المشكلة في قيادة المرأة السيارة هي بالطبع ليست سياسية، كما أنها ليست دينية، بل هي مشكلة اجتماعية.

أثار المرسوم الملكي الصادر هذا الأسبوع في المملكة العربية السعودية الذي يسمح للمرأة بقيادة السيارة قانونيًا ضجة كبيرة، لكن مع المبالغة في وصف الخطوة بأنها وثبة عظيمة للأمام تكتب  «روبن رايت» الصحفية في مجلة «نيويوركر» الأمريكية تقريرًا يتناول المرسوم بالتحليل ما يكشف حقيقته بعيدًا عن المبالغات.

تقول «روبن» إنه في يوم صيفي حارق في أغسطس (آب) عام 2006، خلعت «وجيهة الحويدر» عنها عباءتها السوداء التي ترتديها النساء السعوديات، مرتدية قميصًا ورديًا وبنطالاً ورديًا متوائمان مع وشاح وردي، ثم استقلت سيارة أجرة من البحرين حتى وصولها إلى لافتة على الجسر الواصل بين البحرين والمملكة العربية السعودية تعلن المنطقة الحدودية بين البلدين. ثم خرجت من السيارة حاملة لوحة كبير معلنة «أعطوا النساء حقوقهن» ثم اتجهت مشيًا نحو حدود بلدها السعودية، وفي خلال 25 دقيقة أخذتها قوات الأمن واستمر استجوابها يومًا مع توجيه إنذار رسمي لها، وتنقل روبن ما قالته حويدر في وقت لاحق بأن أحد ضباط المخابرات قال لها مشيرًا إلى فمها «سيطري على هذا، ولن تكون هناك مشكلة».

وتستمر «روبن» في سرد مواقف «وجيهة الحويدر» التي دافعت فيها عن حقوق المرأة السعودية، فتقول إنه بعد الحادثة السابقة بعامين، في يوم المرأة العالمي، خرجت «الحويدر» إلى الصحراء السعودية مخالفة القانون بقيادتها السيارة، وسجلت فيديو مدته ثلاث دقائق تحث فيه النساء على المطالبة بحقوقهن ونشرته على اليوتيوب، وقالت إن «المشكلة في قيادة المرأة السيارة هي بالطبع ليست سياسية» مضيفة «كما أنها ليست دينية، بل هي مشكلة اجتماعية»، شاهد الفيديو المسجل باللغة العربية حوالي ربع مليون شخص، كما شاهده الآلاف الآخرون مترجما للغات عدة، ووقعت في ورطة مرة أخرى.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: لماذا تخفف السعودية قبضتها على النساء؟

مرسوم ظاهره الرحمة

وأخيرًا، ربما صار بإمكان «الحويدر» قيادة السيارة قانونيًا في العام المقبل، في الثلاثاء الموافق 28 أغسطس (آب) 2017، أصدر الملك سلمان، العاهل السعودي، مرسومًا بإعطاء تراخيص قيادة السيارات للنساء، وتعد المملكة العربية السعودية البلد الأخير الذي يمنح رخص القيادة للمرأة متخلفًا عن بقية العالم سنوات طويلة. في أبريل (نيسان) الماضي، أطلقت النساء السعوديات حملة على مواقع التواصل الاجتماعي بوسم #Resistancebywalking إذ صوَّرن أنفسهن يمشين في الشوارع حيث منعوا من قيادة السيارات.

تذكر «روبن» إن الحظر طوال فترة طويلة كان مقياسًا لانتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية الغنية بالنفط، لكنها أيضًا البلد الشديد المحافظة، وذلك حسب ما يشار إليها دائما في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية السنوية لحقوق الإنسان. فكان التحول الذي حدث يوم الثلاثاء صاعقًا بما فيه الكفاية لجعل مجلة التايمز ترسل رسالة إخبارية عاجلة بشأن مرسوم الملك.

هل يكون باطنه محاذير وتمييز؟

إلا أن الكاتبة لم تتوقف عند الناحية الإيجابية، فقد تطرقت إلى المحاذير التي يشملها المرسوم؛ إذ لن يدخل الحكم حيز التنفيذ حتى يونيو (حزيران) 2018، علاوة على أن النساء قد تضطر إلى الحصول على إذن من «الأوصياء» الذكور للسماح لهن بالقيادة، كما هو الحال مع أغلب نشاطات النساء طوال حياتهم.

تضيف «روبن» أن الحصول على موافقة رجال الدين الوهابيين في المملكة العربية السعودية ربما تكون هي القضية الأكبر، إذ يعد رجال الدين «الوهابيين» الأكثر تحفظًا في الدين الإسلامي. علاوة على أن المرسوم ينص على أن اللوائح الجديدة يجب أن «تطبِق وتلتزم بالمعايير الشرعية اللازمة» في إشارة إلى الشريعة الإسلامية، لكن ترك ما سبق دون تفسير.

تذكر الكاتبة أن فيما مضى، عارض رجال الدين السعوديون السماح للنساء بالقيادة، على سبيل المثال، صرح الشيخ سعد الهاجري الأسبوع الماضي بأن النساء «لا تستحق القيادة لأنهن ناقصات عقل»، علمًا بأن الشيخ الهاجري هو رئيس دار الفتوى في محافظة عسير، في الجنوب الغربي للمملكة، وركزت محاضرته على «شرور قيادة المرأة للسيارة»، وأضاف أن النساء ناقصات عقل حتى عندما يذهبن للتسوق. قد أعلنها الشيخ عبدالعزيز بن باز – أحد أشهر رجال الدين السعوديين – ذات مرة أن «قيادة المرأة للسيارة تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي الذي يتبعه المواطنين السعوديين»، جدير بالذكر أن الشيخ بن باز هو نفسه رجل الدين الذي شكك في هبوط الأمريكان على القمر لأنه يقول بأن الأرض مسطحة.

تحدثت الكاتبة مع آدم كوغل، متخصص في شئون الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش وتقتبس عنه قائلة إن «هناك مشكلات تتعلق بالمؤسسة الدينية للدولة تتعارض مع إصلاحات حقوق الإنسان لفترة طويلة، وخاصة حقوق المرأة».

ينص المرسوم الجديد على إنشاء هيئة حكومية لوضع مبادئ توجيهية لتنفيذ الحكم، مما ترك المجال مفتوحا أمام تفسير طبيعة تلك المبادئ التوجيهية التي قد تكون ضرورية لقيادة المرأة والتي لا تطبق على الرجال، يقول «كوغل»: «ما شهدناه في الماضي كانت مقترحات محدودة جدا، أن النساء يمكنها القيادة إذا كانت ذاهبة إلى العمل أو السوق، لكن تمنع من القيادة للتسكع أو الاستمتاع»، وأضاف أنه «اقتُرحت بعض الأفكار أن يفرض حظر تجول على السائقات النساء، ونأمل ألا يكون ذلك نظامًا تمييزيًا ذا قواعد مختلفة تخص النساء دون الرجال، وهو احتمال قائم إذا أخذنا في الاعتبار طريقة فرض وتطبيق القواعد في الماضي».

توقيت المرسوم

يربط المحللين المختصين في شئون الشرق الأوسط توقيت التغيير بالزخم الكامن وراء الإصلاحات التي ترمي إلى تحديث البلاد، فضلاً ارتباطه بمجموعة الضغوط المتزايدة على النظام الحاكم الملكي. في عام 2015، سمحت السعودية للنساء بالترشح والتصويت في انتخابات المجالس المحلية، بيد أن الملك لا يزال هو الحاكم المطلق، بينما يتمثل دور المجالس المحلية إلى حد كبير في تقديم الاستشارات المتواضعة على الصعيد المحلي. ترى «روبن» إن النساء في السعودية قوة اجتماعية آخذة في التنامي، فالغالبية العظمى من خريجي الجامعات نساء، لكنهن في نفس الوقت نسبة ضئيلة من إجمالي القوة العاملة.

وفقا لـ«روبن» فإن أحد العثرات أمام تطبيق المرسوم تتمثل في احتمال بحث السعوديون عن إرجاء، فمن المتوقع أن يصوت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف هذا الأسبوع على ما إذا ستشكل لجنة تحقيق لتوثيق جرائم الحرب المرتكبة في اليمن أم لا، يقول كوغل «يأتي ذلك في الوقت الذي تشهد فيه المملكة العديد من الاضطرابات المحلية بشأن الخلافة، وكذلك العديد من المشكلات الاقتصادية، فضلا عن الحرب في اليمن والتوترات مع قطر وإيران».

على مدى العامين الماضيين، شهدت المملكة العربية السعودية تحولًا سياسيًا كبيرًا بعد إطاحة ولي العهد، الذي نجح في القضاء على معظم تنظيم القاعدة في المملكة، وتم استبداله بالأمير محمد بن سلمان،الذي تصفه الكاتبة بالأمير الشاب عديم الخبرة و الابن الثالث للملك المريض الطاعن في السن، تقول «روبن» إن هناك أخبار تفيد بأن ولي العهد السابق قد وضع قيد الإقامة الجبرية، ومُنع من السفر للخارج، وفسرت تلك التحركات على أنها تأسيس لخطٍ جديدٍ للخلافة في العائلة الملكية لعائلة آل سعود الهائلة، ما يحد من آفاق الآلاف من الأفراد في العائلة المالكة الآخرين.

تختتم «روبن» تقريرها ملخصة الوضع، ففي حين وصف المتحدث باسم الخارجية المرسوم بأنه «خطوة عظيمة في الاتجاه الصحيح»، ما تزال النساء السعوديات ليس بإمكانهن الحصول على جواز سفر خاص بهن، أو السفر وحدهن بدون إذن من الوصي الأول عليهن. قد يكون هذا الوصي الأب أو الأخ أو الزوج أو حتى الابن، ليس من حق المرأة السعودية أيضا الحصول على تعليم اجنبي مدعوم من الحكومة ما لم يصاحبها وصي ذكر، وبالتالي، ربما تكون القيادة خطوة صغيرة لكنها بالتأكيد ليست خطوة عظيمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد