هذا المقال مترجم عن مركز بيجن-سادات للدراسات الإستراتيجية في إسرائيل.
مركز بيجن-سادات هو أحد أكبر المراكز البحثية في إسرائيل. يقوم المركز بإصدار الأبحاث ذات الصلة بالأمن القومي لإسرائيل، ويركز جهوده على التطورات السياسية والاجتماعية في الدول العربية. صدرت عن المركز منذ إنشائه دراسات بالعبرية والإنجليزية تتناول شتى المجالات مثل: الفكر الإستراتيجي، ومفهوم الردع، ونظرية الأمن القومي، والبدائل الإستراتيجية لعملية السلام.
تأسس المركز عام 1993 بدعم من الثري اليهودي توماس هاكت، وهو زعيم بارز لليهود في كندا، ويعتبر الممول الرئيسي للأنشطة البحثية للمركز، وقد ذكر هاكت أن تضمين اسم الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات قد نبع من رغبته في تخليد ذكرى السادات ومناحم بيجن تقديرا لدورهما في توقيع أول اتفاقية سلام بين إسرائيل ودولة عربية.

حقيقة أن الأقصى ليس في خطر، لا تعني أن الوضع القائم في الحرم القدسي يجب أن يبقى ثابتًا بل على العكس؛ من أجل سلام حقيقي. بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن يتغير ذاك الوضع من الناحية الإستراتيجية والأخلاقية.
كل قادة إسرائيل، بما فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فضلًا عن كبار المسئولين ومعظم المعلقين والصحفيين، يؤكدون بشكلٍ دائم على أن إسرائيل ليست لديها النية في تغيير الوضع القائم في جبل الهيكل “الحرم القدسي الشريف”، ويؤكدون مرارًا وتكرارًا أن الحملة الفلسطينية “الأقصى في خطر” ما هي إلا افتراءات.

من الواضح أن هذا الأمر هو فرية الدم الحديثة .

عندما عادت الجريدة الفلسطينية الأردنية “القدس” للظهور في 1968، أشارت بارتياح إلى أنه في شهر رمضان من ذلك العام أتى نحو 600 مسلم للصلاة في المسجد الأقصى؛ أما في يونيو 2015 وخلال شهر رمضان، وبعد 47 عامًا من الزعم بأن المسجد الأقصى في خطر تحت السيطرة الإسرائيلية، فقد ذكرت الجريدة بالاشتراك مع وسائل الإعلام التابعة لحماس أن 300 ألف مسلم قد أدوا الصلوات فيه.

يبدو أن جملة “الأقصى في خطر” لها تقريبًا نفس التأثير، التأكيد على أن إسرائيل متورطة في التطهير العرقي في الأراضي المحتلة. لقد تزايد عدد السكان في الضفة الغربية وغزة على الأقل أربعة أضعاف منذ عام 1967، كما ارتفعت مستويات المعيشة، مما يفسر تزايد عدد المصلين المسلمين في المسجد الأقصى أضعافًا مضاعفة.

مع ذلك ، فإن القول بأن الأقصى ليس في خطر لا يعني أن الوضع القائم في الحرم القدسي يجب أن يبقى، بل على العكس يجب أن يتغير لأسباب إستراتيجية وأخلاقية.

على المستوى الإستراتيجي، يجب تغيير الوضع القائم بسبب مطالب اليهود (والمسيحيين أيضا) بحقهم في الصلاة في الحرم القدسي، والتي تتداخل مع حقهم المبرر في أن يقبل الفلسطينيين بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي.

معظم الفلسطينيين يعارضون صلاة اليهود في “جبل الهيكل”، كما يرفضون الاعتراف بإسرائيل لنفس السبب الأيديولوجي والديني. من وجهة نظرهم، لا يمكن لليهود أن يكونوا أكثر من أهل الذمة -وهم أقلية دينية تحت حماية المسلمين- كما أنهم ليسوا شعبًا صاحب سيادة مساوية للدولة الفلسطينية المسلمة ومواطنيها.

إذا قبل الفلسطينيون بحق المساواة والحرية الدينية في الحرم القدسي، وقاموا بالاعتراف بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، فهل من الممكن أن تنتهي “حرب الاستقلال” التي خاضتها إسرائيل عام 1948؟

جمال زحالقة، والذي يرتبط بالفكر الماركسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يصر على الدفاع عن إحكام قبضة المسلمين على المسجد الأقصى، هو مقتنع بأنه إذا مارست إسرائيل السيادة الفعلية على المسجد فإن ذلك يعني أن إسرائيل ستبقى هناك.

كما أن هناك سبب آخر لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي، والذي يظهر مع الإدراك بأن إسرائيل في صراع قد طال أمده مع الفلسطينيين، صراع يجب أن يُدار على المدى الطويل. في تلك الحالة، يجب أن يدرك الفلسطينيون أن إدارة إسرائيل للصراع لا تعني ضرورة الحفاظ على الوضع القائم. في النهاية إذا لم يكن هناك ما يخسره الفلسطينيون من الصراع الذي طال أمده، فلماذا يجب أن يتحركوا لاتخاذ مواقف معتدلة؟
باختصار، لن يكون هناك سلام مادام يُنظر للوجود اليهودي على جبل الهيكل على أنه استفزاز أو تدنيس للمكان المقدس.
أما على الجانب الأخلاقي، يجب على إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية حديثة، أن تضمن المساواة والتكافؤ لجميع الطوائف الدينية التي تعتبر القدس منطقة مقدسة. قد ظهرت الأفكار الحقيقة للسياسيين الفلسطينيين وأعضاء الكنيست العرب عندما عارضوا الصلاة اليهودية في جبل الهيكل، حيث ظهرت قناعاتهم الدينية وتحيزهم ضد اليهود أكثر من كل القناعات الديمقراطية والليبرالية.
بالطبع ليس هناك من جديد، فالعديد من أعضاء الكنيست العرب والقيادات الفلسطينية كانوا يتملقون القادة الطغاة في الدول العربية قبل الربيع العربي، حتى اليهود الإسرائيليين الأكثر ليبرالية تساءلوا كيف لعضو كنيست مثل عزمي بشارة، أستاذ الفلسفة الذي كان يصف نفسه بالليبرالي، أن يتحدى القانون الإسرائيلي، ويمدح حافظ الأسد الذي يعتبر واحدًا من أسوأ الطغاة في عصره. قد ذهب بشارة بعد ذلك للتجسس لصالح حزب الله، الحركة الإيرانية المنشأ التي تدعم الإرهاب، والتي تكاد لا تعرف شيئا عن الليبرالية، ثم هرب من إسرائيل.
إن المطالبة بأن يقبل الفلسطينيون وبعض المواطنين العرب في إسرائيل، بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي تتماشى مع الوصف بيهودية الدولة اليهودية الديمقراطية. إن مطالبة الفلسطينيين بالقبول بالمساواة في جبل الهيكل هو بمثابة اختبار لقبول الطابع الديمقراطي للدولة.
في نهاية المطاف، فإن تلك المطالب ستصب في صالح الفلسطينيين، فالحركة الوطنية الفلسطينية ستستمر في الفشل إذا ظلت متشبثة بالإطار الديني المعادي لديمقراطية العقل. إن الميول العربية الراديكالية تقطع شوطًا كبيرا في شرح ما يتعلق بتراجع العالم العربي والإسلامي، وكذلك فشل الدول العربية والإسلامية وما بها من عنف داخلي؛ ذلك يوضح الكارثة الخاصة التي يواجهها الفلسطينيون.
للأسف، بعد مرور87 عامًا منذ صاغ مفتي القدس الحاج أمين الحسيني التهمة الباطلة بأن الأقصى في خطر، لا يزال الشباب الفلسطيني الذي تقوده الكراهية الدينية العمياء يعيثون في الأرض فسادًا في شوارع القدس لقتل اليهود؛ وسلوكهم هذا ليس إلا انعكاسًا للكارثة الجماعية للحركة السياسية الفلسطينية، ومأساة الوطنية الفلسطينية الراديكالية التي تثقل إسرائيل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد