هذا المقال قد كُتِب بعد أحداث 11 سبتمبر بوقت قليل، ويوضح أن الإرهابيين يُصنعون لا يُولَدون، وأنهم عادة لا يصبحون كذلك بسبب الفقر، الحرمان، نقص التعليم، الشعور باليأس، ولا حتى بسبب معتقدات دينية، فغالبًا لا يكون الإرهابيون فقراء، وتجد الكثير منهم متعلمين، والقليل منهم هم من يعانون من أمراض واضطرابات عقلية.

ولكن الشبكات الاجتماعية غالبًا ما تكون مسؤولة عن الإرهاب. فمن غير الممكن أن نفهم أسباب الإرهاب دون أن نفهم ظاهرة الاستقطاب الجماعي ودور الجماعات في ذلك.

ومن المؤكد أن العالم قد تعلم الكثير منذ كتابة هذا المقال، ولكن هذا المقال يبدو أنه ذو صلة بأحداث باريس وله صلة بما قد نواجهه في السنوات القادمة.

الهدف من هذا المقال هو تسليط الضوء على سؤال تمت مناقشته كثيرًا عقب أحداث 11 سبتمبر، والسؤال بكل بساطة هو: لماذا يكرهوننا؟ أعتقد أن جزءًا كبيرًا من الإجابة لا يتعلق بالإسلام، ولا بالدين عمومًا، ولا حتى بأسامة بن لادن، ولكن تتعلق الإجابة بالسلوك الاجتماعي للبشر وخصوصًا عملية الاستقطاب الجماعي.


الاستقطاب الجماعي هو أن مجموعة من الناس لهم نفس الأفكار، يناقشون هذه الأفكار مع بعضهم البعض، فيدفعهم ذلك في النهاية إلى التطرف، وخاصة لو كان بعض هؤلاء الناس متطرفين بالأساس فهذا يؤدي لنتائج أكثر خطورة.

فلا يوجد ما يُسمى بالاستعداد الطبيعي للإرهاب، حتى بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون في أفقر الدول. فالإرهاب عادة ما يكون نتيجة للضغوط الاجتماعية.

يمكننا القول بأن حرية إنشاء الجمعيات يساعد على توليد الاستقطاب الجماعي، والذي قد يكون جيدًا في بعض الأحيان، ولكنه خطير للغاية في أحيان أخرى. ومن هنا يمكننا فهم السبب من وضع عقوبات على المؤامرة، وهو أن هؤلاء المتآمرين من المحتمل أن يتجهوا في اتجاهات أكثر تطرفًا وأكثر خطورة.

لذا فأحد وسائل القضاء على الإرهاب هي القضاء على الإرهابيين المبادرين الذين ينشئون مجموعات للأشخاص ذوي الأفكار المتشابهة.

ربما هذا الحل يبدو أنه تقييد لحرية تكوين المجموعات، وهو شيء تحترمه كل الدول الديموقراطية. ولكننا نتحدث عن التآمر والإرهاب لقتل مواطنين، لذا فمزاعم حرية تكوين المجموعات تبدو غير مبررة. التآمر هو الجانب المظلم لحرية تكوين المجموعات، وهو كثيرًا ما يؤدي في النهاية إلى بالإرهاب.

الظاهرة الأساسية: الدور الذي تلعبة المجموعات

في عام 1962، قام جيمس ستونر بمحاولة لفهم الأحكام الفردية والأحكام الجماعية، وقد فعل ذلك محاولًا إثبات خطأ اعتقاد مسبق لديه بأن المجموعات تميل لتؤمن برأي وسط بين آراء أعضائها.

قام ستونر بسؤال الناس مجموعة من الأسئلة تتضمن سلوك المخاطرة، على سبيل المثال: في الثواني الأخيرة من مباراة لكرة القدم هل تفضل اللعب الآمن أم المخاطرة؟ هل يمكن أن تستثمر أموالك في أسهم ذات عائد مرتفع ولكنها أقل أمانًا؟ هل تفضل أن تلتحق بمدرسة دراسات عليا ذات مكانة رفيعة ولكن الكثيرون يفشلون في التخرج منها، أم تفضل الالتحاق بمدرسة أقل في المستوى ولكن الجميع يتخرجون بنجاح؟

سجل ستونر إجاباتهم بشكل أولي، ثم طلب منهم أن يتوصلوا إلى قرار كمجموعة، ثم طلب من الناس إبداء آرائهم بعد صدور حكم المجموعة، وأخبرهم أنه لا مانع من أن يختلف رأيهم عن رأي المجموعة. وكانت النتيجة أنه في 12 من أصل 13 مجموعة، كان قرار المجموعة يميل إلى المخاطرة. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تحول واضح في الآراء الفردية. من هنا اكتشف ستونر أن المجموعة تميل إلى المخاطرة، وتدفع أعضاءها كذلك للمزيد من المخاطرة.

ما السبب إذًا في هذه النتائج؟ أظهرت دراسات لاحقة أن الجماعات تميل إلى السير باتجاه يتوافق مع الآراء المسبقة لأعضائها ولكن بشكل أكثر تطرفًا. فمثلًا، عندما يتحدث مجموعة من الناس الذين يحملون نفس الأفكار مع بعضهم، فمن المرجح أن يصبح تفكيرهم أكثر تطرفًا عما كانوا عليه قبل بدء الحديث.

على سبيل المثال، عندما يتحدث مجموعة من الناس ممن يعتقدون أن أنصار البيئة هم على صواب وأن كوكبنا في خطر حقيقي، سيزداد هذا القلق بعدما يتحدثون مع بعضهم البعض. ولو كان هناك بعض الناس من غير المؤيدين للولايات المتحدة وممن يشككون في نواياها، سيصبحون أكثر رفضًا لها وتشكيكًا فيها إذا تبادلوا وجهات النظر. ويبدو أن ما حدث في فرنسا ما هو إلا مثال آخر لهذه الظاهرة.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى الإرهاب أن أعضاء الجماعة الواحدة يعتقدون بأنهم لديهم هوية مشتركة وهذا يؤدي إلى تصاعد الاستقطاب. عندما يشعر الناس أنهم متحدون تحت راية واحدة (كالسياسة، والضرورة) فإن المعارضة الداخلية تتضاءل بشكل كبير. عندما يشعر أعضاء المجموعة بأن ثمة روابط تجمع بينهم، يزداد الاستقطاب وبالتالي يزداد حماسهم نحو التطرف. أمر آخر، هو أن المتطرفين يكونون أكثر عرضة للاستقطاب، فنلاحظ أنه عندما يعمل اللصوص في مجموعة يكونون أكثر تهورًا مما يكون عليه الأفراد.

؟

لماذا الحديث عن الاستقطاب تحديدًا؟

بالحديث عن تفسير قيام هذه الحركات، نرى أن تشابه الأفكار يلعب دورًا كبيرًا ، ولكن هناك عاملان أكثر أهمية بشأن هذا الأمر يلعب كل منهما دورًا مهمًا في كل منظمة إرهابية. أول هذه العوامل هو النقاش وتقديم الحجج والبراهين، وهي قاعدة علمية ثابتة بأن الناس يفضلون الاستماع إلى البراهين التي يقدمها الآخرون لإثبات أمر ما، وبالحديث عن مجموعة لها أفكار أولية واحدة وقاعدة يمكن البناء عليها، سيكون من السهل بكل تأكيد تمرير أفكار أكثر تطرفًا لكل المجموعة إذا كان هناك جزء بسيط يؤمن بهذا الأمر ويملك الأسباب التي تفسر سلوكه. على سبيل المثال أن يكون هناك جزء من المجموعة يميل تجاه الأعمال العدائية تجاه الولايات المتحدة مدعمًا هذا الموقف بما يراه من مشاركة أمريكا في حملات كثيرة لمحاربة الإسلام وإذلال المسلمين، وهو بالتأكيد ما يؤمن به بقية أعضاء المجموعة، هنا سيكون من السهل نقل فكرة الأعمال العدائية لباقي المجموعة.

بالحديث عن العامل الثاني وهو التأثير الإجتماعي، لدى كل منا مفهوم ما عن نفسه وشخصيته وهو ما يحب أن يراه الناس به، يعتقد أغلب الناس أنهم مختلفون عن الآخرين بدرجة. على سبيل المثال، اذا كتان لديك فكرة عدائية تجاه الغرب، واعتقاد بأن جورج بوش على سبيل المثال له طموحات استعمارية واجتمعت مع أشخاص لهم نفس الفكرة فإن النتيجة المؤكدة هي وصول كل منكم إلى أقصى درجات التشدد في هذه الفكرة لأن كلًّا منكم سيحاول زيادة واختلاف فكرته عن الآخرين فتصل المجموعة بالكامل إلى ما نتحدث عنه.

قادة الإرهاب هم رواد أعمال ناجحون جدًا في مجال الاستقطاب

يمكننا أن نصف قادة الإرهاب برواد أعمال في هذا المجال، حيث يمكنهم جمع بل وخلق قاعدة من المؤمنين بنفس الفكرة، يرفضون أي أفكار معارضة ولا يتسامحون مع أي خلاف داخلي، يستطيعون خلق روح قوية من الأخوة والتضامن بداخل مجموعاتهم مدعمين كل هذه الأمور بالرأي الجماعي للمجموعة والذي دائمًا ما يكون في نفس الاتجاه، هم أنفسهم يحركهم هذا الشغف الكبير الناتج من دعم المجموعة. على سبيل المثال، ضع في اعتبارك الآتي:

  • لا يضع الإرهابيون إحتمال خطأ أفكارهم، أي خطأ يلقون باللوم فيه على عوامل من خارج المجموعة وهذا لحاجتهم الملحة في الانتماء والاستمرار داخل هذه المجموعة لذا يكون أمر استمرار المجموعة مبررًا دائمًا، وكذلك الأعمال الإرهابية التي يقومون بها، يصبح استمرارها أمرًا مهمًّا لإعطائهم الثقة والفخر حتى وإن كانت بعض هذه الأعمال في بعض الأحيان بلا أهمية ولا تضيف شيئًا هامًا لهم. يمكننا القول أيضًا بأن هذه المجموعات تحول الضغوط النفسية الواقعة عليهم إلى مزيد من التطرف.
  • كنتيجة أخرى للحافز النفسي نجد أن هناك ديناميكية شديدة داخل المجموعات الإرهابية حيث تستمد قوتها من اتخاذ القرارات بالإجماع ولا تتسامح مع من يعارض، حيث يصعب مع إقتناع أعضاء المجموعة بالكامل بأن عدوهم هو الشر ذاته وأن يكون هناك من يعارض عملية ما على سبيل المثال. لا يميل أعضاء هذه المجموعات نحو التسامح على الإطلاق، وكصفة عامة في المجموعات الاجتماعية (بدءًا من الأسرة والعشيرة والقبيلة) يكون هناك ميل نحو التضحية بالذات وهو ما يفسر بعض العمليات الانتحارية أحيانًا.

أنماط التدريب التي تتلقاها هذه المجموعات تقوي من إيمانهم بفكرتهم وكذلك من تكاتفهم نحو تحقيق هدفهم، هذا أيضًا ما قام به هتلر حيث قام بتكوين مجموعة وجعل من الأفكار المتشددة وقودًا لتسيير هذه المجموعة، كذلك أيضًا أعضاء تنظيم القاعدة يتم عرض بعض مقاطع الفيديو لما يتعرض له إخوانهم المسلمين في فلسطين والبوسنة والشيشان كجزء من تدريبهم، مما جعل إيمانهم بما يقومون به يصل إلى قمته.

الآثار المترتبة والدروس التي يجب فهمها

ما الذي يجب أن يتعلمه رجال السياسة والقانون؟

أبسط الأمور اذا كانت هناك دولة أو أمة ترغب في منع الأنشطة الإرهابية على أراضيها، هو وجود إستراتيجية محكمة لمنع إنشاء المجموعات القائمة على الأسس السابقة التي تحدثنا عنها، فبدون هذه المجموعات سيكون كل فرد منها منشغلًا بعمله وحياته حيث أن أساس التطرف هو تكون المجموعات والتحرك الجماعي في أغلب الأحيان، فإذا تم تطبيق ذلك تقل احتمالية تكوين إرهابيين جدد بدرجة كبيرة جدًّا.

الدرس الثاني الذي يجب تعلمه هو التوعية السياسية والتشجيع نحو الاتجاهات السياسية المعتدلة، هذا أمر غاية في الأهمية حيث أن أية مجموعة سياسية – حتى اليسارية منها – يمكن أن تبني أفكارًا متطرفة لذا فهذا الأمر يجب أن يصبح دورًا أساسيًا للسلطة بدءًا من التوعية والتصحيح وصولًا للمتابعة.


الدرس الثالث هو ضرورة الحفاظ على توازن المجتمع وعدم السماح بسيطرة طرف واحد، المواطنون في الدول الديمواقراطية سيرون أهمية ذلك الأمر جدًا، الاستقطاب في حد ذاته هو أمر يحدث في كل مكان (ربما في المجالس التشريعية ومنظمات العمل المدني) ولكنه ليس بالضرورة أمرًا سيئًا، يمكن النظر إليه في بعض الأحيان كعامل إيجابي يمكن البناء عليه.

من الدروس الهامة أيضًا الواجب تعلمها هو أهمية طرح نقاش فعّال حول حرية بناء المجموعات بشكل عام، حرية تكوين المنظمات والمجموعات هي بالتأكيد جزء لا يتجزأ من العملية الديموقراطية ولا ينكر أي منا هذا الأمر ولكن علينا أيضًا ملاحظة أن هذا الأمر يقود بالتأكيد إلى الاستقطات وميل الأشخاص إلى الانضمام لمجموعات تعزز من الفكر الذي يؤمنون به وهو بدوره ما يقود إلى ما تحدثنا عنه سابقًا من التفتت الاجتماعي والعداوات الاجتماعية والعنف في بعض الأحيان. لذلك فإن الوصول لحل بشأن هذا الأمر وأن يكون هذا الحل منطقيًّا لجميع الأطراف هو التحدي الأكبر الذي يواجه الدول التي تسعى إلى تكوين مجتمعات أكثر أمانًا وبعدًا عن خطر الإرهاب والتطرف.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد