قال مارتن وولف في مقال له في مجلة «فايننشال تايمز» إن الاقتصاد الأمريكي ليس تنافسيًّا وحرًّا كما يظن البعض. وأوضح وولف أن الكاتب توماس فيليبون أجرى تحليلاً مفصلاً لطريقة عمل الاقتصاد الأمريكي، وانتهى إلى تفنيد معظم ما يأخذه البعض أمورًا مسلّمًا بها عن الاقتصاد الأضخم في العالم.

على مدار العقدين الماضيين، ضمرت المنافسة في الاقتصاد الأمريكي، مما أنتج عواقب وخيمة. هذا ما أوضحه فيليبون في كتاب «الردّة الكبرى» المهم والمثير للجدل. لم تعد أمريكا موطن اقتصاد السوق الحرة، فالمنافسة ليست شرسة هناك أكثر من أوروبا، والجهات المنظمة لها ليست أكثر نشاطًا، كما أن رصيدها الجديد من الشركات العملاقة لا يختلف اختلافًا جذريًا عن سابقاته.

فيليبون، أستاذ بجامعة نيويورك، هو أحد الاقتصاديين اللامعين من أصل فرنسي الذين يدرسون الآن في الولايات المتحدة. ومن بين المشاركين الآخرين إستير دوفلو، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والحائز على جائزة نوبل مؤخرًا، وأوليفييه بلانشارد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، وإيمانويل سايز وجابرييل زوكمان، وكلاهما الآن في بيركلي.

ومع ذلك – يستدرك وولف – ليس من الواضح أن هؤلاء الخبراء يتشاركون هذه الأفكار، بصرف النظر عن أصلهم القومي وميلهم إلى عدم اتخاذ السوق الحرة أمرًا مسلمًا به. قد يؤكد المشككون في أطروحة فيليبون المثيرة للجدل أن الاقتصادي الفرنسي من الطبيعي أن يكون معارضًا أيديولوجيًا للرأسمالية الأمريكية. لكن فيليبون يصر على أنه يؤمن بحماسة في قيمة المنافسة. في الواقع، فإن كتاب «الردّة الكبرى» يحتوي على فصل يجادل حول ذلك. وتستند كل خطوة في حجته إلى تحليل دقيق للبيانات.

مؤشرات مثيرة للقلق

يلخص الكتاب النتائج بوضوح: «أولاً، أصبحت الأسواق الأمريكية أقل قدرة على المنافسة: المركزية مرتفعة في العديد من الصناعات، والقادة متمسكون بمناصبهم، وأرباحهم عالية للغاية. ثانيًا، أضر هذا النقص في المنافسة بالمستهلكين والعمال الأمريكيين: فقد أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض الاستثمار ونقص الإنتاجية. ثالثًا، وخلافًا للحكمة الشائعة، فإن التفسير الرئيسي هو التفسير السياسي، وليس التكنولوجي: لقد عزوتُ انخفاض التنافسية إلى زيادة الحواجز أمام الدخول وضعف إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار، بسبب جماعات الضغط والمساهمات في الحملات الانتخابية».

كل هذا مدعوم بأدلة مقنعة. على سبيل المثال، فإن أسعار خدمة الاتصالات ذات النطاق العريض broadband في الولايات المتحدة تقارب ضعف ما هي عليه في البلدان المماثلة. كما أن الأرباح على كل مسافر عبر شركات الطيران أعلى أيضًا في الولايات المتحدة عن نظيراتها في الاتحاد الأوروبي.

يوضح التحليل أن «حصص السوق أصبحت أكثر تركيزًا وأكثر ثباتًا، وزادت الأرباح». علاوة على ذلك، يؤدي التركيز الأكبر إلى زيادة الأرباح. كان التأثير كبيرًا بصفة عامة: إذ تضاعفت حصة الأرباح بعد الضريبة في إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة تقريبًا منذ التسعينيات.

هناك عدة أسباب لزيادة تركيز السوق – يشير وولف – ففي مجال التصنيع، لعبت المنافسة مع الصين دورًا في إخراج المنافسين المحليين من السوق. بالنسبة لبقية الاقتصاد، نحتاج إلى تفسيرات أخرى. في التسعينيات من القرن الماضي، دفعت الشركات الكبرى، بما في ذلك عملاق التجزئة Walmart، معدل الاستثمار ونمو الإنتاجية إلى الأعلى. ولكن حدث العكس مع بداية الألفية الجديدة، إذ أدى ارتفاع تركيز السوق إلى زيادة أرباح الشركات وانخفض معدل الاستثمار والإنتاجية.

يعكس هذا التركيز المتزايد انخفاضًا كبيرًا في عدد الشركات الجديدة وزيادة أنشطة الاندماج. بعبارة أخرى، شهد الاقتصاد الأمريكي انخفاضًا كبيرًا في المنافسة وارتفاعًا مماثلًا في احتكار القلة.

ينتقل فيليبون إلى إجراء مقارنات مع الاتحاد الأوروبي – يضيف وولف – قد يتساءل بعض القراء: أليس الاتحاد الأوروبي كارثة اقتصادية؟ عندما يقارن المرء التغيرات في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد، فإن الجواب هو: ليس حقًا.

اقتصاد أوروبا ليس سيئًا كما نعتقد

من عام 1999 إلى عام 2017، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بنسبة 21% في الولايات المتحدة، و25% في الاتحاد الأوروبي و19% في منطقة اليورو، على الرغم من الأضرار التي وقعت بسبب التعامل غير الكفء مع أزمتها المالية. كما أن مستويات عدم المساواة والاتجاهات في توزيع الدخل أقل سلبية في الاتحاد الأوروبي، لذلك قُسمت الزيادات في الدخول بصورة أكثر توازنًا.

باختصار، المقارنات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لها ما يبررها. فهي تظهر عدم زيادة هوامش الربح ولا تركيز السوق في الاتحاد الأوروبي كما حدث في الولايات المتحدة. لقد انخفضت حصة الأجور والمرتبات في إجمالي الدخل – ما يسمى «القيمة المضافة» – للأعمال بما يقرب من 6% في الولايات المتحدة منذ عام 2000، ولكن لم تتغير قط في منطقة اليورو. هذا يدمر الفرضية القائلة إن التكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للتحول الهبوطي في حصة دخل العمل. لقد أثرت التكنولوجيا على جانبي الأطلسي بنفس المقدار.

لكن فيليبون يؤكد أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي ليس أقوى من جميع النواحي. على العكس – ينوه وولف – «لدى الولايات المتحدة جامعات أفضل ونظام أقوى للابتكار، يبدأ من رأس المال الاستثماري إلى الخبرة التكنولوجية».

ومع ذلك، زادت المنافسة في أسواق المنتجات في الاتحاد الأوروبي على مدار العقدين أو الثلاثة الماضية. ويعكس هذا إلغاء القيود داخل السوق الموحدة – بالنظر إلى مأساة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ابتكار سياسي في المملكة المتحدة نشأ في حقبة مارجريت تاتشر – وسياسة تنافسية أكثر جرأة واستقلالية. لقد حول جانبا الأطلسي تركيزهما نحو الحاجة إلى الحفاظ على المنافسة وتعزيزها.

أحد الافتراضات الرائعة هو أن الاتحاد الأوروبي قد أنشأ هيئات تنظيمية أكثر استقلالية. وهذه نتيجة صحية لانعدام الثقة المتبادل داخل الاتحاد الأوروبي. تمقت الدول الفردية فكرة التعرض لأهواء الأعضاء الآخرين عندما يتعلق الأمر بالتنظيم، وبالتالي تفضل وجود المؤسسات المستقلة تمامًا. وهذا مفيد بشكل خاص للبلدان ذات الهيئات التنظيمية الوطنية الضعيفة. كما أن استقلالية هيئاته التنظيمية تجعل العودة إلى ممارسة الضغط منخفضة نسبيًا داخل الاتحاد الأوروبي.

تعكس هذه التطورات الاختلافات في السياسة – يؤكد وولف. إن الضغط ضد إلغاء التشريعات المنظمة هو أشد ضراوة في الولايات المتحدة. وتشير الأدلة بقوة إلى أن هذا الضغط، الذي تمارسه الشركات الكبيرة، ناجح.

دور المال في رسم سياسة أمريكا

إن البيانات المتعلقة بدور المال في السياسة الأمريكية أكثر غرابة. يقضي أعضاء الكونجرس حوالي 30 ساعة في الأسبوع في جمع الأموال. قضى القرار المبهم الصادر عن المحكمة العليا عام 2010 في قضية منظمة Citizens United بأن الشركات أشخاص وأن المال هو خطاب. وقد دفع هذا بشدة الولايات المتحدة نحو حكم طبقة من الأثرياء.

وكما ذكر النائب السابق ميك مولفاني في أبريل نيسان 2018، «إذا كنت من جماعات الضغط التي لم تقدم لنا المال، فلن أتحدث إليك. أما إذا كنت العكس، فقد أتحدث إليك».

إن ضغط الشركات يبلغ ضعفين إلى ثلاثة أضعاف في الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبي – يضيف وولف – وتبلغ التبرعات للحملة الانتخابية 50 ضعفًا في أمريكا عنها في الاتحاد الأوروبي. يتقصى الكتاب أيضًا الوضع في ثلاث صناعات مهمة: التمويل والرعاية الصحية والتكنولوجيا.

فيما يتعلق بالتمويل، فإن تكلفة الرسوم التي يتقاضاها المصرفيون والوسطاء مقابل المدخرات وتحويلها إلى المستخدمين النهائيين ظلت حوالي 2% لمدة قرن.

هناك شيئان عن أمريكا لن يفهمهما معظم الغرباء: قوانين السلاح ونظام الرعاية الصحية. تنفق الولايات المتحدة أكثر بكثير على الرعاية الصحية، بيد أن الحالة الصحية أسوأ بكثير من أي دولة أخرى ذات الدخل المرتفع. فكيف حدث هذا؟ يتساءل وولف.

الجواب هو أن النظام يخلق احتكارات لاستخراج الإيجار من الأعلى إلى الأسفل: الأطباء والمستشفيات وشركات التأمين وشركات الأدوية كلها تتغذى على هذا الدفق الزائد.

أخيرًا، يلقي فيليبون الضوء على ما يسميه تحالف GAFAMs؛ Google وAmazon وFacebook وApple وMicrosoft. ويوضح أن الثقل الاقتصادي لهذه الشركات العملاقة ليس أكبر من وزن عمالقة الماضي. لكن صلاتهم بالاقتصاد ككل أضعب بكثير. لذلك، فليس من المفاجئ أن يكون تأثيرها على نمو الإنتاجية متواضعًا نسبيًا.

يتحدى المؤلف بشكل مقنع الرأي القائل بأن مراكز احتكار هذه الشركات هي المنتج الطبيعي لاقتصاديات الحجم وتأثيرات الشبكة. لذلك يمكن القيام بشيء ما. وهو منع الشركات المهيمنة من الاستحواذ أو إجبارها على الحد من قدرتهم على استغلال نفوذهم بفرض إمكانية التشغيل المتداخل مع الشبكات الأخرى وإمكانية نقل البيانات؛ وتقسيمها.

يشير الكتاب أيضًا إلى ارتفاع مستوى الاحتكار في أسواق العمل – يشدد وولف – من خلال العقود المقيدة، والترخيص المهني.

ومثلما عرف الاقتصاديون منذ آدم سميث، فإن الشركات ستحاول فرض قيود على المنافسة. والنتيجة هي الرأسمالية الريعية، وهي غير فعالة وغير شرعية من الناحية السياسية. ومع ذلك، تكمن الصعوبة في أنه يمكن أن يكون من السهل للغاية على شاغلي الوظائف شراء الحماية السياسية والتنظيمية التي يريدونها.

ماذا تريد الولايات المتحدة؟ يجيب فيليبون بالقول: دخول حر؛ وأن يستعد المشرعون لارتكاب الأخطاء عند العمل ضد الاحتكار؛ وحماية الشفافية والخصوصية وملكية البيانات من قبل العملاء. إن العقبة الكبيرة أمام العمل في الولايات المتحدة هي سيطرة المال على السياسة. والنتائج هي احتكار وحكم القلة.

يعتبر دونالد ترامب في نواح كثيرة نتاجًا للرأسمالية المعيبة الموصوفة في كتاب «الردّة الكبرى». ولكن ما تحتاجه الولايات المتحدة هو تيدي روزفلت آخر يحظى بالثقة. فهل ما يزال ذلك ممكنًا؟ يجب على جميع المؤمنين بفضائل الرأسمالية التنافسية أن يأملوا ذلك.

https://sasapost.co/translation/us-economy-recession/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد