تنشر البروفسورة كيت كيركپاتريك –محاضرة الدين والفلسفة والثقافة في كلية كينجز في لندن، ورئيسية تحرير مجلة سيمون دي بوفوار للدراسات- مقالًا في موقع «أيون» تتناول فيه وجهة نظر الفيلسوفة والمنظرة الاجتماعية الفرنسية سيمون دي بوفوار حول «المرأة القوية».

لا يمكن تبسيطَ تاريخ سعي المرأة إلى تكوين صورتها الخاصة ونيل حقوقها الإنسانية، إذ احتاجت أعلام النسويّة والمفكرّات عبر التاريخ إلى تفكيك السرديّات المنسوجة حول مكانة المرأة في العالم ومعنى وجودها.

Embed from Getty Images

أساطير أنثوية

تحدثت سيمون دي بوفوار في كتابها «الجنس الآخر» (1949) عن الوضع المجحف الذي تعيشه النساء، في مجتمعاتٍ نشأن فيها تحت عددٍ كبير من «الأساطير المتضاربة» والمتناقضة فيما يخصّ ما يتوقع منهنّ. فبدلًا من تشجيعهنّ على اتّباع أحلامهنّ الخاصة والسعي وراء مشاريعهنّ المؤثرة لحيواتهنّ، تقول بوفوار أن «الأساطير» المقدمة للنساء –سواءً في الأدب أو التاريخ أو العلوم أو حتى التحليل النفسي- تحثّهن على الاعتقاد بتمحور وجودهنّ لأجل الآخرين، وخاصة بالنسبة للرجال. طوال فترة الطفولة، تُغذّى الفتيات بجرعةٍ منتظمة من القصص التي تدفعهنّ لربط النجاح بالحب-وأن النجاح في الأشياء الأخرى سيقلّل من جدارتهنّ بالحب.

قد تكون بعض المحاججات التي طرحتها بوفوار غير معاصرة بالنسبة لأيامنا هذه، لكن منهجها في كتاب الجنس الآخر كان رائدًا في وقته وما يزال جديرًا بالاهتمام حتى لحظتنا هذه: تقصت بوفوار في المجلد الأول بعض «الحقائق والأساطير» المكتوبة عن النساء من قِبل الرجال، أما في المجلد الثاني حاولت وصفَ ما يعنيه أن تصبح النساء نساءً في هذا العالم، حيث يحدّدهن الرجال بهذه الطرق –كما تلخّص كيركپاتريك- وكيف يؤدي ذلك بالكثيرات للشعور بالانقسام والاستياء.

لماذا كانت النساء المبدعات في الآداب والفنون أقل عددًا من الرجال تاريخيًّا؟

 

بالمقابل، يترعرع الفتيان ضمن القناعات والأفكار المشجعة لهم على تقدير استقلاليتهم وإبداعاتهم مع السعي لتكوين علاقاتهم الشخصية المزدهرة والحيّة –وفقًا لتحليل بوفوار- فيما يدفع التعليم النساءَ غالبًا للوقوع تحت وطأة «التمزق» ما بين اختيار الحرية واختيار الحب. أوضحت بوفوار في كتابها أن المرأة «محكوم عليها» بلعنةِ الشعور بالفشل والذنب، لأنها وإن نجحت في الامتثال للمثل الأسطورية للأنوثة فستكون سرابًا.. لا أنثى.

يتوقع للمرأة أن تٌجسّد «كيانًا لا إنسانيًا: المرأة القوية، الأم الباهرة، المرأة الفاضلة، وغير ذلك». ترتبط أسطورة الأنوثة ارتباطًا وثيقًا بإعطاء الأولوية لاحتياجات الآخرين مع الاتصّاف بصفات الحب والعطاء، ولذا عندما «تفكر المرأة وتحلم وتنام وترغب وتتطلّع» لأجل نفسها، تصبح أقل أنوثة. وهو ما يجعلها –بالمعايير الاجتماعية لعام 1949 على الأقل- امرأةً أسوأ.

أوضحت بوفوار في كتابها أن المرأة «محكوم عليها» بلعنةِ الشعور بالفشل والذنب، لأنها وإن نجحت في الامتثال للمثل الأسطورية للأنوثة فستكون سرابًا.. لا أنثى. يتوقع للمرأة أن تٌجسّد «كيانًا لا إنسانيًا: المرأة القوية، الأم الباهرة، المرأة الفاضلة، وغير ذلك»

Embed from Getty Images

أسطورة المرأة القوية

يتكرر الحديث عن أسطورة المرأة القوية «la femme forte» في النسخة الفرنسية من كتاب «الجنس الآخر» أكثر من مقابلتِها الإنجليزية وفقًا لكيركپاتريك، ففضلًا عن المقطع السابق ذكره تشير بوفوار إلى أسطورة المرأة القوية باستفاضة عند مناقشتها مسألة تمثيل المرأة في النصوص الدينية والتقاليد المستمدة منها. تتغنى الكتب المقدسة للمسيحية واليهودية بالثناء على المرأة القوية.

تعتبر بوفوار أن المسيحية تحترم المرأة العذراء لـ«العفة والطاعة» التي تتسم بها محافظةً على نفسها بهذه الطريقة لزوجها: إذ تقف قويةً في مواجهة رغباتها الجسدية. أما في الأديان المتعددة الآلهة وتحديدًا لدى الهندوسية وروما القديمة، تجد بوفوار آلهةً أنثوية تجسد القوة الأنثوية الموجهة لضبط النفس على نفس المنوال.

أما في سفر الأمثال 31 التابع للكتاب المقدس العبري –وهو عبارة عن قصيدة معتمدة على تراتبية الأحرف في أصلها العبري وفقًا لتعريف كيركپاتريك- فتظهر أسطورة المرأة القوية مجددًا، والتي لا تنحصر سماتها بالعفة والطهارة فقط، بل أيضًا بالعمل الدؤوب والتضحية لأجل الآخرين بلا كلل ولا هوادة، وتقتبس بوفوار منها هذه العبارات:

ديدنُها اختيار الصوف والكتان […..]

تقومُ قبل طلوع الفجر [….]

[…..] لا ينطفئ في الليل سراجها

[….] لا تأكل خبز البطالة

Embed from Getty Images

يلفت الانتباه سبب اختيار سيمون دي بوفوار لهذه العبارات أو السطور في ضوء ما تقوله القصيدة بصورة عامة، إذ يُظهر هذا النصّ القديم المرأةَ مستقلَة تمامًا على نحوٍ تاريخي استثنائي وفقًا لـكيركپاتريك. لم تُقدّم المرأة هنا بطابعٍ إيروتيكيّ حصريّ أو ضمن سياق عائلي، وقد كانت بوفوار رائدةً في مسألة «المرأة المستقلة» التي تجمع ما بين الحب والمشاريع الحياتية الأخرى.

تؤدي «المرأة القوية» في سفر الأمثال 31 دورًا فاعلًا في إنتاجية العمل الاقتصادي، وهي تدير أموالها الخاصة وتشتري الحقول وتبذر المحاصيل وتتاجر بنجاحٍ باهر لدرجةٍ تتحصل فيها على أرباحٍ كافية لتستثمر في كروم العنب، ويفيض عن ذلك حتى أنها تكسي عائلتها باللون الأرجوانيّ (وهو علامة الثراء في ذلك الوقت، إذ كان صبغةً فاخرة وباهظة الثمن لندرتها)، كما أن جهدها وعملها ذائع الصيت حتى أن الثناء عليها يصل إلى أبواب المدينة.

Embed from Getty Images

إذن ما الذي يُمكن ألا يُعجِب القارئ في مثل هذه الصورة؟ بالنسبة لبوفوار فإن هذا النموذج من الأنوثة القوية «محصور في الأعمال المنزلية»، وهو عمل يُقدّم إلى الفتيات والنساء بإفراط باعتباره جزءًا من «مصيرهنّ» الأنثوي والطريقة اليومية التي عليهن إظهار حبهنّ للآخرين بها. «المرأة القوية» في «الأمثال» تتلقى المدح والثناء من زوجها وأطفالها ومدينتها لصنعتها ونجاحها، لكن بوفوار تعتبر أن هذا النوع من الثناء كثيرًا ما يكون طعمًا يبقي النساء في موضعِ التضحية بالنفس دون تلقي المثل أو توقعه من الآخرين.

بصيغة أخرى، تعتبر بوفوار أن هذا الثناء يطالبهنّ بأن يصبحن ملاذات بيوتهنّ وملجأ الراحة والسلام للآخرين باستثناء أنفسهنّ. إنها حيلة الطعم المخادع الكلاسيكية والقديمة إلى درجة كان يصعب رؤية سبب نجاحها: الطعم كان الحب، والمقابل كم يتوقع للمرأة أن تعمل لأجله –والمستويات المفرطة غير الملائمة التي يمكن أن يُطالبن بها لأجل ذلك-.

ترتبط أسطورة الأنوثة ارتباطًا وثيقًا بإعطاء الأولوية لاحتياجات الآخرين مع الاتصّاف بصفات الحب والعطاء، ولذا عندما «تفكر المرأة وتحلم وتنام وترغب وتتطلّع» لأجل نفسها، تصبح أقل أنوثة. وهو ما يجعلها امرأةً أسوأ أو أقل جدارةً بالحب.

شكّلت أسطورة المرأة القوية توقعات المرأة لتعتقد أنها إذا كانت ستحب شخصًا ما، فبالطبع عليها أن تختار الصوف والكتان وتبقي سراجها مشتعلًا لفترةٍ متأخرة من الليل وتنهض مبكرًا وتقاوم إغراءات «خبز البطالة» -جميع ما سبق كناية عن لزومية اجتهاد المرأة المفرط في العمل ومقاومة الكسل أو الإغراء لتبرهن عن حبها- وبالتالي، وكما تستنتج بوفوار كان التعبير عن الحبّ لدى المرأة يفترض دعم ازدهار أسرتها بإخلاص-ونادرًا ما تسأل نفسها: ماذا عني أنا؟

Embed from Getty Images

قبل قرنٍ من كتاب بوفوار، نصح الروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك الرجالَ قائلًا بأن سرّ الحصول على زوجات راضياتٍ بموقع العبودية يكمن في إقناعهنّ أنهنّ ملكات، وأن الخدمة المنزلية ليست إلا جزءًا من مجد سيادتهنّ. ولكن إذا كان الحب يتمثل بالخدمة، وإذا كانت الخدمة جزءًا من مجد السيادة.. تسأل بوفوار هنا: لِمَ لا يرغب الرجال بالمشاركة فيه؟

وكما عبّرت عن الأمر بكلماتِها في مقالِ تلا كتاب «الجنس الآخر»: «مع كل الثرثرة التي كُتبت عن عظمة هذا الكرم، لماذا لا يُمنح الرجل فرصة للمشاركة في هذا الإخلاص، في نفي الذات الذي تُحسد النساء عليه؟».

هل كانت بوفوار ضد المرأة القوية إذن؟

تدلي كيركپاتريك هنا برأيها عمّا تقصده بوفوار وراء اعتراضاتها على تمجيد صورة «المرأة القوية» في الأمثال 31، فحسب قراءتها للأمر: لا تعترض بوفوار على قوة المرأة ولا حتى على خاصية التضحية بالنفس التي تتحلى بها، بل على حرماننا المطلق من سماع جانبها من القصة، وبالتالي استحالة معرفة الدافع وراء اجتهادها المثالي هذا؛ أيأتي متدفقًا عفويًا حرًا من نظام قيمها ومنظورها للحياة، أم من امتثالٍ لنموذج الكدحِ والمثابرة، لفكرةِ أن سبب وجودها أصلًا يعود لتوفير وسائل الراحة وتأمين مصالح الآخرين.

Embed from Getty Images

خلال 70 عامًا منذ نشر كتاب «الجنس الآخر» دخلت أرتالٌ من النساء إلى مجال العمل، وصاغت النسويّات مصطلحات جديدة لتسمية ما يتوقع للـ«المرأة القوية» أن تتحمله من أعباء في عصرنا الحاضر-العبء العقلي، والعبء المزدوج، والمناوبة الثالثة. لكن في هذا الموضوع تحديدًا، ما يزال صوت بوفوار يستحق السماع.

لم تقل بوفوار أن العمل اللازم لصناعة الحياة ليس مهمًا، ولا أن العمل الإنتاجي الاقتصادي أو الإبداعي أعلى قيمةً بطبيعته من أعمال الرعاية. إنما تتمثل وجهة نظرها بعدم اعتبار العمل المادي ضامنًا لحرية المرأة، وكذلك أن الاعتناء بالآخرين ورعايتهم هو جزء أساسي مما يجعل أحدنا إنسانًا في نهاية المطاف، ودون الرعاية سيتعسّر على البشر الازدهار.

تختتم كيركپاتريك تعقيبها على المسألة كلها بتلخيصها كالتالي: تتفهم المرأة المستقلة وجوب احترام «المرأة القوية» في نواحٍ كثيرة- لكنها لا تعتقد أن «الحب» يعني فعل كل شيءٍ بمفردها.

لا للواقي الذكري ونعم لإبادة الرجال.. أكثر الأفكار النسوية إثارة للجدل

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد