تناولت الصحافة العالمية أحداث الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا أواخر الشهر الماضي بكثير من التحليل، وأبرز المحللون مختلف السيناريوهات التي تنتظر البلاد في المستقبل، وقد اتسمت في معظمها بالتشاؤم. لكن الكاتب سليم خان كان له رأي آخر على موقع مجلة فورين أفيرز، حيث يرى أن أحداث الانقلاب تخفي وراءها الكثير من الآمال لتركيا. ويرى أن صيف 2016 سيمثل نقطة تحول للبلاد نحو الأفضل.

صعود نجم أردوغان

لطالما وصفت أنقرة نفسها بأنها جسر بين الحضارات، وأنها مجتمع ديمقراطي متحضر قائم على المبادئ الأتاتوركية، لكن الحقيقة خلاف ذلك. فقد سيطرت كافة الحكومات على البلاد بقبضة حديدية، ولا يمكن تصنيف تركيا بأنها دولة شرقية أو غربية. كما أن الحكومة لا تتسامح مع مختلف الثقافات وتقمع حرية التعبير.

تقع تركيا في منطقة تعصف بها الاضطرابات. ويرى الكاتب أن مخاوف الأتراك مفهومة. فدعائم الديمقراطية ليست راسخة في البلاد، وما تزال ذاكرة الأتراك تتذكر مجد إمبراطوريتهم الزائلة.

وبدلاً من أن ترسخ أنقرة ديمقراطية حقيقية، اتجهت نحو تدشين ديكتاتورية قضت على أي شيء يهدد وحدة البلاد. وقد توحد الأتراك حول الاعتقاد أن عصابة إجرامية ترتدي بزات فاخرة هي من تحكم البلاد وتستغل السلطة لمصالحها، وذلك بدلاً من أن يتحلقوا حول الهوية التركية.

الانقلاب التركي

في عام 1996، تفجرت فضيحة كبرى في تركيا عُرفت باسم «فضيحة سوسورلوك»، حيث وبينما كان الصراع على أشده مع حزب العمال الكردستاني آنذاك، تبين أن الحكومة والجيش في تركيا قد تعاونا مع زعيم عصابة تدعى «الذئاب الرمادية» مطلوب لدى الإنتربول. وقد أظهرت تلك الفضيحة أن المسؤولين الأتراك يعملون لحسابهم الخاص. وقد تفجر على إثر ذلك الغضب الشعبي ضد ما يعرف بـ«الدولة العميقة». وكان كل ذلك في مصلحة أردوغان، الذي كان قد تولى حديثًا وقتها منصب عمدة أنقرة.

وقتئذٍ، يقول الكاتب، تعهد أردوغان بالقضاء على الفساد وتحويل تركيا إلى بلد أوروبي عصري. كما سعى إلى رفع الحظر عن المحافظين المتدينين من الدخول إلى مؤسسات الدولة المختلفة. وكان شريكه في ذلك الأمر فتح الله جولن، المتهم الرئيسي في المحاولة الانقلابية الأخيرة.

إلا أن العلمانيين نظروا بعين الريبة إلى ما يفعله أردوغان، واعتبروه انتهاكًا لعلمانية الدولة. وقالوا إن الإسلاميين يتخذون من الديمقراطية مطية لتحقيق أهدافهم.

ويعتقد الكاتب أن أردوغان شخص انتهازي يرتدي عدة أقنعة. فهو تارة تقدمي علماني متحضر، وتارة أخرى يقمع التعددية بقسوة. ولم يترك فصيلاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلا وتحالف معه لبعض الوقت. وكل ما يسعى إليه هو التمسك بالسلطة وليس القيادة الحكيمة للبلاد.

توحد تركيا

إلا أن الحال انقلب تمامًا الآن، يقول الكاتب، فها هم الأتراك يقفون صفًا واحدًا في مواجهة انقلاب فاشل، وعقله المدبر فتح الله جولن.

أنشأ فتح الله جولن حركة باسم «خدمة»، لها ملايين الأتباع حول العالم، ومئات المدارس الفكرية ومراكز البحث التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. وينظر إليها على أنها نسخة علمانية من الإسلام. إلا أنها لا تتمتع أبدًا بأي شعبية في الداخل التركي.

ولم تكن الحركة تتسامح مع الانتقادات. ففي عام 2002، اغتيل أستاذ جامعي في أنقرة إثر تهديدات تلقاها بعد أن كان يعد كتابًا لفضح حركة جولن. وما تزال وفاته حادثًا غامضًا. كما ألقي القبض على الصحفي نديم سنير إثر نشره كتابًا يفضح فيه دور حركة جولن في محاكمات إرجاناكون وباليوز. إلى جانب عمليات اغتيال أخرى طالت بعض الشخصيات العامة.

يعتقد أن جولن كان العقل المدبر لمحاكمات إرجاناكون وباليوز المعروفة باسم «المطرقة»، حيث اتهم الآلاف من الضباط والمسؤولين العلمانيين بمحاولة قلب الحكومة المنتخبة وطردوا من عملهم. وكان يعتقد أن الإسلاميين يحاولون الانتقام ممن قمعهم في السابق.

ولكن بعد أن طالت الاتهامات المسؤولين المقربين من أردوغان، أُسقطت القضية في العام 2014، وأطلق سراح كافة المتهمين، وقال مسؤول بارز إن المحاكمات كانت محاولة «للنيل من الجيش الوطني التركي».

ويرى الكاتب أن إلغاء تلك المحاولات عجل بوقوع الانقلاب العسكري الفاشل. فقد اتٌهم العشرات من الجنرالات المقبوض عليهم بعد الانقلاب بالمشاركة في هاتين المؤامرتين.

الانقلاب التركي

فرصة ذهبية

ما أدهش العالم فيما حدث هو أن ألد أعداء أردوغان من العلمانيين والديمقراطيين هم من أنقذوه من خيانة رفيقه السابق، جولن، الذي لولا أردوغان لما تعاظمت قوته. وهو ما اعترف به نائب رئيس الوزراء التركي محمد سيمسك.

لا يعرف بالضبط حجم جماعة جولن ومدى تغلغلها في مفاصل الدولة التركية. إلا أنه قد ظهرت كثير من الأدلة التي تؤكد تورط الرجل وجماعته في المحاولة الانقلابية. منها على سبيل المثال ما صرح قائد الأركان التركي خلوصي أكار بأن أحد الانقلابيين عرض عليه التحدث مع جولن عبر الهاتف.

يعتقد الكاتب أن السبب في فشل الانقلاب هو عدم انحياز الجنرالات أو المعارضة العلمانية إلى جانب منفذيه. وقد حاول جولن استمالة العلمانيين إلى صفوفه، عندما أطلق اسم «مجلس السلام الوطني» على الحكام الانتقاليين، وذلك اقتباسًا للمقولة الأتاتوركية الشهيرة «سلام في الداخل، وسلام في العالم».

لقد وصل الخلاف بين الحكومة والمعارضة قبل وقوع الانقلاب إلى تحاشي كلا الطرفين مصافحة الآخر. أما الآن فقد عاد الحوار بينهما مجددًا. فقد تبادل الطرفان الثناء والتحية على المواقف التي اتخذوها في ساعات الانقلاب العصيبة. وقد أقام حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض تظاهرة احتجاجية في ميدان تقسيم دعمًا للديمقراطية وذلك في حضور وزي الصحة وعمدة إسطنبول.

ويرى الكاتب أن على أنقرة انتهاز أجواء المصالحة. حيث يتوجب على أردوغان والمعارضة البحث عن نقاط الاتفاق بينهما لتمهيد الطريق نحو بحث المشكلات المثيرة للجدل، كسعي أردوغان إلى النظام الرئاسي بدلاً من البرلماني. وخطر تنظيم الدولة المتعاظم، والصراع طويل الأمد مع حزب العمال الكردستاني، وأزمة اللاجئين السوريين، والتباطؤ الذي أصاب نمو الاقتصاد التركي.

لقد وقف الأتراك وقفة تاريخية دفاعًا عن الديمقراطية، وقد آن الآن أوان إعادة بناء الدولة على أسس راسخة تدعم انتخابًا برلمانيًا قوي.ا، وتفتح الأبواب أمام الإعلام ليتحدث بحرية، وبناء مؤسسة قضائية حيادية ونزيهة، وحوار مجتمعي يشمل الجميع دون إقصاء. وإذا نجح أردوغان في ذلك سيخلد اسمه في التاريخ بأحرف من ذهب، أما إذا فشل، فلربما تتمزق تركيا أكثر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد