا؛ مشروع القانون يهمل السياق الإستراتيجي الذي قاد إلى تشكيل تحالف عربي تحت قيادة الرياض وتدخلها في اليمن.

ثالثًا؛ من الأهمية الأساسية للأمن القومي الأمريكي أن يكون لدى اليمن حكومة مركزية قوية ومستقرة وكذلك بنية دولة فاعلة. هذه هي أهداف التحالف العربي في اليمن.

حماية المدنيين

في هذه النقطة قال الكاتب إنه على الرغم من أنه من المهم أن ندعو السعوديين لاحترام المعايير الإنسانية، فإن المملكة في الواقع تبذل جهودًا جادة للحد من الخسائر في صفوف المدنيين وتقديم المساعدات لليمن.

وأضاف الكاتب أن الجيش الأمريكي يمكن أن يكون شاهدًا على ذلك، نظرًا لوجوده في مركز قيادة قوات التحالف العربية في الرياض.

كما أن أحد الأسباب الرئيسية للتقدم البطيء لقوات الحكومة اليمنية هو أن التحالف العربي يريد تجنب سقوط ضحايا من المدنيين. وهذا هو السبب في أنه لم يتم تنفيذ العديد من العمليات ضد الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران وقوات صالح.

وعلاوة على ذلك، رصد الكاتب بعض الإحصائيات التي تشير إلى دعم المملكة للمدنيين في اليمن.

وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فقد تلقت المملكة العربية السعودية 41 ألف لاجئ يمنيّ منحوا حق الوصول الكامل إلى المرافق الصحية والتعليمية العامة في البلاد وكذلك إلى سوق العمل.

كما هو الحال مع 500 ألف لاجئ سوري مقيمين حاليًا في المملكة العربية السعودية، لا يُسمَّى اللاجئون اليمنيون «لاجئين»، ولكن بدلًا من ذلك، «زوارًا». وذلك نظرًا للحساسية التاريخية في العالم العربي عمومًا، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، تجاه كلمة «لاجئ» منذ النكبة الفلسطينية عام 1948.

ووفقًا للمفوضية، أصدرت المملكة العربية السعودية تصاريح إقامة لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد إلى 400,465 من اليمنيين غير الشرعيين الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية من أجل تسهيل حصولهم على الخدمات الصحية والتعليمية وسوق العمل.

كما أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخرًا أن 285 ألفًا من الطلاب اليمنيين مسجلين حاليًا في المدارس العامة في المملكة العربية السعودية، وكذلك 141 ألفًا من الأطفال السوريين.

ومن بين 730 مليون دولار التي تم التبرع بها مساعداتٍ إنسانية لليمن في عام 2015، ساهمت المملكة العربية السعودية بنحو 34% من تلك المساعدات. كما تتلقى الدول التي تستضيف اللاجئين اليمنيين مساعدات من المملكة العربية السعودية. قدمت المملكة لجيبوتي، على سبيل المثال، أكثر من 13 مليون دولار وشيدت 300 منزل للاجئين اليمنيين هناك.

السياق الدولي والإقليمي

ثانيًا، إن مشروع القانون يهمل السياق الإستراتيجي الدولي والإقليمي والداخلي الذي قاد المملكة العربية السعودية لتشكيل تحالف عربي والتدخل في اليمن.

وهنا قال الكاتب إن توجه الولايات المتحدة نحو آسيا خلق فراغًا إستراتيجيًا في الشرق الأوسط. ويشعر حلفاء الولايات المتحدة بأن واشنطن لم تعد حليفًا موثوقًا به، وأنه ليس لديهم خيار سوى أن يأخذوا زمام الأمور في أيديهم.

عزز هذا السياق الدولي تهديدات خطيرة في الشرق الأوسط، لا سيما التوسع الإيراني.

بحسب الكاتب، فإنه وبسبب عزلتها والعقوبات الاقتصادية، فإن إيران لم تكن قادرة على الاعتماد على الأدوات المعتادة للدولة القومية للتأثير على اللاعبين في الساحة الدولية. ونتيجة لذلك، تلجأ طهران إلى الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل جماعة عصائب أهل الحق في العراق وحزب الله في لبنان، وخلية العبدلي في الكويت، والحوثيين في اليمن.

لبناء تحالفات مع هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية والتأثير على سلوكهم، تعتمد إيران على الطائفية كأداة. وبالتالي، فإنه ليس من قبيل المصادفة أن كل هذه الميليشيات تنتسب للإسلام الشيعي، وفقًا لما ذكره الكاتب.

ذكر الكاتب أنه من أجل أن تكون هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية فعالة في التجنيد والتعبئة، يجب أن يكون هناك شعور متزايد بالهوية الطائفية، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الصراعات الطائفية. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يتم إضعاف وتقويض الحكومات المركزية بشكل ممنهج حتى تكون الجهات غير الحكومية فعالة.

وقال الكاتب إن السياسة الإيرانية تقسم الدول القومية في العالم العربي إلى طوائف، سنة وشيعة. فالطائفية وحدها يمكن أن تسمح لإيران أن تمارس تأثيرًا كبيرًا في السياسة الداخلية لكل دولة عربية، وبالتالي التأثير على السياسة الخارجية. وأصبحت بعض الحكومات الغربية، دون وعي، عنصرًا فاعلًا في خدمة التوسع الإيراني.

وتابع الكاتب بقوله: «يقترن هذان المستويان من السياق مع سياق داخلي فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية. وصول الجيل الثالث من النخب الحاكمة إلى صفوف القيادة، فضلًا عن إنشاء لجنة البيعة، وكلاهما يرمز إلى تغيير في طبيعة السلطة وهيكلها».

وأضاف الكاتب أن ما جرى كان تغييرًا في طبيعة السلطة لأن هذا الجيل الجديد غير متصل باثنتين من الخبرات الأساسية للثقافة السياسية للنخب الحاكمة. الأولى هي تجربة معارك التوحيد (1902-1932)، مما أدى إلى قيام الدولة السعودية الثالثة (أول دولة 1744-1818 والثانية 1824-1892 والثالثة 1932-2006). التجربة الثانية هي الصراع بين الملك سعود والملك فيصل (1956-1964).

على حد سواء أنجبت التجربتان نظامًا معقدًا من التحالفات والقيم لم يلتزم به الجيل الثالث من العائلة المالكة، وبالتالي حدث تغيير جذري في إطار المنافسة والتعاون. وهو تغيير في بنية السلطة في عام 2006، إذ تم إنشاء لجنة البيعة لانتخاب الملك وولي العهد. شهد العام 2006 بداية الدولة السعودية الرابعة.

وأشار الكاتب إلى أنه نظرًا للفراغ الإستراتيجي في الشرق الأوسط، فإن خطر التوسع الإيراني، والموقف الإستراتيجي السعودي الجديد، أصبحت الرياض خط الدفاع الأول عن أمنها. وأصبح التعاون مع الولايات المتحدة على أساس تبادل قصير الأجل من الفوائد والمفاوضات المتجددة. الآن، تحول التحالف مع الولايات المتحدة من «النفط مقابل الأمن» إلى ما أسميه «صفقة واحدة في وقت واحد».

وبالنظر إلى السياقات الدولية والإقليمية والداخلية، تخلت المملكة العربية السعودية عن دبلوماسيتها الهادئة التي امتدت إلى 84 عامًا.

وفقًا للكاتب، وجدت المملكة نفسها مضطرة لتأخذ زمام الأمور في يديها من أجل حماية أمنها. في هذه اللحظة تحديدًا شكلت المملكة العربية السعودية التحالف العربي للتدخل في اليمن. العنصر الأكثر أهمية وراء تدخل التحالف العربي هو إصرار العرب لمنع اليمن من أن يصبح عراقًا آخر، حيث تكمن السيادة في طهران، وليس في بغداد. تطور أهداف التحالف العربي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا التخوف.

الإضرار بالأمن القومي الأمريكي

ثالثًا، قالت الجهات الراعية لمشروع القانون إن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية يضر الأمن القومي الأمريكي؛ لأنه يؤذي مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة ولأنه لا يقاتل تنظيم القاعدة.

بحسب الكاتب، لا يقارن التحالف العربي بالولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالمصداقية؛ بعد غزو العراق تحت ذريعة كاذبة، ومع الحملة الجارية للطائرات بدون طيار.

إلى جانب ذلك، واجهت الدول الأعضاء في التحالف العربي تهديد تنظيم القاعدة منذ عام 1996. وكاد تنظيم القاعدة في اليمن أن ينجح في اغتيال ولي العهد السعودي الحالي. وهذا هو السبب في أن الدول المشتركة في التحالف العربي تقاتل تنظيم القاعدة، وليس فقط في اليمن بل في كل مكان. العديد من الهجمات ضد أهداف مدنية أمريكية وبريطانية وفرنسية وألمانية، على سبيل المثال، تم إحباطها بفضل وبسبب العمل الجاد والتفاني من المملكة العربية السعودية.

ذكر الكاتب أنه لن يكون للقتال ضد القاعدة أي فرصة للنجاح في اليمن دون عنصرين: وجود حكومة مركزية قوية، وبنية دولة فاعلة. هذان العنصران من جهة، وتفوق التحالف بين ميليشيا الحوثي المدعوم من إيران وقوات صالح من جهة أخرى، لا يجتمعان.

وهكذا، يبدأ الكفاح ضد تنظيم القاعدة بتحول ميليشيا الحوثي إلى حزب سياسي وقبول صالح لعملية سياسية شاملة. وهذا هو السبب الذي يدفع التحالف العربي للعمل بجد للتوصل إلى حل على أساس هذه العناصر، كما هو واضح في المبادرة الخليجية، وقرار مجلس الأمن رقم 2216، ومفاوضات الكويت.

وأخيرًا، قال الكاتب إن الرياض هي القوة العربية الرئيسية الوحيدة المستقرة والمزدهرة. وحقيقة أن العالم العربي والإسلامي يحتشد وراء قيادة الرياض ليس مدفوعًا فقط بالموثوقية بالمملكة العربية السعودية واستقرارها، ولكن أيضًا من قوتها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، وكذلك القوة الرمزية باعتبارها مهد الحضارة العربية والإسلامية.

واختتم بقوله: «منع مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية سيضع السلامة الإقليمية للعالم العربي واستقرار المنطقة في خطر. وسيكون الرصيد الحالي الذي تحتفظ به الرياض وحلفاؤها في خطر محدق، ومعها الأمن والمصالح الأمريكية»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد