3,777

قال تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» من إعداد برنت إنج، وهو مرشح للدكتوراه في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وخوسيه سيرو مارتينيز، مرشح للدكتوراه في قسم السياسة والدراسات الدولية بجامعة كامبريدج؛ إن النزوح الأخير للمدنيين والمقاتلين المتمردين من ضاحية الغوطة الشرقية في دمشق يُعد انتصارًا مهمًا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. ولكن علينا أن نتذكر كم مرة جرى الإعلان عن اقتراب سقوط نظام الأسد منذ بدء العنف في سوريا في أواخر عام 2011، وكيف تحدّى الأسد هذه التنبؤات. كيف أضعفت حكومة الأسد منافسيها؟ وكيف تمكنت من الاستمرار؟

وأضاف التقرير أن العنصر الحاسم لنجاح نظام الأسد أثناء الحرب كان الاستخدام الاستراتيجي للقصف الجوي. إذ استهدف نظام الأسد، مدعومًا بحلفائه، ولا سيما روسيا، البنية التحتية العامة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بما في ذلك المخابز والمستشفيات والأسواق والمدارس. وقد كتبت وسائل الإعلام وخبراء السياسات ومنظمات المساعدات الدولية عن الأبعاد الإنسانية والعسكرية لهذه الهجمات كثيرًا. ومع ذلك، يتجاهلون المنطق السياسي الرئيسي الذي يدعم هذه الهجمات الممنهجة.

إفشال حكم المعارضة

وتابع التقرير: تشرح نتائجنا أسباب قصف نظام الأسد للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة بشكل أفضل، كما أنها تساعدنا على فهم أسباب استمرار نجاح النظام في الحرب.

من عام 2013 إلى عام 2016، أجرى معدو التقرير أكثر من 100 مقابلة مع مدنيين ونشطاء وصحافيين وعمال إغاثة لاستكشاف أثر حملات القصف الجوي للنظام في محاولات مجموعات المتمردين المختلفة للحكم. ووجدوا أن تنفيذ المهام الأساسية للدولة من الإصلاح حتى التعليم، كان أحد أهم استراتيجيات الحكم لمجموعات المعارضة. ولذلك يستهدف نظام الأسد هذه المؤسسات والخدمات لتقويض المتمردين٬ وإلحاق الهزيمة بهم.

وأضاف التقرير أن إنجاز قوى المعارضة «مهام الدولة» يجعل السلطة السياسية ملموسة وواقعية للسكان المحليين. خلال الحرب، أقامت جماعات المعارضة نقاط تفتيش تتحكم في حركة الأشخاص والبضائع، وفرضت ضرائب على الشركات المحلية، وأسست المحاكم لحل النزاعات المحلية، وتنسيق الإنتاج الزراعي، وتنظيم التعليم المدرسي. وفي الحالات الشديدة لتنازع السيادة، يمكن أن تُضفي هذه المهام بعض الشرعية على الأطراف المعارضة. ونجاحهم بإنجاز هذه المهام يبرهن على قدرتهم العالية بادارة شئون الحكم٬ ويقدم للسكان بديلًا لنظام الأسد.

لماذا تهتم المعارضة بتقديم الرعاية للسكان؟

خلال الحرب الأهلية السورية، كانت محاولات المعارضة لأداء مهام الدولة متكررة ومدروسة وهادفة. وإحدى أهم هذه الممارسات اليومية كانت توفير الرعاية الاجتماعية، وتوفير سبل العيش للسكان المحليين؛ فتقديم الخدمات يبني المجتمع٬ ويشير إلى الانتماء للكيان السياسي.

ولفت التقرير إلى أن الرعاية في سوريا لها ارتباط قوي بالدولة، بسبب تطوير نظام التدخل لدى نظام الأسد. فمنذ مطلع السبعينيات، قدمت الحكومة السورية لمواطنيها مختلف أشكال الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك الرعاية الصحية المجانية٬ والتعليم٬ والأغذية المدعومة٬ والمرافق العامة. كان هذا جزءًا من اتفاقية اجتماعية ضمنية لتوفير السلع العامة مقابل الامتثال السياسي. وظل إرث هذا الاتفاق غير المعلن قويًا حتى يومنا هذا.

وقال التقرير إن محاولات المعارضة لتقديم الخبز والدعم الطبي في المناطق التي يسيطرون عليها، لا تثير الدهشة٬ فهما خدمتان تتمتعان بأصداء رمزية قوية في سوريا٬ وكثيرًا ما ورد ذكرهما في المقابلات التي أجراها معدا التقرير. في محافظة إدلب، لا تزال هذه المهام تشكل عنصرًا حاسمًا لإثبات الشرعية والدعم الشعبي للجماعات المتمردة حتى يومنا هذا.

بالمقابل، سعى نظام الأسد إلى تعطيل هذه الأعمال، من خلال القضاء على المؤسسات الإدارية والخدمات العامة التي تنمي العلاقات بين المعارضة والمدنيين، لنزع الشرعية عن منافسيه، ومنع ظهور بدائل متماسكة. فالقصف الجوي لا يلحق أضرار عسكرية ومالية ونفسية فقط؛ بل يقوض أيضًا مهام الرعاية التي تعزز حكم المعارضة وشعبيتهم.

خلال السنوات الثلاث الماضية، سمح هذا التكتيك للقوات الحكومية بتعزيز سيطرتها على المناطق الاستراتيجية، بالإضافة إلى تشريد السكان المحليين٬ وتركيز قوات المعارضة في مدن ومحافظات محددة. والأهم من ذلك أن هذا التكتيك منع الاستقرار المطلوب لبناء بدائل لمؤسسات النظام السوري.

ما هي الأسباب السياسية للكوارث الإنسانية؟

اليوم، يواصل نظام الأسد وحلفاؤه قصف إدلب دون هوادة، وهي أحد آخر معاقل التمرد في البلاد٬ ووجهة السكان الذين طردوا مؤخرًا من الغوطة الشرقية. تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن المنطق السياسي الذي يستند إلى هذا التكتيك لمكافحة المعارضة أكثر دهاءً مما يبدو عليه.

تسعى حملات القصف هذه ليس فقط إلى تدمير المواقع العسكرية٬ أو قتل المدنيين العاجزين؛ بل يسعون، إلى إفشال محاولات المعارضين لأداء المهام الحكومية كاملة من خلال التدمير المستهدف. في حين يستمر المدنيون في دفع الثمن، ويبدو أن النظام لن يتوقف حتى يقضي على أي بدائل محتملة لحكمه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك