قالت مجلة «الإيكونوميست» في تقرير لها إنه أينما بحث المرء عن دولة ديمقراطية في شرق إفريقيا؛ فلن يجد. فالصومال وجنوب السودان دولتان فاشلتان. والسودان دولة ديكتاتورية، وكذلك إريتريا ورواندا وإثيوبيا. ويقبع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني على العرش منذ عام 1986، ويخطط لتعديل الدستور حتى يتمكن من التمسك بالحكم لفترة أطول.

وأوضح التقرير أن حزب الثورة (وسلفه) يحكمان تنزانيا منذ الاستقلال في عام 1961. وحتى كينيا –التي كانت يومًا ما هي أكثر ديمقراطية حيوية وتنافسية في المنطقة– تضربها المشاكل. ففي الشهر الماضي، أعيد انتخاب أوهورو كينياتا رئيسًا بنسبة 98٪ من الأصوات.

وفي هذا السياق، تبرز جمهورية أرض الصومال أو صوماليلاند الصغيرة. في 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، سيختار مواطنون من هذه الدولة غير المعترف بها دوليًّا رئيسًا في الانتخابات السادسة النزيهة نسبيًّا منذ عام 2001. وهذا السجل الذي لا مثيل له يجعلها أقوى ديمقراطية في المنطقة. فكيف حدث هذا؟، يتساءل التقرير.

لعل نظرة على التاريخ قد تفهمنا ما يجري. كانت جمهورية أرض الصومال مستعمرة بريطانية، قبل اندماجها مع الصومال الإيطالي في عام 1960، لتشكيل الصومال الموحد. انهار الاتحاد في عام 1991، وبات لدى السكان شعور قوي بالهوية الوطنية. ويؤكد التقرير أن هذه الدولة كانت أحد الكيانات القليلة التي أنشأها المستعمر الأوروبي التي بدت منطقية.

اقرأ أيضًا: النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي.. وأسئلة الصراع الخفي بين الإخوة الخليجيين

ويشير التقرير إلى أن منطقة أرض الصومال هي أكثر تجانسًا اجتماعيًّا من الصومال، أو معظم الدول الإفريقية الأخرى (بسبب زيادة مستويات الثقة بين المواطنين). وقد أدى عقد من الحرب ضد نظام سياد بري في مقديشيو –عاصمة الصومال– إلى تدمير أكبر مدينتين في جمهورية أرض الصومال، إلا أن ذلك أنتج روحًا وطنية قوية. فقد زرعت الحركة الوطنية الصومالية –التي قادت القتال– ثقافة الديمقراطية. وقد تغيرت قيادتها خمس مرات خلال تسع سنوات، ونقلت السلطة إلى إدارة مدنية في غضون عامين من الانتصار.

يعتبر غياب الاعتراف الدولي أكبر مشكلة تواجه تلك المنطقة التي تتمتع بحكم ذاتي، كما يضيف التقرير. وقد صرح محمد حاجي إبراهيم إغال، رئيس جمهورية أرض الصومال من عام 1993 إلى عام 2002، بالقول إن الاعتراف الدولي سيعتمد على سعي البلد إلى تحقيق الديمقراطية. شرع إغال في وضع دستور طُرح في استفتاء شعبي في عام 2001. ولخوفه من تشجيع حركات انفصالية أخرى في المنطقة، لم يعترف المجتمع الدولي –سيرًا على خطى الاتحاد الإفريقي– به مطلقًا.

لكن رد فعل المجتمع الدولي دعم جذوة التحول الديمقراطي هناك. غالبًا ما يفرض المانحون إصلاحات ديمقراطية على البلدان الإفريقية شرطًا للمساعدة المالية. وبما أن جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها لا تحصل على أي مساعدات خارجية، فإن العقد الاجتماعي بين الحكومة، والمواطنين أصبح قويًّا بشكل غير عادي.

يؤكد التقرير أن الديمقراطية تطورت من سلسلة من المؤتمرات العامة الجماهيرية التي أتاحت لها درجة غير عادية من الشرعية. والميزة الأبرز في هذا النظام هو مجلس شيوخ العشائر، المعروف باسم «جورتي»، الذي يضمن انتخاب حكومة تمثيلية على نطاق واسع، ويدعم الثقافة السياسية التوافقية في البلاد.

وعلى الرغم من وجود جذور للديمقراطية في جمهورية أرض الصومال، فإن الفساد متوطن، ونادرًا ما توجه وسائل الإعلام انتقادات للحكومة. ويشدد التقرير على أن تأثير العشائر قد انحسر بشدة، ولكن لم يتم القضاء عليه. وقد  جرى تأجيل الانتخابات مرارًا وتكرارًا. وقد تأخر التصويت في 13 نوفمبر لأكثر من عامين.

يحتفظ مجلس النواب بتشكيله الحالي منذ 12 عامًا، أما جورتي فلم تجرِ انتخابات خاصة بها منذ عام 1993. وربما يكون هناك تحديات أكبر في المستقبل. في العام الماضي وقعت جمهورية أرض الصومال اتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة لبناء ميناء جديد وقاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية. فالأول، الذي تقدر قيمته بأكثر من 400 مليون دولار، هو أكبر صفقة استثمار في البلاد. وقد ساعد في بناء الأمة الإقناع وإمكانية مساءلة السياسيين، كما ساعد في الحفاظ على التوازن الدقيق بين العشائر. ولكن الحال قد لا يدوم هكذا لفترة أطول.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد