لم يكن تقسيم الجنس البشري إلى جنسين فقط كافيًا أبدًا لوصف التنوع البشري، سواء كنا نتحدث عن العصور التوراتية أو عن العصر الحالي. فقبل حتى أن نعرف الكثير عن علم البيولوجيا، صاغ البشر بعض القوانين الاجتماعية لإدارة التنوع الجنسي، بهذا بدأ البروفيسور آن فوستو ستيرلينج، الأستاذ في البيولوجيا ودراسات النوع، مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، والذي يتحدث عن فكرة التنوع الجنسي من وجهة نظر علم الأحياء.

تاريخ الجنس في الهند من الكاماسوترا وحتى دخول الإسلام

ويضيف ستيرلينج، كان القانون الحاخامي اليهودي القديم -المعروف باسم «توفيستا»- على سبيل المثال يعامل الأشخاص الذين لديهم أعضاء جنسية مزدوجة (مثل امتلاك خصيتن ومهبل في آن واحد) كنساء أحيانًا (فيحرمهن من الميراث أو الالتحاق بالخدمة ككهنة)، وكرجال في أحيان أخرى (فيتم حرمانهم من حلاقة الشعر أو الاختلاء بالنساء). كما كان الرومان مثلًا -وفي نموذج أكثر قسوة- ينظرون إلى الأشخاص ذوي الجنس المختلط باعتبارهم فألاً سيئًا، بحيث يمكن للشخص الذي لا يتوافق جسده أو عقله مع التصنيف الجنسي المثالي أن يتعرض للقتل.

واليوم، يبدو أن بعض الحكومات تحذو حذو الرومان، فهي وإن كانت لا تقتل الأشخاص الذين لا يتوافقون مع التصنيف الثنائي للجنس، فإنها على الأقل تحاول أن تنفي وجودهم. ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حظر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان برامج الدراسات الجامعية المتعلقة بالنوع الاجتماعي، وأعلن أن الناس «يولدون ذكورًا أو إناثًا» وأنه من غير المقبول أن نتحدث عن «الأجناس المبنية اجتماعيًا بدلاً من الجنس البيولوجي». والآن تحاول وزارة الصحة والخدمات البشرية في إدارة ترامب أن تعرف الجنس قانونًا باعتباره «حالة الفرد سواء كان ذكرًا أو أنثى والتي تستند على سماته البيولوجية غير القابلة للتغيير والتي يتم تعريفها مع الولادة أو قبلها».

يقول ستيرلنج في مقاله: تبدو هذه التصرفات خاطئة من وجهة نظر أخلاقية وعلمية، وفي حين يركز الكثيرون على الأضرار «الأخلاقية» التي ستصيب البشر من جراء هذه الأحكام، فإن مقال «نيويورك تايمز» يناقش هنا خطأ المسألة من وجهة النظر البيولوجية.

وبحسب الكاتب، فمن المعلوم منذ وقت طويل أنه ليس ثمة قياس بيولوجي واحد يمكن من خلاله تصنيف الشخص إما إلى ذكر أو أنثى على نحو لا يقبل الشك. وفي خمسينات القرن الماضي، قام عالم النفس جون موني وزملاؤه بدراسة الأشخاص الذين يولدون بتركيبات جنسية غير اعتيادية (كأن يولد  الشخص بمبيضين وقضيب، أو بخصيتين ومهبل، أو بزوج من الكروموسومات من نوع X مع كيس الصفن، أو غير ذلك)، وانطلاقًا من التفكير في هؤلاء الأشخاص -الذين يمكن أن نسميهم اليوم ثنائيي الجنس- طور دكتور موني نموذجًا متعدد الطبقات للتطور الجنسي.

بدأ موني بالجنس الكروموسومي، والذي يتم تحديده عند الإخصاب حين يندمج حيوان منوي يحمل الكروموسوم X أو Y مع بويضة تحمل الكروموسوم X، على الأقل هذا ما يحدث عادة. لكن هذا لا ينفي وجود احتمالات أقل شيوعًا، مثل ألا تحتوي البويضة أو الحيوان المنوي على كروموسوم جنسي من الأساس أو يحتوى أي منهما على أكثر من كروموسوم جنسي واحد، والنتيجة هنا أن الجنين الناتج سوف يتمتع بجنس كروموسومي غير شائع نطلق عليه XXY أو XYY أو XO، لذلك، وحتى لو نظرنا فقط إلى الجنس الكروموسومي فإن الأمر يحتمل أكثر من خيارين فقط للتصنيف من خلاله.

جسم الأب يتغير في فترة الحمل! ماذا تعرف عن «بيولوجيا الآباء»؟

هذه إذا هي الطبقة الأولى، وبعد الحمل بحوالي من 8-12 أسبوعًا، يكتسب الجنين ما يمكن تسميته بـ«الجنس الغددي الجنيني»، فالأجنة التي تحتوي على الكروموسوم Y تنتج خصيتين جنينيتين، والأجنة التي تحتوي على كروموسومين من نوع X تنتج مبايض جنينية، وهو ما يجهز المسرح للمرحلة التالية وهي الجنس الهرموني الجنيني، حيث تفرز الخصيتين أو المبيضين الجنينيين هرمونات تدفع بالجنين نحو مزيد من التشكل ذكرًا أو أنثى، ويقوم الجنس الهرموني الجنيني بتنظيم الجنس التناسلي الداخلي (تكوين الرحم وعنق الرحم وقناة فالوب في الأنثى، أو تكوين الأسهر والبروستاتا والبربخ في الذكر). وخلال الشهر الرابع، تكمل الهرمونات الجنينية وظيفتها بتشكيل الجنس التناسلي الخارجي (القضيب وكيس الصفن في الذكور والمهبل والبظر في الإناث).

مع الولادة، يستطرد ستيرلنج،  يتكون لدى الجنين خمس طبقات من  الجنس. لكن وكما في الجنس الكروموسومي، فإن كل طبقة لا يمكن تقسيمها بشكل ثنائي صارم، وفضلاً عن ذلك فإن الطبقات يمكن أن تتضارب مع بعضها البعض، فيمكن أن تخضع إحدى الطبقات للتصنيف ثنائي الجنس، في حين لا تخضع له الطبقة الأخرى. فيمكن للطفل XX أن يولد بقضيب، ويمكن لطفل XY أن يمتلك مهبلاً، وهكذا. وهذه الأنواع من التناقضات بإمكانها أن تعيق تمامًا أي محاولة لتحديد الجنس بشكل ثنائي (ذكر أو أنثى)، بشكل قطعي، عبر النظر فقط إلى الأعضاء التناسلية الخارجية.

بالإضافة إلى هذا التعقيد، فإن الطبقات الجنسية لا تتوقف عند الولادة، حيث يعرف البالغون الذين يحيطون بالطفل عند الولادة جنسه اعتمادًا على ما يفهمونه من الجنس التناسلي (سواء عند الولادة أو قبلها باستخدام الموجات فوق الصوتية) وهنا تبدأ عملية التنشئة الاجتماعية على أساس النوع، حيث تؤثر الهرمونات الجنينية كذلك على تكوين الدماغ، لتظهر طبقة جديدة يمكن تسميتها بالجنس الدماغي. وأحد جوانب الجنس الدماغي هو ما يحدث عند البلوغ حيث تقوم خلايا دماغية معينة بتحفيز مستويات وأنماط معينة من من الهرمونات الأنثوية أو الذكورية، والتي بإمكانها أن تسبب النضوج الجنسي لدى البالغين.

ثنائيو الجنس قد يجمعون بين صفات الذكر والأنثى- المصدر

ويضيف الكاتب:  يدعو الدكتور موني هذه الطبقات بالجنس الهرموني والجنس المظهري عند البلوغ، لكنها أيضًا تتميز بتنوع لا يقتصر على التصنيف ثنائي الجنس، وتعد هذه الحقيقة مصدرًا للخلاف المستمر حول كيفية تقرير من يمكنه قانونيًا أن ينافس في المسابقات الرياضية الدولية للسيدات.

لقد كان هناك الكثير من الأبحاث العلمية الجديدة حول الموضوع منذ خمسينات القرن الماضي. لكن أولئك الذين ينظرون إلى البيولوجيا باعتبارها طريقة سهلة لتحديد الجنس والنوع قد لا يجدون مرادهم بسهولة فيها. فعلى سبيل المثال، نحن نعلم الآن المزيد عن تكوين الخصيتين أو المبيضين داخل الجنين، فذلك لا يحدث بتوجيه من جين واحد كما كنا نظن سابقًا، بل عبر توجيه مشترك من شبكة من الجينات المتعارضة، حيث يجري تثبيط التكوينات الذكورية وتنشيط التمايز الأنثوي في الإناث، والعكس صحيح لدى الذكور. الأمر الذي يعني -بحسب ستيرلينج- أن المحدد هنا ليس وجود أو غياب جين محدد، بل التوازن في القوى بين شبكة من الجينات تعمل معًا أو وفق تسلسل محدد. وهو ما يقوض إمكانية استخدام اختبار جيني بسيط لتحديد الجنس «الحقيقي» للشخص.

ويختتم ستيرلنج مقاله قائلاً: إن التغيير الذي تقترحه وزارة الخدمات الصحية والبشرية الأمريكية (فيما يتعلق بتعريف الجنس) هو رده إلى الخلف، فهو يقف في وجه الإجماع العلمي فيما يتعلق بالجنس والنوع، وهو أمر يقف في وجه حرية الأفراد في أن يعيشوا حياتهم بالطريقة التي تناسب جنسهم ونوعهم، وهي التي تتكون على مدار دورة حياة كل شخص.

مُسيَّر أم مخير.. هل المثلية الجنسية لها علاقة بالجينات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد