طرحت الكاتبة ريبيكا أسولين تساؤلًا حول الدول الغنية ولماذا لا يكون مواطنوها بالضرورة هم الأكثر سعادة، كان ذلك في تقرير لها عبر موقع مجلة «كريستيان ساينس مونيتور».

يقول التقرير إن فنلندا تحتل المرتبة الأولى في تقرير السعادة العالمي نظرًا للتوازن الصحي بين حياة المواطن وعمله، والثقة في الأنظمة الوطنية. في كل جانب من جوانب المجتمع تقريبًا – من صناع السياسات إلى الأعمال التجارية إلى المدارس – المزيد من الناس ينظرون إلى الرفاهية باعتبارها مؤشرًا للتقدم.

تقول الكاتبة: «السعادة تتمثل في أن تملك كوخًا صيفيًا خاصًا بك وحقل بطاطس». وتضيف: أو على الأقل هكذا يعرف هذا المثل الفنلندي مفهوم السعادة. الفنلنديون لهم علاقة جلية بحصول فنلندا على الصدارة في تقرير السعادة العالمي لعام 2018 الصادر في مارس (آذار) الماضي، على الرغم من أن ترتيبهم على الأرجح له علاقة أكبر بالثقة في الأنظمة الوطنية والتوازن الصحي بين الحياة والعمل عنه بالبطاطس والأكواخ الصيفية.

على مدار العقود القليلة الماضية ينظر صناع السياسات ورجال الأعمال وغيرهم بصفة متزايدة إلى وسائل الرفاهية بوصفها مقياسًا للتقدم، وباعتبارها «هدفًا إنسانيًا جوهريًا» من قبل الأمم المتحدة. تصدر المنظمة تقريرًا سنويًا للسعادة العالمية منذ عام 2012 . ومن بين 35 دولة هم أعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تقوم حاليًا 34 دولة منهم بجمع بعض البيانات حول الرفاهية كجزء من إحصاءاتهم الوطنية. حتى إن دولة الإمارات العربية المتحدة لديها وزير للسعادة.

يقول الاقتصاديون إن دفعة لدراسة الرفاهية نتجت عن الإحباط من قيود الناتج الإجمالي المحلي والذي يمثل المقياس العالمي للنمو. فالدول الأكثر سعادة – التي يصنفها باستمرار تقرير السعادة العالمي – لا تصطف في الحقيقة مع الدول الأكثر ثراء. فعلى سبيل المثال، هبطت الولايات المتحدة أربعة مراكز لتصل إلى المرتبة 18 في تقرير السنة الحالية، ويعود ذلك جزئيًا إلى ضعف أنظمة الدعم الاجتماعي هناك.

تنقل الكاتبة عن جان إيمانويل دي نيف، المحلل الاقتصادي في جامعة أوكسفورد والمحرر المساعد في تقرير السعادة العالمي، قوله: «على الجبهة السياسية يتولد لدينا ذلك الشعور المزعج بأن النمو من أجل النمو لا يترجم إلى رفاهية الإنسان».

وبحسب الكاتبة فإن تقرير السعادة العالمي يعتمد على استطلاع جالوب العالمي، والذي يتضمن أسئلة حول الدعم الاجتماعي مثل «إذا كنت في ورطة، هل لديك أقارب أو أصدقاء يمكنك الاعتماد عليهم لمساعدتك متى احتجت لهم، أم لا؟»، وأسئلة عن حرية الاختيار مثل «هل أنت راض أو غير راض عن حريتك في اختيار ما تفعله بحياتك؟». ويطلب الاستطلاع من الناس أن «يقيسوا» حياتهم بتخيلها سُلمًا، بحيث يصنفوا «أفضل حياة ممكنة لهم» في المرتبة العاشرة وأسوأها في المرتبة صفر.

يقول البروفيسور دي نيف: «نحن لا نفرض على الناس أي تعريف، بل نجعلهم يتحدثون عن أنفسهم. وفي اعتقادي أن هذا في حد ذاته قوي للغاية».

يضيف التقرير أن البيانات الخاصة بالرفاهية تتيح للدول تحديد وتهيئة الظروف لتحقيق الرفاهية بوسائل غير متوقعة في بعض الأحيان. فقبل عقد من الزمان أطلقت الحكومة الإسكتلندية إطار عمل لتحقيق الرفاهية مع رؤية لجعل إسكتلندا أكثر ثراءً، وعدلًا، وذكاءً، وصحة، وأمانًا، وأكثر قوة واخضرارًا. وباستخدام مؤشرات الرفاهية اتخذت الحكومة قرارات سياسية من ضمنها توحيد قوات إسكتلندا الشرطية الثماني إلى قوة واحدة.

كما تستطيع بيانات الرفاهية أن تتنبأ بسلوك بشري معين بشكل أفضل. فعلى سبيل المثال، في الفترة السابقة للربيع العربي كانت الرفاهية أفضل من النمو الاقتصادي كمؤشر للاضطراب الإقليمي. يقول دي نيف إن تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، أو انتخاب الرئيس ترامب، وغيرها من الموجات الجماهيرية يمكن فهمها أيضًا عن طريق النظر إليها من خلال عدسة الرفاهية.

وينقل التقرير عن جون هيلويل، الاقتصادي الكندي والمحرر في تقرير السعادة العالمي، قوله: «من ناحية سياسات الهجرة؛ توفر وسائل الرفاهية طريقة واضحة لتقييم نجاح الهجرة – إحدى بؤر التركيز في نسخة التقرير لعام 2018». حيث ينتهي المطاف بالمهاجرين إلى أن يصبحوا سعداء بحد مقارب لمستوى سعادة شعوب البلدان التي يهاجرون إليها، مما يوحي بأن سعادة المرء يمكن أن تتغير تبعًا لجودة المجتمع الذي يعيش فيه.

«لا يمكنك أن تأخذ مليار شخص وتنقلهم جميعًا للعيش في هيلسنكي – عاصمة فنلندا – وكوبنهاجن – عاصمة الدنمارك – بل يتحتم عليك التساؤل عما يخص هذه الدول ويجعل منها أماكن جيدة للمعيشة. لا تكون الإجابة ببساطة امتلاك النفط النرويجي والتقنية الدنماركية المتطورة ووسائل الاتصال في هيلسنكي، إنما يكون عن طريق كيفية تفكير الناس في بعضهم البعض، ومساعدتهم لبعضهم البعض ومعاملتهم لبعضهم البعض. وهذا بالطبع يمكن تحسينه في أي مكان»، هذا ما يراه هيلويل دليلًا لإمكانية تقاطر وسائل الرفاهية إلى المدن وأماكن العمل.

في عام 2016 في ولاية بوسطن الأمريكية طور مديرو المدينة «CityScore» وهو نظام لتتبع مستوى الرفاهية متضمنًا مستوى شعور السكان بالأمان. وبعد حدوث هبوط في مقياس الشعور بالسلامة، حددت المدينة سببًا غير متوقع، وهو طول الفترة الزمنية لتثبيت اللافتات وصيانتها في المدينة. وحين تمت معالجة تراكم الأعمال غير المنجزة بخصوص اللافتات عادت مستويات الشعور بالسلامة إلى معدلاتها السابقة.

واختتمت الكاتبة تقريرها بمقولة هيلويل: «إذا ما أخذت رفاهية الجميع بجدية، فإنك أكثر ميلًا لإطلاق العنان للناس لارتكاب الأخطاء والتعلم واللعب معًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد