نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للكاتب الأمريكي، ستيفن كوك، المتخصص في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، استعرض فيه الخيارات المتوفرة على طاولة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بشأن التعامل مع أزمة سوريا، مسلِّطًا الضوء على أن تجاهل بايدن للصراع السوري يُعد بمثابة معضلة من الناحية الأخلاقية، لكنه من الناحية الإستراتيجية قد يكون له ما يُبرِّره.

انسحاب القوات الأمريكية من سوريا

في مستهل مقاله، يستدعي الكاتب إلى الأذهان مشهدًا وقع قبل نحو عامين قائلًا: بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي – آنذاك – دونالد ترامب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أنه سيسْحَب القوات الأمريكية من سوريا، كنتُ أنتظر قطار الصباح الباكر في طريقي إلى مدينة نيويورك. وبينما كنتُ أتجول بالقرب من البوابة، تظاهرتُ بأنني أتحقق من صفحتي على «تويتر»، وأتنقل بين التغريدات، بينما كنتُ أسترق السمع منصتًا إلى حوار دائر بين اثنين من ضباط شرطة «أمتراك» (شركة ركاب السكك الحديدية).

دولي

منذ شهرين
«المونيتور»: لماذا لا تتعامل إدارة بايدن بجدية أكبر مع الملف السوري؟

لم يكن الضابطان يتحدثان عن أحوال الجريمة في محطة الاتحاد (محطة قطار رئيسة في العاصمة واشنطن) أو يُرددان آخر الشائعات والقيل والقال، داخل الإدارة التابعَيْن لها، بل كانا يناقشان السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وأعربا عن تأييدهما لخطوة الرئيس الأمريكي في سوريا وقتئذٍ، واتفقا سويًّا على أن الصراع، الذي يبعد عدة آلاف من الأميال عن الولايات المتحدة، لا يخصُّهما أو البلاد في شيء. وكان لسان حالهما يقول: أعيدوا القوات الأمريكية إلى أرض الوطن، وأنْهُوا هذه الحروب التي لا نهاية لها.

يقول الكاتب إن هذه اللحظة دعَمَت أمرًا كان يُثير اللغط داخل رأسي، وأتمتِم به طوال معظم السنوات السبعة الماضية: وهو فشل مجتمع السياسة والعلاقات الخارجية الذريع في تقييم ما كان يحدث في سوريا تقييمًا صحيحًا، وإدراك مدى تأثير ذلك في المصالح الأمريكية، واقتراح طريق للمضي قدمًا.

وعلى ما يبدو، أن ترامب – على الرغم من مدة رئاسته البشعة – طرح سؤالًا جيدًا عن سوريا كان له علاقة أيضًا بمنطقة الشرق الأوسط بوجه عام: «لماذا نفعل ما نفعله»؟ ويبدو أنه لم يحصل على إجابة مُرضية بالقدر الكافي، ولذلك أعلن عن انسحاب القوات الأمريكية من هناك (وانتهى المطاف بهذا الانسحاب ليصبح إعادة نشر عدد محدود من القوات الأمريكية في سوريا).

المصالح الأمريكية في سوريا ليست على المحك

وفي مقابل بكاء السوريين الحارق، ونُواحِهم في الذكرى العاشرة لسقوط بلادهم في غيابات جُبِّ الحرب الأهلية، ثارَ جدل حاليًا – وإن لم يكن يتَّسم بالحدة نفسها التي كان عليها قبل عقد من الزمن – بشأن ما يجب على الولايات المتحدة فعله حيال صراع أودى بحياة كثير من الناس، وأصاب مزيدًا منهم بالتشوهات البدنية والنفسية، وأجبر نصف سكان البلاد على الفرار من وطنهم، بالإضافة إلى أنه أدَّى إلى زعزعة استقرار منطقتين، لا يزال العالم لم يحْسِم أمره بشأنهما كما كان دائمًا.

الحرب في سوريا

ويتساءل الكاتب قائلًا: هل يجب على إدارة بايدن أن تتوصَّل إلى اتفاق مع الرئيس السوري بشار الأسد؟ أم هل يتجه العالم إلى استخدام أسلوب يمكن أن يكشف عن انفراجة دبلوماسية؟ هل تعتقد أن الأزمة الاقتصادية التي طوَّقت لبنان – التي تعد قارب نجاة لسوريا – تُقوِّض الدعم الذي يحصل عليه النظام السوري؟

وخلُص الكاتب إلى أنه لا يريد أحد تقريبًا فعل الكثير تجاه سوريا، وهو الأمر الذي يترك صنَّاع السياسات دون خيارات صائبة أو جواب واضح عن كثير من التساؤلات. وربما يكون السبب في ذلك أنه لم يكن هناك تحليل، على الأقل في النقاش العام الدائر على مدار العقد الماضي، لحجم المخاطر التي تواجه مصالح الولايات المتحدة فعليًّا في سوريا، إذا كان هناك من مصالح في الأساس.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أسهمت ثلاثة أهداف أساسية ترمي الولايات المتحدة إلى تحقيقها في تشكيل سياساتها تجاه منطقة الشرق الأوسط: وهي ضمان التدفق الحر لموارد الطاقة من المنطقة، والمساعدة في الحفاظ على أمن إسرائيل، والتأكد من عدم قدرة أي دولة أو تحالف من الدول على تحدِّي القوة الأمريكية في الشرق الأوسط بما يُعرِّض المصلحتين السابقتين للخطر.

وبالإضافة إلى هذه الأهداف الثلاث، غالبًا ما يُلْحِق بها بعض المحللين هدفًا رابعًا وهو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب. وبافتراض أن السياسة الأمريكية تعتمد على هذه الأسس، فما رأي هؤلاء المحللين وصناع السياسات بشأن كيفية تعامل واشنطن مع سوريا؟

صحيحٌ أن النهج الحالي الذي يتَّسم بعدم التدخل في الصراع السوري قد يكون معضلة من الناحية الأخلاقية، لكن هل يمكن الدفاع عنه من الناحية الإستراتيجية؟ غالبًا ما يكون هذا هو الرابط المزعج بشأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وهو عبء مسؤولية عدم القدرة على التوفيق بين المبادئ والمصالح على الدوام.

ضمان التدفق الحر لموارد الطاقة من المنطقة

وتناول الكاتب كل هدف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط على حدة قائلًا: عندما تبين أن قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا لم يكن يُقصد به سحبها بالكامل، وأعلن ترامب بقاء بعض القوات من أجل حماية النفط، كان هذا صداعًا في الرأس. فلم تكن سوريا مطلقًا مُصدِّرًا رئيسًا للنفط، على الرغم من أن الاحتياطيات التي لديها استخدمها نظام الأسد والمهربون الأتراك وتنظيم داعش لكسب الأموال خلال العقد الماضي. ولم يكن أمرًا منطقيًّا ألا ينتهز هؤلاء الثلاثة تلك الفرصة.

لكن إعلان بقاء الجنود الأمريكيين معرَّضين للخطر من أجل حماية النفط، ربما كان أسلوبًا ملائمًا للتعامل مع الحقيقة المحرجة المتمثلة في أنه في الوقت الذي أكَّد فيه الرئيس الأمريكي سابقًا هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية (قسد) – تتألف معظمها من وحدات حماية الشعب الكردية – تقاتل أتباع أبي بكر البغدادي، بمساعدة الجنود الأمريكيين. وكل هذا يعني أنه لا يُوجد من الأحداث التي تقع في سوريا على مدار العقد الماضي ما يُمثل تهديدًا للتدفق الحر لموارد الطاقة من المنطقة.

الحفاظ على أمن إسرائيل

وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، اعتقد المحللون في وقت من الأوقات أن سوريا تُشكل تهديدًا محتملًا لأمن إسرائيل. وأدَّى الأداء الهزيل للقوات المسلحة السورية خلال العقد الماضي إلى تلاشي هذه المخاوف. ويظل التهديد الحقيقي – على الأقل من وجهة نظر إسرائيلية – هو إيران، التي يبدو أنها تريد البقاء في سوريا لمدة طويلة، وهو الأمر الذي يمنح الإيرانيين القدرة على تزويد جماعة حزب الله بالأسلحة بسهولة وتهديد إسرائيل تهديدًا مباشرًا.

ولم يقبل الإسرائيليون هذا الأمر وشنوا غارة جوية ضارية ضد الإيرانيين وعملائهم في سوريا والعراق على حد سواء. وأظهرت طهران أنها غير قادرة على الرد بفعالية على الغارات الإسرائيلية، وهو ما جعلني أخلُص إلى أن الإسرائيليين بمقدورهم الاعتناء بأنفسهم في الصراع السوري.

عدم تحدي القوة الأمريكية في المنطقة

أما بالنسبة لحفاظ الولايات المتحدة على القوة الأمريكية في الشرق الأوسط حتى لا يمكن لأي دولة من دول المنطقة أن تتحداها، فإن سوريا مستنقع لهذه القوة الأمريكية، على حد وصف الكاتب. ومن المؤكد، أن قادة المنطقة أعجبوا باستعداد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للتدخل وإنقاذ حليف من شبه هزيمة، على عكس ما رأوه ضعفًا من الولايات المتحدة عندما تعلَّق الأمر بالرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك.

وقد منح هذا دفعة للروس على حساب الولايات المتحدة، لكن كاهلهم أصبح حاليًا مُثقلًا بمشكلات الأسد، وأعباء صراع يبدو أنه ليس له نهاية في الأفق. والأهم من ذلك، أن الصراع الدائر في سوريا لم يسبب أي ضرر بالغ للولايات المتحدة وقدرتها على الدفاع عن مصالحها.

ونوَّه الكاتب إلى أنه فيما يتعلق بمنع انتشار الأسلحة النووية، بذل الإسرائيليون جهودًا جبارة في عام 2007، عندما دمَّروا المنشأة النووية السورية السرية (لكنها لم تَخْفَ عليهم). ومع ذلك، لا تزال هناك مشكلة الأسلحة الكيميائية السورية. وكان من المفترض أن تتخلى عنها سوريا في إطار صفقة توسَّط فيها بوتين في عام 2013، لكن الأسد لم يكن متعاونًا بالكامل.

ولا تحظى هذه المسألة بكثير من الاهتمام؛ لأن المواد الكيميائية، التي كان يفترض أن يتخلى عنها الأسد، كانت ستُستخدم، على الأرجح، ضد السوريين أكثر من غيرهم. وكان ترامب قد رد على هجوم نظام الأسد بالأسلحة الكيميائية على المدنيين بعد مدة وجيزة من تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة بشن ضربات عسكرية ضد دمشق. لكن هذه الضربات لم تُحدث فارقًا في مسار الصراع.

وفي نهاية المطاف، يُمكن التحجج بأن سوريا أصبحت بمثابة دوامة من الميليشيات المتنافسة، بما في ذلك المتطرفين، لكي تواصل الولايات المتحدة تحمل مسؤولية مهمة مكافحة التطرف في سوريا. وصحيحٌ أن بعض هذه الميليشيات قد تتقلص أعدادها، لكنها مع ذلك تظل باقية. وبذلك، تحافظ الولايات المتحدة على علاقتها بمنظمة وحدات حماية الشعب الكردية على الرغم من اعتراض تركيا، عضو حلف الناتو، التي تُصر على أن المنظمة يُمكن تمييزها بالكاد عن حزب العمال الكردستاني، وهو منظمة إرهابية شنَّت حربًا على الأتراك والمصالح التركية.

مواقع صديقة

منذ شهرين
شبح التصعيد يخيم على إدلب مجددًا.. هل تتدارك تركيا الموقف؟

وهذه هي طبيعة الصراع في سوريا. على الرغم من استيائهم من تصرفات الولايات المتحدة، يُنسق المسؤولون الأتراك مع المنتمين لتنظيم القاعدة للمضي قدمًا في أجندتهم المناهضة للأكراد. ونظرًا إلى طبيعة الصراع السوري، والعدد الكبير من المتطرفين الذين ينجذبون إلى الصراع، فمن المعقول أن يبقى صانعو السياسات منتبهين حيال التهديدات هناك.

هل تتبنى سياسة بايدن الخارجية تجاهل الأزمة السورية أم التدخل فيها؟

وفيما يتعلق بالرئيس الأمريكي جو بايدن، تتفاقم مأساة سوريا بسبب التزامه العلني بأن تكون المبادئ والقيم على رأس أولويات سياسته الخارجية. وإذا تبنَّى بايدن، سياسة تنبذ ولي العهد السعودي، وإذا سعى إلى إخبارنا بأن حقوق الإنسان ستصبح أمرًا محوريًّا في العلاقات الأمريكية المصرية، وإذا تجاهل جرائم الرئيس التركي  رجب طيب أردوغان، فما موقف الولايات المتحدة من سوريا؟ والجواب عن هذا التساؤل أن موقفها، على الأرجح، يتمثل في أنها لن تفعل أي شيء حتى لو ظلت إدارة بايدن، تتمسك بالقيم والمبادئ.

والسبب في ذلك أنه على الرغم من كل الوحشية والقسوة التي مارسها النظام ضد الشعب السوري، فمن المحتمل أن يتوصل بايدن، إلى النتيجة نفسها التي توصل إليها ضابطا الشرطة اللذان سمعتهما خِلسة قبل شهور عديدة: لا يوجد ما يُمثل خطرًا بالقدر الكافي على المصالح الأمريكية، وهو الذي يدفع الولايات المتحدة لكي لا تقوم بما هو أكثر من فرض عقوبات، وشن غارات جوية ضد الإرهابيين، والاعتراض على تجاوزات الأسد العديدة ضد شعبه على أمل أن يتغير شيء ما يضع نهاية لكابوس الحرب الأهلية في سوريا.

ويخلُص الكاتب في ختام مقاله إلى أن دوافع التقاعس الواضحة لدى الولايات المتحدة تتفوق على دوافع التدخل في الصراع. وهذا أمرٌ مشكوك فيه أخلاقيًّا بطبيعة الحال، لكن هذه هي مأساة سوريا التي يجب على الولايات المتحدة تقبُّلها في النهاية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد