حاول تقرير نشر على موقع مجلة «أيون» الإلكترونية، التي تهتم بالأفكار والفلسفة والثقافة، الإجابة عن أسئلة تتمحور حول انهيار بعض الدول، على أساس عرقي في أكثر الأحيان، بينما يبقى البعض الآخر متماسكًا على مدار عقود وقرون، على الرغم من تنوعها السكاني أيضًا، بعبارة أخرى، لماذا ينجح بناء الدول في بعض الأماكن، بينما يفشل في أماكن أخرى؟ وتوضح لنا التراجيديا السورية التبعات الدموية المحتملة للفشل في بناء الدول. وقد مر جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى بتجارب مماثلة في السنوات الأخيرة الماضية، وإن لم تحظ بالتغطية الإعلامية ذاتها.

بينما حازت حركات انفصالية طويلة الباع على زخم في بعض من الدول الغنية والديمقراطية في غرب أوروبا مثل إسبانيا، وبلجيكا، والمملكة المتحدة. وقد نرى في أعمارنا نجاح بعض هذه الحركات في الانفصال عن هذه الدول. وفي الجهة المقابلة، ليس ثمة حركة انفصالية بين المتحدثين بـ «الكانتونية» في جنوب الصين، أو بين «التاميليون» في الهند. فلماذا؟ ولماذا لم يشكك أي سياسي جاد قط في الوحدة الوطنية في بلاد متنوعة مثل سويسرا أو بوركينا فاسو؟

قال التقرير إنَّ من الضروري قبل الإجابة عن هذه الأسئلة تعريف «بناء الدول» بشكل أكثر دقة. فالأمر يتجاوز مجرد وجود دولة مستقلة ذات علم ونشيد وطني وجيش. فبعض البلدان القديمة، مثل بلجيكا، لم تندمج بصفتها أمة، بينما جاء الأمر على خلاف ذلك في دول أحدث مثل الهند. إنَّ ثمة وجهان لعملة بناء الدولة وتتمثل في مدى التحالفات السياسية في بلد ما، والتماهي مع مؤسسات هذه الدولة والولاء لها، بصرف النظر عمن يحكمها. الوجه الأول هو عنصر التكامل السياسي، والثاني هو عنصر الهوية السياسية لبناء الأمة. ومن أجل تعزيز الوجهين، فإنَّ الروابط السياسية بين المواطنين والدولة ينبغي أن تتجاوز التقسيمات العرقية.

ليست لعبة صفرية

يذكر التقرير إنَّ روابط التحالف هذه تربط الحكومات الوطنية بالمواطنين الأفراد، أحيانًا عبر منظمات سياسية وسيطة مثل الجمعيات التطوعية والأحزاب والمجموعات المهنية، وما إلى ذلك. ويفترض لهذه الروابط أن توصل جميع المواطنين في شبكات من التحالفات المرتكزة حول الدولة. في مثل هذه البلدان، يرى جميع المواطنين أنفسهم ممثلين في مركز القوى، حتى لو كان حزبهم المفضل أو راعيهم السياسي لا يشغل حاليًا أيًا من مقاعد الحكومة. ففي نهاية المطاف، ينظر المثقفون، والنخب السياسية، فضلاً عن الفرد العادي، إلى جميع المواطنين، بصرف النظر عن خلفيتهم العرقية أو الإثنية، بصفتهم أعضاء متساوين في الجماعة الوطنية.

وورد في التقرير أن البناء الفعال للأمم يجلب تبعات مهمة وإيجابية. إذ تؤدي التحالفات المتقاطعة عبر إقليم أو بلد بأكمله إلى نزع تسييس الانقسامات العرقية. ولا ينظر إلى السياسة بصفتها لعبة صفرية تكافح فيها المجموعات العرقية للسيطرة على الدولة. وإنما تأتي إلى واجهة النقاش لقضايا سياسية أكثر أهمية حول ما ينبغي للدولة عمله. وتؤدي التحالفات السياسية الإدماجية أيضًا إلى شعور بملكية الدولة والترويج للهدف الجمعي المثالي المتجاوز لأسرة الفرد وقريته وعشيرته ومهنته. وبالمثل، يكون المواطنون المتماهون مع بلدهم أقل مقاومة لدفع الضرائب، وأكثر احتمالاً أن يدعموا سياسات الرفاه، وتحكمهم دول أكثر فعالية. والجدير بالذكر أن التحالفات الإدماجية التي تضم أقليات عرقية وأغلبيات على حد سواء، تقلل بشكل كبير من خطر نشوب حرب أهلية وتعزز النمو الاقتصادي.

في الولايات المتحدة، يساوي معظم صناع السياسة الخارجية بين بناء الدولة وبين الدمقرطة. إذ يعتقدون أنَّ الديمقراطية أفضل أداة لتحقيق التماسك السياسي في «الجنوب العالمي». وحجتهم في ذلك أنَّ الانتخابات الديمقراطية تجذب دوائر عرقية متنوعة تجاه المركز السياسي وتشجع السياسيين على بناء تحالفات أوسع خارج نطاق مجموعة الناخبين الذين يشاركونهم الخلفية العرقية ذاتها. ويشير التقرير إلى أن معظم الدول التي فشلت في بناء الدولة وتحكمها نخبة من أقلية صغيرة، مثل الطائفة العلوية للرئيس السوري بشار الأسد، دول مستبدة. وفي المقابل، فإنَّ الدول الديمقراطية أكثر احتمالاً، في العموم، لأن تشتمل على ممثلين عن الأقليات في تحالفاتهم الحاكمة.

ومع ذلك، فليس من الضروري أن تصبح الائتلافات الحاكمة أكثر إدماجًا بمرور الوقت بعد انتقال بلد ما إلى الديمقراطية. ففي الكثير من الدول التي انتقلت حديثًا إلى الديمقراطية، لا تكتسح الأغلبيات العرقية إلى السلطة إلا للانتقام من النخب التي كانت مهيمنة حتى هذه اللحظة، ومن المجتمعات العرقية لهذه النخب. ظهر هذا الأمر جليًا في العراق ما بعد حكم صدام حسين، فأكثر التأييد الداخلي الذي حصلت عليه القاعدة، وبعد ذلك داعش، جاء من النخب البعثية السابقة، ومن القبائل السنية الساخطة التي استاءت من فقدان السلطة. بينما حافظت الولايات المتحدة على العبودية خلال أول 70 سنة من وجودها الديمقراطي، ولمدة قرن آخر بعد أن حرم التحرير الأفارقة الأمريكيين من أي نوع من التمثيل السياسي المهم. إنَّ هذه العلاقة بين الديمقراطية والإدماج تحدث في تلك البلدان التي يحكمها بالفعل تحالف أكثر شمولاً بشكل أسرع وأسهل من الأنظمة الإقصائية التي تحارب الديمقراطية بشتى ما تستطيع من طرق. بعبارة أخرى، فإنَّ الديمقراطية لا تعني بناء الأمم، لكن الأمم المبنية بالفعل أكثر احتمالاً من غيرها أن تنتقل إلى الديمقراطية.

عوامل تماسك الدول

يسلط التقرير الضوء على عوامل ثلاثة أخرى تتطور بشكل أبطأ، على مدى أجيال، لكنها أكثر فعالية في بناء روابط سياسية تتجاوز الانقسامات العرقية، من الانتخابات الحرة والتنافسية. يشير العامل الأول إلى طريقة تنظيم هذه الروابط. إذ من الأسهل إنشاء تحالفات سياسية تتجاوز الانقسامات العرقية لو كان باستطاعتها البناء على منظمات طوعية قائمة بالفعل، مثل دوائر القراءة والنقابات والنوادي السياسية وما إلى ذلك. وقال التقرير إنَّ هذه المنظمات الطوعية عادة ما تدخل في تحالفات أفقية مع بعضها ـ مثل تحالف رابطات التمريض المحلية في كاليفورنيا. وفي المقابل، فإنَّ أنظمة المحسوبية الهرمية تتكاثر فيها الروابط رأسيًا بين الرعاة والزبائن الذين يصبحوا بدورهم رعاة لزبائن آخرين أسفل هرم السلطة والنفوذ. ومن ثم، فإنَّ شبكات التحالف المبنية على المنظمات الطوعية يمكنها الانتشار في إقليم ما وتجاوز الانقسامات العرقية بسهولة أكبر من أنظمة المحسوبية. فعلى سبيل المثال، من الأسهل نسبيًا تأسيس منظمة شاملة لجميع جمعيات التمريض في البلاد. ثم يمكن لهذه المنظمة الشاملة أن تسعى للتحالف مع وزارة الصحة أو مع حزب سياسي وطني.

ويشرح التقرير أن درجة تطور هذه المنظمات الطوعية أمر مهم لا سيما في السنوات الأولى من الوجود الحديث لبلد ما، أي بعد الإطاحة بملكية مطلقة (كما كان الحال في معظم أوروبا) أو في مستعمرة سابقة أصبحت مستقلة (كما هو الحال في معظم بقية العالم). لو كان ثمة شبكة كثيفة من مثل هذه المنظمات قائمة بالفعل، فإنَّ الممسكين الجدد بالسلطة سوف يعتمدون عليها لحشد المؤيدين ولتجنيد القادة السياسيين. وتحت هذه الظروف، يصبح الإقصاء السياسي للأقليات العرقية أو حتى الأغلبيات، أمرًا أقل ورودًا، إذ تكون المنظمات الطوعية قد طورت بالفعل أفرعًا في أجزاء مختلفة من البلد التي تقطنها مجموعات عرقية مختلفة. وعندما يعتمد القادة الجدد على هذه المنظمات للحصول على دعم سياسي، فمن المرجح أن توظف هذه القيادة من مختلف المجموعات العرقية أيضًا.

وتعتبر المقارنة المقارنة بين سويسرا وبلجيكا، وهما بلدان متشابهان حجمًا، مع تكوين لغوي مماثل للسكان، ومستويات متقاربة من التنمية الاقتصادية، مثلاً جيدًا. ففي سويسرا، تطورت منظمات المجتمع المدني، مثل نوادي الرماية، ودوائر القراءة ومجموعات الكورال، في البلاد خلال أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر. انتشرت هذه المنظمات بالتساوي في جميع أنحاء البلاد لأنَّ الصناعات الحديثة قد ظهرت في جميع المناطق الرئيسية، ولأنّ «دول المدن» في سويسرا كانت تفتقر إلى القدرة والحافز على قمع هذه الجمعيات. أما في بلجيكا، فقد تعرف نابليون، وكذلك الملك الهولندي الذي خلفه، على القدرات الثورية لمثل هذه الجمعيات الطوعية، فقمعاها. بل الأكثر أهمية من ذلك، أنّ الجمعيات التي كانت موجودة في بلجيكا اقتصرت على المناطق الأكثر تطورًا من الناحية الاقتصادية والمناطق، والشرائح السكانية، الناطقة بالفرنسية والأكثر تعليمًا.

وعندما استقلت بلجيكا عام 1831عن مملكة هولندا، كان معظم الحكام الجدد للبلاد أعضاء، منذ وقت طويل، في هذه الشبكات التعاونية الناطقة بالفرنسية. ودون كثير من التفكير، أعلنوا اللغة الفرنسية اللغة الرسمية للإدارة والجيش والقضاء. ومع أنَّ أولئك الذين كانوا يتحدثون بالفلمنكية وحسب، كانوا يشكلون أغلبية ديموغرافية طفيفة، فإنهم لم يكونوا جزءً من هذه الشبكات، وكذا فقد استبعدوا من الحكومة المركزية. وحتى نهاية القرن التاسع عشر، حُكم الفلمنكيون بصفتهم مستعمرة داخلية لبلجيكا الفرنكوفونية. فشل البناء المبكر للدولة إذن، وأصبح الانقسام اللغوي مسيسًا بشكل كبير خلال القرن العشرين، حتى أصبح البلد الآن على أعتاب الانقسام.

أما في سويسرا، فقد حدث الانتقال إلى الدولة القومية بعد حرب أهلية قصيرة عام 1848. اعتمدت النخب اللبرالية التي فازت في الحرب وهيمنت على البلاد لأجيال على شبكات منظمات المجتمع المدني العابرة للأقاليم والمتعددة العرقيات، لتجنيد الأتباع والقادة. وكذا فقد شمل هيكل السلطة الناشئ أغلبيات وأقليات على حد سواء. وكانت كل مجموعة لغوية ممثلة، منذ البداية، في أعلى مستوى من الحكومة وفي الإدارة الفدرالية، تبعًا لحجم السكان، بشكل تقريبي. ومرة أخرى، ودون كثير من التفكير في الأمر، أصبحت كل من الفرنسية والألمانية والإيطالية جميعًا لغات رسمية للدولة. وخلال معظم التاريخ السياسي اللاحق لسويسرا، وحتى يومنا هذا، ظل التنوع اللغوي مسألة غير سياسية.

يتعلق العامل الثاني بالموارد التي يتبادلها المواطنون مع الدولة. فمن المرجح أن يدعم المواطنون، سياسيًا، حكومة توفر السلع العامة مقابل فرض ضرائب عليها. وإذا كانت الضرائب مقابل السلع العامة، فإنَّ طبيعة العلاقة بين الحكومة والمواطنين تختلف. فالأمر لا يعود انتزاعًا تحت التهديد، كما كان الحال عادةً مع الأنظمة الأكثر قمعية التي سبقت الدولة القومية، مثل المملكة الاستبدادية والحكم الإمبراطوري أو الإدارة الاستعمارية. فكلما زادت قدرة الحكومة على توفير السلع العامة في جميع أقاليم البلاد، زادت جاذبيتها بصفتها شريك تبادل، وزاد عدد المواطنين الراغبين في التحالف معها. وسوف يعكس التحالف الحاكم هياكل التحالف الشاملة تلك، ومن ثم يعكس التنوع العرقي للسكان.

وعقد التقرير مقارنة بين الصومال وبوتسوانا لإيضاح هذا العامل فكلاهما بلد قاحل، ولهما أسس اقتصادية متشابهة، تعتمد على تصدير المواشي، ولهما تاريخ استعماري متشابه. عندما استقلت بوتسوانا عام 1966، خلقت حكومتها وأدارت بكفاءة فرص تصدير لمربي الماشية، ووسعت بشكل ضخم من البنية التحتية للمواصلات، والمدارس، والمنشآت الصحية، وخلقت برامج طوارئ لفترات الجفاف التي كانت تدمر، بشكل دوري، اقتصاد المواشي. هذه المنافع العامة أفادت جميع المناطق بشكل متساو. وليس ثمة الكثير من الأدلة على أنَّ البيروقراطيين قد فضلوا عشيرتهم العرقية عند تخصيص هذه الموارد للقرى أو المقاطعات. وفي المقابل، فقد حاز الحزب الحاكم على دعم في مختلف المناطق والدوائر العرقية، وهو ما ترجم بدوره إلى برلمان ومجلس وزراء مثلت فيه الأغلبيات والأقليات العرقية بشكل تقريبي وفقًا لعدد سكانها. وقد أدى هذا الترتيب الاحتوائي للسلطة، بمرور الوقت، إلى تماه قوي مع الدولة وأغلبية التسوانا، فاندمج المزيد والمزيد من مواطني الأقلية في أغلبية التسوانا وتماهوا معها.

أما في الصومال، فقد كانت ظروف بناء الدولة من خلال توفير السلع العامة أقل إيجابية، فبعد أن توحدت المستعمرات البريطانية والإيطالية السابقة في الصومال المستقل، لم تحظ الدولة بالكثير من القدرة على توفير الخدمات العامة للسكان. وتغذت البيروقراطية الناشئة سريعًا على المساعدات الأجنبية، بدلاً من الضرائب أو الجمارك. وعندما تعلق الأمر بتوزيع المشروعات الحكومية، فضل البيروقراطيون من كانوا يستطيعون تقديم أعلى الرشى أو أعضاء عشيرتهم. وقد غير انقلاب محمد سياد بري عام 1969، هذا الأمر لفترة مؤقتة. ونظرًا للافتقار إلى القدرة المؤسسية، فقد حاول نظام بري تقديم السلع العامة من خلال حملات قصيرة الأجل عسكرية الأسلوب، مثل تعليم السكان البدو القراءة والكتابة، أو تقديم الغوث لضحايا الجفاف. ولم يكن بالإمكان بناء أي تحالفات سياسية مستدامة تتمحور حول الحكومة المركزية بهذه الطريقة. وبدلاً من ذلك، زادت وتيرة اعتماد بري في حكمه على الأتباع المخلصين من تحالف عشيرته وعشيرة أمه. وسرعان ما حمل أولئك المستبعدون من الدوائر الداخلية للسلطة السلاح. واندلعت عقود من الحرب الأهلية تقاتلت فيها تحالفات متغيرة من العشائر وأمراء الحرب ضد بعضهم، فمزقت البلاد إربًا.

يشير الجانب الثالث من علاقات التحالف بين المواطنين والدولة إلى طريقة التواصل بينهم. فإقامة الروابط عبر المناطق والفوارق العرقية يكون أسهل لو استطاع الأفراد التحاور بلغة مشتركة. يقلل هذا الأمر من (تكاليف المعاملات)، أي الجهد اللازم لفهم نوايا كل طرف، وحل الخلافات والتفاوض حول التسويات، وهي أمور محورية لبناء علاقات مستدامة قائمة على الثقة، وتبطئ الانقسامات اللغوية من انتشار الشبكات السياسية في أراضي الدول.

ويوضح القرنان الماضيان من تاريخ الصين وروسيا كيف أنَّ وجود الوسائل المشتركة للتواصل يسهل من بناء الدولة. ففي بداية القرن الـ19، كان لدى كل من الصين وروسيا أجيال سابقة من حكم الحكام المستبدين من السلالات الإمبراطورية، التي تضم مجموعات سكانية هائلة ومتنوعة، ولم تخضع لحكم أجنبي قط. يتكلم شعب الصين الكثير من اللغات، وهو ما من شأنه جعل بناء الدولة أكثر صعوبة. ومع ذلك، فإنَّ الخطابات والصحف والكتب مكتوبة بأبجدية موحدة، وليست هذه الكتابة قريبة من أي من اللغات المنطوقة الكثيرة، وهو ما يسمح للأفراد من مختلف أركان هذا البلد الضخم بفهم بعضهم بسهولة. مكن هذا التجانس الكتابي أيضًا الدولة، طوال الحقبة الإمبريالية، من توظيف البيروقراطيين، من خلال نظام من الاختبارات التحريرية، من جميع زوايا البلاد. ونتيجة لذلك، فقد كانت النخبة البيروقراطية الصينية متعددة اللغات بنفس قدر تعدد لغات السكان بشكل عام.

دور الاختلافات اللغوية

ينطبق الأمر ذاته على الفصائل السياسية التي تشكلت بين هذه النخبة البيروقراطية، ذلك أنَّ الرجال الذين لم يكن باستطاعتهم فهم بعضهم عند الحديث، صار بإمكانهم المراسلة بالكتابة لتبادل الأفكار وتكوين التحالفات. وينطبق الأمر ذاته على الجمعيات الجمهورية المناهضة للإمبريالية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في الصين. إذ انضم إليها أفراد كانوا يتكلمون لغات مختلفة من جميع أنحاء الصين. وفي عام 1911، صعدت هذه القوى للسلطة تحت قيادة الحزب القومي الصيني (كومينتانغ) وأطاحب بالسلالة الإمبراطورية. كانت قيادة الحزب متنوعة لغويًا كما كانت النخب الحاكمة تحت حكم سلالة تشينغ. وقد جند الحزب الشيوعي، الذي تولى السلطة عام 1949، هو الآخر قادة من جميع أنحاء الصين كانوا يتكلموا لغات مختلفة. وبالنظر إلى الطبيعة الإدماجية متعددة اللغات للتحالفات الحاكمة، من سلاسة تشينغ مرورًا بنظام كومينتانغ، وانتهاء بالصين الشيوعية المعاصرة، فلم يكن لدى الأقليات المتحدثة بغير الماندرينية بين الصينيين من قومية الهان أي سبب للانفصال عن الصين والسعي لإقامة دولة تحت سيطرتهم. إذ سمحت أجيال من الروابط السياسية العابرة للانقسامات اللغوية، للمفكرين والسياسيين القوميين تخيل أمة الهان متعددة اللغات، لكنها متجانسة عرقيًا. فلم تنبح كلاب القومية اللغوية قط بين أغلبية الهان الصينية.

أما في الإمبراطورية الروسية، فقد أدى التنوع اللغوي دورًا شديد الاختلاف. إذ انقسمت الإمبراطورية مرتين على أساس عرقي – لغوي: مرة بعد الثورة البلشفية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1917، ومرة أخرى في خضم إصلاحات الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف حوالي عام 1989. واجه بناء الدولة الروسية والسوفيتية تحديًا أكبر بكثير لأن اللغات الكثيرة ـ من الفنلندية إلى الألمانية، ومن الروسية إلى التركية، ومن الكورية إلى الرومانية ـ لم تكن من عائلات لغوية مختلفة بالكامل فحسب، وإنما كتبت أيضًا بأبجديات مختلفة، تشمل السيريلية واللاتينية والعربية والمنغولية. وعندما بدأ عصر السياسة الجماهيرية في روسيا أواخر القرن التاسع عشر، تجمعت شبكات التحالف على أساس الانقسامات اللغوية. وحينها، كما هو الحال الآن، كان الوصول إلى جمهور متعلم من خلال البروباجاندا والصحف يتطلب أبجدية ولغة مشتركتين. الأحزاب الشعبية التي ظهرت خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين خدمت بشكل حصري مجتمعات لغوية بعينها (الأرمن، والجورجيين، والفنلنديين، والبولنديين، وما شابه من ذلك). أو أنها أشبهت خليطًا من شبكات التحالف المحصورة لغويًا، كما فعل «المنشفيك». تبلور الوعي القومي في عشرات القوالب المنفصلة والمعرّفة لغويًا، بدلاً من الهوية الشاملة مثل تلك التي كانت لقومية الهان.

وقد عززت سياسة القوميات السوفيتيية بعد ثورة 1917من هذه الحالة من خلال تدريس الأقليات كيفية القراءة والكتابة، وتعليمهم، وصولاً إلى الخمسينيات، بلغاتهم الخاصة. وسمح لنخب الأقليات، تحت رقابة لصيقة من موسكو، بحكم المقاطعات والمناطق الجديدة المعرفة لغويًا في الاتحاد السوفييتي. وتبعًا لذلك، تشكلت شبكات تحالف «زبائنية» جديدة بين أقسام منفصلة عرقيًا. وكانت الأقليات غير الروسية ممثلة تمثيلاً ناقصًا للغاية في قيادة الحزب، وأعلى مناصب البيروقراطية، والجيش، التي كانت جميعها يهيمن عليها الروس. وكذا، فمن غير المدهش أنَّ قادة الاتحاد السوفييتي لم يكونوا قادرين على تشكيل شعب سوفيتي متكامل، عندما حاولوا، تحت حكم نيكيتا خروتشوف بعد حوالي 40 سنة من الثورة، التحول إلى سياسة أكثر اندماجية. سياسيًا، ظل الاتحاد السوفيتي شبيهًا بخليط من شبكات التحالف العرقية. وعندما بدأ جليد الحكم السلطوي في الذوبان تحت حكم جورباتشوف، تشظت البلاد على أساس لغوي إلى دول مستقلة مثل لاتفيا، وجورجيا، وكازاخستان.

إرث الدول المركزية

يرى التقرير إنَّ النظر إلى التاريخ يدفعنا إلى التساؤل عن السبب الذي يجعل دولاً تتمكن من تطوير لغة أو أبجدية موحدة بينما لا تستطيع دول أخرى، والسبب الذي يجعل بعض الحكومات قادرة على توفير الخدمات العامة عبر أراضيها، بينما لا تستطيع حكومات أخرى. والجواب، بحسب التقرير، أنَّ كلاً من التعددية اللغوية والقدرة على تقديم خدمات عامة تتشكلان من إرث الدول المركزية التي بنيت بالفعل قبل عصر السياسات الجماهيرية الذي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر. يشير هذا الأمر في الجنوب العالمي إلى الفترة التي سبقت تعرض هذه الدول للاستعمار من قبل الامبراطوريات الغربية (واليابانية) خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر. حيث تطورت حكومات شديدة المركزية في القرون السابقة، وظهرت إدارات بيروقراطية تعلمت كيفية الإدماج التنظيمي والتحكم السياسي في مختلف مناطق الدولة.

كان بإمكان الحكومات التي تلت هذه الدول، سواء الحكومات الاستعمارية أو حكومات الدول القومية حديثة التكوين، الاعتماد على هذه المعرفة والبنية التحتية البيروقراطية لتوفير السلع العامة بشكل عادل على جميع المناطق. وعلى المدى الطويل، شجعت هذه الحكومات المركزية للغاية أيضًا النخب الهامشية وأتباعها على تبني لغة النخب المركزية (أو كما في الحالة الصينية: أبجدية هذه النخب). إذ كان تعلم لغة الدوائر الحاكمة في العاصمة طريقة فعالة لتعزيز مسيرتهم الوظيفية ومصالحهم، وبالنسبة للرعايا العاديين فقد كان من المفيد أيضًا معرفة الكلام بلغة البيروقراطيين الذين يتدخلون في حياتهم اليومية.

ففي بوتسوانا ما قبل الاستعمار، مثلاً، ظهرت سلسلة من الممالك المركزية شديدة التكامل بدءً من القرن السابع عشر فصاعدًا. وقد حكم هذه الممالك جميعها نبلاء ناطقون بالتسوانا، وقد أدمجت الحكومة المستقلة ما بعد الاستعمارية هذه الممالك في نظامها الإداري من خلال تقليص سلطة الملوك، بينما جعلت منهم ومن بيروقراطياتهم الصغيرة جزءً من الهيكل الحاكم. وبهذه الطريقة قدمت الممالك للحكومة الجديدة شرعية الحكم (إذ كان الرئيس الجديد للبلاد نفسه من الأسرة الملكية) وشجعت المواطنين على الانصياع لأحكام الدولة الحديثة. كلا الأمران سهلا كثيرًا تقديم الخدمات العامة من قبل الحكومات ما بعد الاستعمارية. وروجت الممالك أيضًا، من فترة ما قبل الاستعمار حتى يومنا الحاضر، لاستيعاب السكان من غير التسوانا، الذين كانوا ما يزالون يشكلون أغلبية ديموغرافية في معظم الممالك في القرن التاسع عشر، في الثقافة واللغة المهيمنتين للتسوانا، التي تمثل الآن أغلبية قوية.

أما في التاريخ الصومالي، فلم تقدر دولة قط على بسط حكمها على الأغلبية البدوية. وقد مثل هذا الأمر عائقًا ملحوظًا أمام توفير السلع العامة في حقبة ما بعد الاستعمار. إذ كان على الحكومة الصومالية المستقلة حكم سكان لم يعتادوا قط على الدولة، ولم يكن باستطاعتها الاعتماد على طبقة المديرين التي تعلمت كيفية تقديم الخدمات العامة، بدلاً من الاعتماد على عائلاتهم

دعم المؤسسات

من وجهة نظر التقرير إنَّ الالتزام طويل المدى بتعزيز المؤسسات الحكومية وجعلها أكثر كفاءة في تقديم الخدمات العامة يمثل أكثر السياسات الدولية الواعدة للمساعدة في بناء الدول في العالم.

وأفضل من يقدم هذه الخدمات العامة هي الحكومات الوطنية والمحلية. ومع أنَّ الشركات الخاصة، والمنظمات الأجنبية غير الحكومية أو الجيوش المتدخلة أحيانًا ما تكون أكثر كفاءة اقتصاديًا، لكنَّ الخدمات العامة المقدمة من قبل قوى خارجية لا تؤدي إلى الكثير من تعزيز شرعية الحكومة الوطنية. مشاريع الخدمات العامة التي قدمها الأجانب في أفغانستان جعلت الأفغان أقل رضى عن حكومتهم الوطنية، مقارنة بالمشاريع التي نفذتها وكالات حكومية.

الاستراتيجية الأخرى لبناء أمة فعالة تتمثل في وجود نظام قومي موحد للمدارس. وأنَّ استمرار الدعم لأنظمة المدارس الوطنية في مواجهة الضغوط المالية يحقق الكثير ليس فقط في تحقيق نمو اقتصادي مستدام ومساواة بين الجنسين، وإنما في المساعدة على إنشاء روابط سياسية بين العرقيات المختلفة.

إنّ دعم منظمات المجتمع المدني قد يؤدي إلى رد فعل عكسي ضد النفوذ الأجنبي والتدخل السياسي. لكن على المدى البعيد فإنّ مثل هذه المنظمات تساعد على توفير بنية تحتية سياسية لإنشاء روابط بين المجموعات العرقية المختلفة والانتقال إلى التكامل السياسي الوطني. وإنَّ وجود استراتيجية طويلة المدى من شأنه أن يساعد المواطنين على التواصل مع بعضهم بناء على قضية مشتركة لا عرقية.

واختتم التقرير بالقول إنَّ السياسيين ينبغي لهم التخلي عن الفكرة القائلة بأنَّ من الشرعي والممكن «تعليم الشعوب كيفية حكم نفسها». ذلك أنَّ بناء الأمم من الخارج أمر شبه محال لو كانت الظروف المحلية غير مواتية لوضع الأقليات والأغلبيات على قدم المساواة وإنشاء ائتلافات حكومية إدماجية. فبناء الأمم يجب إنجازه على يد المواطنين والسياسيين في كل بلد على حدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!