ساعات قليلة تمر وكأنها قرنٌ من الزمان من شدة وطأتها أو من فراغ لا متناهٍ يملؤها، وسنواتٌ تنساب من بين ثنايا ذاكرتنا كما لو كانت ثوانٍ قليلة، أو أنها لم تحدث من الأساس. لماذا هذه المفارقة؟ أليس الزمن مقسمًا لوحداتٍ قياسية: السنة 12 شهرًا، والشهر أربعة أسابيع، والأسبوع سبعة أيام.. وهكذا وصولًا للدقيقة 60 ثانية، أو ما هو أدنى من الثانية.

لماذا يتغير إحساسنا بالزمن؟ ولماذا ذلك التباين في طريقة إدراكنا لمرور الوقت؟

لعله السؤال الأبرز الذي شغل كاتب التقرير «مايكل فلاهرتي» -أستاذ علم الاجتماع بكلية إيكارد- على مدار أكثر من ثلاثين عامًا. غمره انبهار لدى مشاهدته مقابلة مسجلة مع لاعب ظهير ربعي في أحد الفرق المشاركة في الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية، فسَّر اللاعب خلال المقابلة كيف أنه أثناء المباراة في الملعب كان يرى اللاعبين الآخرين يتحركون ببطء.

يقول «مايكل»:

«لا يولد أحد بإحساس طبيعي أو ذاتي بالوقت، إنما يجب أن يتعلم الأطفال الرضع تنسيق وتوافق سلوكياتهم مع بقية العالم».

وحتى يتحقق ذلك، هم يتطلبون الرعاية والانتباه ليلًا نهارًا، مُكَدِّسين جداول آبائهم اليومية بهذا الانتباه.

بالنسبة لنا جميعًا، يمكن أن يكون السفر مقلقًا وفيه تغير كبير، خاصةً إذا كنا مسافرين إلى مكانٍ حيث الوقت منتظم بطريقةٍ مغايرة لما اعتدنا عليه. على سبيل المثال في إسبانيا بنظام القيلولة، ففي مدينة أدور الإسبانية صدر قانون يحتم على المواطنين أخذ القيلولة والاستراحة في بيوتهم ما بين الساعة الثانية ظهرًا حتى الخامسة مساءًا.

لكننا جميعًا في نهاية المطاف نتمكن من التَكَيُّف -بما في ذلك الأطفال الرضع- عن طريق التكيف مع نظام وحدات الزمن القياسية المتمثلة في الدقائق والساعات والأيام والأسابيع.

وعلى الرغم من فعالية هذا النظام، ما يزال هناك اختلافٌ كبير بين كيفية استقبالنا لمرور الوقت، على سبيل المثال: إحساسنا بتباطؤ الوقت عندما نكون بانتظار تحول إشارة المرور إلى اللون الأخضر، أو إحساسنا بسرعته عند صدمتنا لدى معرفتنا أن العام قد انتهى ومر سريعًا.

لماذا يحدث ذلك التشوه ؟ وما الذي يسببه؟

الوقت يمر ببطء: أحد النقيضين!

يقول الكاتب إنه قام بجمع مئات القصص من أناس من جميع المستويات والبيئات، إذ قاموا بوصف بعض الأحداث التي بدى الوقت فيها أنه يمر ببطء. مع الاشارة إلى أن الظروف المحيطة كانت متنوعة ومختلفة للغاية، إلا أنه بشكل عام يمكن تصنيفهم إلى 6 تصنيفات عامة.

  1. أولًا: هناك المعاناة الشديدة، مثل التعذيب أو المتعة الغامرة مثل الاستمتاع الجنسي. (الوقت لا يمر سريعًا دائمًا عندما تكون مستمتعًا).
  2. ثم هناك العنف والخطر: على سبيل المثال، الجنود عادة ما يصفون الوقت أنه بطيء في أوقات القتال.
  3. الانتظار والملل: ربما يكونان الأكثر انتشارًا: الحبس الانفرادي يعد النسخة المتطرفة لهذا التصنيف، لكن أن تكون عاملًا على أحد مكاتب المحاسبة في حين لا يوجد عملاء، أيضًا يؤدي إلى نفس النتيجة.
  4. ذكر الناس أن وقوعهم تحت تغير في حالة الإدراك، مثل وجودهم تحت تأثير تعاطي المخدرات، مثل مخدرات الهلوسة والمسكالين والبيوت، كلها ستجعل الوقت يبدو كما لو أنه يبطئ.
  5. تليها في التصنيف، المستويات العالية من التركيز والتأمل: إذ يمكنها أن تؤثر على مرور الوقت من المنظور الشخصي. العديد من الرياضيين على سبيل المثال يتصورون أن الوقت يمر أبطأ عندما يكونون في نطاق الملعب. إلا أن الناس البارعين في التأمل يمكنهم أن يولدوا تأثيرات مماثلة.
  6. وأخيًرا، هناك الصدمة والجدة: على سبيل المثال يمكن أن يبطئ تصورنا للوقت عندما نفعل شئ ما للمرة الأولى أو شئ جديد مثل تعلم مهارة صعبة، أو الذهاب في رحلة إلى مناطق غريبة نائية.

وعلى النقيض، من المفارقة أن الوقت يبدو أنه يمر ببطء في المواقف حيث بالكاد يحدث أي شيء، أو أن شيئًا عظيمًا يحدث. أو بعبارة أخرى أن يكون تعقيد الموقف إما أكثر من المعتاد أو أقل منه.

فما التفسير لهذا التناقض؟

من ناحية الساعة أو التقويم، تتشابه كل الوحدات الزمنية قياسيًا؛ إذ إن كل دقيقة تحتوي على ستين ثانية، وكل يوم يحتوي على 24 ساعة، ولكن تختلف وحدات الزمن القياسية فيما أطلق عليه «كثافة الخبرة البشرية»، وهو حجم المعلومات الموضوعية أو غير الموضوعية التي يحملونها.

على سبيل المثال، تكون كثافة الخبرة عالية موضوعيًا، عندما يحدث شيء جلل -مثل حالات القتال، إلا أن كثافة الخبرة قد تصل أيضًا إلى مستوى مساوٍ عندما لا يحدث شيء تقريًبا -كحالة الحبس الانفرادي، لأن هذه الفترة من الزمن، والتي تبدو «فارغة»، في الحقيقة مُلئت بتدخلاتنا غير الموضوعية ذاتيًا وموقفيًا، فنحن نركز على أفعالنا الشخصية أو ما يحيط بنا، ونفكر في مدى كربة ظروفنا، أو أن ننغمس في هاجس مدى بطء مرور الوقت.

لذلك، فإن الجواب على هذا التناقض، يكمن في مدى استثنائية الظروف المحيطة بنا، إذ نبدي اهتمامًا متزايدًا للملابسات الغريبة؛ ما يعظم كثافة الخبرة لكل وحدة زمنية قياسية، وبالتالي يبدو الوقت وكأنه يمر ببطء.

اقرأ أيضًا: لماذا نشعر بمرور الوقت أسرع كلما تقدمنا في العمر؟

كيف يمر الوقت؟

بناءً على ما سبق، يبدو أن الوقت يمر سريعًا عندما تنخفض كثافة الخبرة لكل وحدة زمن قياسية بشكل غير طبيعي، فإن هذا «الانضغاط للزمن» يحدث عندما ننظر إلى ماضينا البعيد أو القريب، هناك شرطان عامان بإمكانهما أن يضغطا تصورنا للوقت.

أولهما، هناك المهام الروتينية، فعندما نتعلم القيام بهذه المهام، يتطلب ذلك كامل انتباهنا، لكن بعد أن تصبح مهامًا اعتيادية، سوف ننخرط في مثل هذه الأنشطة دون تكريس الكثير من الانتباه لما نقوم به،كسلوك الطريق المعتاد عند القيادة إلى المنزل.

وبافتراض أن لديك يومًا حافلًا في العمل، ربما تقوم بأعمال معقدة، إلا أنها أصبحت روتينية؛ لأنك اعتدت أداءها لفترات طويلة، وبالنظر إلى أننا نتصرف دون تفكير تقريًبا، فإن كل وحدة زمنية قياسية تحتوي على قدرٍ ضئيلٍ من الخبرات البارزة، إذ تنخفض «كثافة» الخبرة الفريدة من نوعها. وبالوصول إلى نهاية اليوم، يبدو الوقت وكأنه مر سريعًا. «ونفاجأ بكل سرور لدى اكتشاف أنه حان وقت العودة للمنزل».

الشرط العام الثاني هو تلاشي الذاكرة العرضية -ذاكرة أحداث السيرة الذاتية- والذي يجعل الزمن يبدو وكأنه مر سريعًا. وهو شيء يؤثر علينا جميعًا طوال الوقت؛ إذ تتلاشى ذكرياتنا عن الأحداث الروتينية التي تملأ أيامنا بمرور الوقت. ماذا فعلت في السابع عشر من الشهر الماضي؟ ما لم تكن هناك مناسبة خاصة، على الأرجح تكون قد نسيت كافة أحداث ذلك اليوم.

من جهة أخرى، يتعاظم هذا النسيان كلما نظرنا للماضي، ففي دراسة أخرى، طلب «مايكل» من الناس أن يصفوا تصورهم لمرور الوقت «أمس والشهر الماضي والعام الماضي»، فكان وصفهم كالتالي: شعروا أن العام الماضي قد مر بشكل أسرع من الشهر الماضي، وكذلك الشهر الماضي قد مر بشكل أسرع من أمس، إلا أنه من حيث الموضوعية، هو أمر غير منطقي بطبيعة الحال، لأن السنة أطول باثني عشرة مرة من الشهر، والشهر أطول بثلاثين مرة من اليوم، ولكن بسبب تلاشي ذاكرة الماضي لدينا، تنخفض كثافة الخبرة لكل وحدة زمن قياسية، مخلفةً لدينا الاعتقاد بأن الوقت قد مر بسرعة.

الساعة لا تزال مسيطرة.. تخيم على حياتنا!

«تعلمنا أن نترجم خبراتنا إلى وحدات زمنية قياسية»

على الرغم من ذلك، فإن الحالة التي وصفها الكاتب أعلاه، ما هي إلا حالة شاذة، فنحن في الواقع لا نشعر بسرعة أو ببطء مرور الوقت، ففي ظل الظروف العادية، العشر دقائق وفقًا للساعة، نشعر بها أيضًا عشر دقائق، فعندما تتفق مع شخص ما أن تقابله بعد عشر دقائق، تصل تقريبًا في الوقت المحدد دون النظر في الساعة، يحدث ذلك لسبب واحد، وهو أننا تعلمنا أن نترجم خبراتنا إلى وحدات زمنية قياسية، والعكس صحيح.

إننا نستطيع القيام بذلك بسبب وجود تماثل في خبراتنا يومًا بعد يوم، تماثل ناتج عن أنماط مجتمعية متكررة متوقعة، فنحن في أغلب الأوقات لا نقبع في حبس انفرادي أو نزور دولًا جديدة؛ وهو ما يجعل كثافة الخبرة لكل وحدة زمن قياسية معتدلة ومألوفة، وبالتالي ندرك القدر الأمثل من الخبرة الذي تحتويه عشر دقائق.

شيء واحد فحسب بإمكانه أن يغير الروتين -كيوم استثنائي حافل بالعمل، أو استراحة لاسترجاع أحداث العام الماضي- سوف يقلل من الكثافة المعتادة للخبرة لكل وحدة زمنية قياسية، ويترك لنا انطباع أن ذلك الوقت قد مر سريعًا بالفعل.

وبالمثل، يستطيع حادث سيارة -كحادث تصادم استرعى انتباهنا الكامل أيضًا ـ أن يملأ كل وحدة زمنية قياسية على الفور بخبرات ذاتية وموقفية؛ ما يجعل الحادث يبدو كأنه يحدث بالتصوير البطيء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد