التظاهرات حدث شبه يومي

يكاد لا يمر أسبوع من دون أن تخرج التظاهرات الحاشدة إلى شوارع المدن وميادينها في إحدى بقاع الأرض، ويستمر المتظاهرون مزلزلين الشوارع والميادين لأيام وأسابيع، تتصدر حينها أخبار هذه التظاهرات مساحات واسعة من تغطيات الفضائيات ومواقع الإنترنت، وتستحوذ الرغبة في متابعة أخبارها على جماهير عريضة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، مثل: فيسبوك، وتويتر.

تلعب شبكات التواصل الاجتماعي الآن دورا مؤثرا على طول دورة حياة معظم التظاهرات، منذ أن كانت فكرة تدور في عقول الداعين لها، مرورا بالتنسيق والحشد لها، إلى نشر أخبارها وتحركاتها أولاً بأول، وحتى بعد أن يترك المتظاهرون الشوارع يستمر لشبكات التواصل الاجتماعي دور بارز في التواصل والحوار فيما قد يعقب هذه التظاهرات من عمليات تفاوض أو خطوات سياسية.

تتفاوت أسباب التظاهرات من بلد لآخر. لكنها غالبا ما تكون احتجاجا على السياسات والقرارات الحكومية، أو ضد استشراء الفساد وتجاوزات الشرطة، كلما استمرت التظاهرات واستمر صمود المتظاهرين في الشوارع كلما تصاعد غالبا سقف مطالبها، وقد يصل الأمر للمطالبة بإسقاط الحكومة، أو تتجاوزه للمطالبة بإسقاط النظام السياسي للدولة بكل رموزه.

قد تجتاح التظاهرات أية مدينة في العالم، لا فرق بين شرق وغرب أو شمال وجنوب، فمن بانكوك إلى كاراكاس، ومن مدريد إلى موسكو، حتى المناطق التي ظلت لسنوات طويلة بمأمن عن التظاهرات الواسعة وحشودها، تفجرت التظاهرات في مدنها الكبرى وانتقل إعصارها بسرعة من بلد لآخر في المنطقة العربية، ولن ينسى العالم بسهولة الملايين التي نزلت إلى الشوارع تنادي بالتغيير من تونس إلى مصر، ومن ليبيا إلى اليمن وسوريا.

الآلاف يتظاهرون أمام جامعة صنعاء في أحداث ثورة اليمن عام 2011.


تستحوذ التظاهرات على مساحات واسعة من تغطيات وسائل الإعلام المختلفة، وتتصدر هذه التغطيات الصور والفيديوهات التي يتم التقاطها من أماكن مرتفعة أو من الطائرات، وتظهر فيها الحشود الضخمة من المتظاهرين، وكأنه بحر واسع لا تتوقف أمواجه دقيقة عن الحركة، من يتأمل هذه المشاهد من مكانه لأول وهلة قد تجرفه أمواج الحشود الهائلة، وتستحوذ عليه هيبة المَشاهِد وجلالها، فلا يتحرك عقله إلا على ضربات هتافاتها المدوية، ويُحَدّث نفسه بأنه لابد وأن تنتصر هذه الحشود، فمن ذا الذي يستطيع أن يقف أمامها، أو أمام المطالب التي تنادي بها؟

تمتلك التظاهرات طاقة عظيمة تدفعها للحركة بسرعة ويتصاعد حجمها، مثل كرة الثلج، ولكن هذه الكرة كما تكونت سريعا قد تتبخر سريعا، قد يُشَكل الأمر مفاجأة عظيمة للكثيرين بعد أن تهدأ التظاهرات، وتمر أسابيع أو شهور أو سنوات، ويتأملون الحصاد، والنتائج فيجدونها هزيلة جدا، ولا تتناسب بأية حال مع الطاقة الهائلة التي ظلت ترج الشوارع بقوة وعنف لأسابيع وشهور.

تظاهرنا، ماذا بعد؟

وُلدت حركة “احتلوا وول ستريت” في صيف2011 بماليزيا، وخلال وقت قصير جدا كانت التظاهرات قد خرجت إلى ميادين أكثر من 2600 مدينة حول العالم، شارك في التظاهرات خليط متنوع من المشاركين، وما ميز المجموعات المشاركة افتقادها لروابط قوية تجمعها، فضلا عن افتقادها لقيادات ظاهرة وهياكل تنظيمية واضحة. لكنها اشتركت في استخدامها وتوظيفها لوسائل التواصل الإجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر، وهو ما ساعد على سرعة استنساخها وانتشارها تحت نفس الهدف أو الرسالة التي تردد صداها من مكان لآخر: ليس مقبولا أن يُمسك 1% بين أياديهم بثروة العالم، بينما النسبة المتبقية والتي تتمثل في 99% يتداولون بين أيديهم جزء يسيرا من الثروة، ومن خلال ما تسمح به هذه النخبة.

بدا أن هذه الحركة التي احتلت عشرات الميادين الرئيسة في كثير من مدن العالم، وامتلكت طاقة هائلة وقدرا كبيرا من الحيوية والتنظيم لابد وأن تؤدي لنتائج مؤثرة. لكن هذا لم يحدث للأسف، بالرغم من أن ملف عدم المساواة الذي تصدت له التظاهرات تصدر نقاشات وتحركات كثيرة في السنوات الأخيرة على المستويات الرسمية وغير الرسمية، رغم ذلك لم يحدث أي تغير حقيقي في الطريقة التي يدار بها اقتصاد العالم منذ عقود طويلة، اقتصرت ردود أفعال الحكومات والمؤسسات الفاعلة في العالم على مجموعة من البيانات الصحفية والخطب البلاغية، وحتى هذه الحركة التي علّق البعض عليها آمالا كبيرة خَفَت وهجها، وبدأت أخبارها تتراجع من عناوين الأخبار شيئا فشيئا.

انتشار فعاليات حركة “احتلوا وول ستريت” في كافة أنحاء العالم.


لن تجد صعوبة شديدة في البحث عن مثل أو أكثر لتظاهرات حاشدة انتهت إلى لا شيء، أو إلى نتائج هزيلة جدا. وتكاد تكون هذه هي النتيجة النهائية المنتظرة من أي تظاهرة على اختلاف أماكنها وبتنوع الأسباب التي تفجرت من أجلها والأحداث الساخنة التي رافقتها. المسألة إذاً مسألة وقت يطول أو يقصر، ليرجع الأمر كما كان من قبل التظاهرات أو تقتصر النتائج على مجرد تغيُر شكلي.

لماذا؟ وكيف تنتهي هذه التظاهرات الحاشدة على ما تفيض به من حماسة ورغبة صادقة للتغيير إلى نتائج هزيلة جدا؟

بالطبع لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال الصعب، أحد هذه الإجابات أتت من تجربة قام بها باحث من جامعة كوبنهاجن الدنماركية، في عام 2009 قام الباحث بتأسيس صفحة على فيسبوك للاحتجاج على نية الحكومة لهدم نافورة تاريخية بأحد ميادين العاصمة الدانماركية. خلال الأسبوع الأول من إطلاق صفحة فيسبوك، انضم للصفحة حوالي عشرة آلاف شخص، ووصل العدد لحوالي 27 ألف شخص بعد أسبوعين فقط. توقفت التجربة عند هذا الحد، فلم يكن هناك خطة من الحكومة لهدم أية نافورة. كل ما أراد الباحث أن يثبته، هو مدى سهولة وسرعة حشد مجموعات كبيرة نسبيا باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، مثل فيسبوك وتويتر.

اليوم تجذب سهولة الاحتجاج من وراء لوحات المفاتيح وعبر شبكات التواصل الحديثة جماهير واسعة، وخاصة من جيل الشباب. يتمثل هذا من خلال التغريد والكتابة على تويتر، أو من خلال الانضمام لصفحة أو مجموعة على فيسبوك، أو من خلال تبادل الرسائل النصية القصيرة، قد يُوَجّه الاحتجاج لأمر بعينه، وقد يكون الاحتجاج مقصودا بذاته ولا يهم الهدف من ورائه. بالطبع ليس هذا تشكيكا في شرعية الاحتجاجات أو تقليلا من أهميتها، ولكن المشكلة: ثم ماذا بعد؟

مُحرك جبار من دون عجلات

التظاهرات والاحتجاجات الواسعة في الشارع هي محرك جبار يدور بسرعة هائلة ويولّد طاقة سياسية هائلة، ولكن المحرك ليس متصلا بعجلات تترجم هذه الطاقة الهائلة لحركة حقيقية ومؤثرة، تحتاج تظاهرات الشارع لعجلات تحركها وتُطلقها، حتى لا تظل تدور من دون أن تبرح مكانها، تتمثل العجلات في كيانات ومؤسسسات قادرة على إدارة طاقة الشارع وتركيزها وتوجيهها في الاتجاه الذي يدعم التغيير، حتى لا تُهدر هذه الطاقة هباء، وهي عملية سياسية طويلة وشاقة، وتحتاج لتكاتف كل الجهود والقدرات.

لن تتحرك التظاهرات للتغيير من دون عجلات مناسبة، مهما امتلكت محركاتها من قوة.


عندما نبحث عن كيانات ومؤسسات تستطيع تحويل طاقة الشارع لتغيير سياسي حقيقي، قد نجد أنفسنا مضطرين للجوء للأحزاب السياسية. هذا لا يعني أن نقبل ببساطة بالأحزاب السياسية القائمة ببنائها الحالي، وقد كانت سببا مباشرا أو غير مباشر في الأزمات التي فجرت الرغبة في التغيير.

بالرغم من أن رياح التطوير طالت مؤسسات كثيرة في العقد الأخير، فإن الأحزاب السياسية والأفكار التي قامت عليها، والطريقة التي تعمل وتدار بها على حالها كما هي منذ عقود طويلة. ما جعل هذه الأحزاب جزء من المشكلة، وليس جزء من الحل، وجعلها عاجزة أمام ملاحقة التغييرات المتسارعة، وغير قادرة على استيعاب شرائح واسعة من جيل الشباب ليحققوا من خلالها رغباتهم الصادقة في التغيير.

فقد الشباب الثقة في قدرة هذه الأحزاب على صناعة وإدارة التغيير الذي يطمحون إليه. وهو ما أدى لعزوفه عن المشاركة في الأحزاب السياسية والعمل السياسي بشكل عام، هناك من حاول أن يجد بديلا في الجمعيات الأهلية والتنموية، ورغم أهمية دور هذه الجمعيات فإنها ليست بديلا عن مؤسسات العمل السياسي الأقدر والأقرب على صناعة التغيير بمفهومه الأوسع.

يفرض هذا الوضع الحرج علينا ضرورة بناء وتشكيل مؤسسات وكيانات سياسية جديدة كليا؛ شكلا وموضوعا. بشرط أن تكون قادرة على استيعاب أفكار العصر الجديد وأدواته، وقادرة على أن تسترد ثقة جيل الشباب، وتفجير طاقاته الكامنة وتوجيهها لبناء التغيير.

العمل على الأرض

يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي أن تلعب دورا هاما في بناء كيانات سياسية جديدة قادرة على صناعة التغيير، في نفس الوقت الذي يمكن أن تُشكِل عائقا أمام بناء هذه الكيانات. قدمت هذه الشبكات وسائلا وأدوات جديدة سهلة وقليلة التكلفة لحشد وتوجيه وتنسيق الجهود، إلا أن هذه الشبكات خلقت لدى جماهير عريضة من مستخدميها إحساسا وهميا بالإنجاز. فتوهمت أنها تشارك في صنع التغيير الذي تريده بمجرد الجلوس من وراء لوحات المفاتيح للمشاركة في صفحة على فيسبوك، أو الإعجاب بما تنشره، أو مشاركة بعضا مما تنشره، أو حتى من خلال المشاركة من خلال تويتر، أو الرسائل القصيرة، سواء من خلال أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الذكية الأكثر انتشارا.

خلال السنوات الأخيرة أصبحت التظاهرات حدثا شبه يومي في شوارع الكثير من المدن حول العالم، لكن معظمها لا يمتلك خطة عن الخطوة التالية ولا عن كيفية توظيف المتظاهرين وتوجيه طاقتهم في بناء تغيير حقيقي، التظاهرات من دون كيانات تديرها وتوجّه طاقتها، ستستمر تدور كالمحرك الذي يولّد طاقة هائلة، ولكنها تفتقد للعجلات التي توظف هذه الطاقة؛ لبناء تغيير سياسي حقيقي طويل الأمد.

عملية التغيير عملية طويلة وشاقة، وتحتاج لحشد كل الجهود والقدرات من خلال كيانات جديدة قادرة على إدارة هذه المعركة الطويلة. لا مانع من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات مساعدة وفعالة للحشد والتنظيم، ولكنها ليست في ذاتها أدوات للتغيير؛ لأن التغيير الحقيقي لن يُبنى من دون عمل حقيقي على الأرض.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد