في الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس الأمريكي عن صفقةٍ جديدة أكثر حزمًا مع إيران، يُقوض المتشددون داخل إدارته أي فرصةٍ للتفاوض. وهو ما حدث مؤخرًا بفرض العقوبات على وزير الخارجية الإيراني وعراب الاتفاق النووي، محمد جواد ظريف.

وتفاعل عدد من المحللين السياسيين مع العقوبات الأخيرة التي رأوا فيها تقويضًا لأي أملٍ في مفاوضات أمريكية- إيرانية جديدة. لذا رصد ماثيو بيتي، مراسل مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، بعض ردود أفعال المحللين في تقرير المجلة.

يقول الرئيس دونالد ترامب إنه يريد التفاوض مع إيران، لكن العناصر المتشددة في إدارته أغلقت آخر نافذةٍ ممكنة للمفاوضات، بفرض عقوبات اقتصادية على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، مساء الأربعاء الماضي. وفي هذه الأثناء، تشير المجلة إلى أن السيناتور ليندسي جراهام المتشدد صاغ دورًا له في سياسة الإدارة تجاه إيران، وبرز بوصفه منافسًا محتملًا على منصب وزير الخارجية مايك بومبيو.

وأوردت المجلة ما قاله تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لـ«معهد كوينسي»: «هذا عبثي ببساطة، فهي ذات الفكرة حين يدعي شخص رغبته في الفوز بكأس العالم، ولإثبات ذلك، يقطع سيقان منافسيه، ثم يعاقب الاتحاد الدولي لكرة القدم».

إذ منع وزير الخزانة، ستيف منوتشين، ظريف من ممارسة الأعمال التجارية في أمريكا أو مع الأمريكيين. وأشار -بحسب المجلة- إلى القرار التنفيذي رقم 13876، الذي وقّعه ترامب في 24 يونيو (حزيران) لمنع أي شخص «يعينه المرشد الأعلى لإيران، أو مكتب المرشد الأعلى في منصب مسؤولٍ حكومي داخل إيران، أو على رأس أي كيان» من التعامل مع الاقتصاد الأمريكي.

Embed from Getty Images

«حالة طوارئ» منذ عام 1995

أكّدت المجلة أن ترامب يتمتع بسلطة للقيام بذلك، لأن العلاقات الأمريكية- الإيرانية كانت في «حالة طوارئ» منذ عام 1995. وادّعت وزارة الخزانة الأمريكية أن وزارة الخارجية الإيرانية «تنسق مع أحد أكثر كيانات الدولة إجرامًا في النظام الإيراني»، وهو فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

وأشارت المجلة إلى أنه في أبريل (نيسان) 2019، أعلنت إدارة ترامب أن الحرس الثوري يُعتبر جماعةً إرهابية. وقالت باربرا سلافين، مديرة مشروع مستقبل إيران في «المجلس الأطلسي»: «هذه هي المرة الأولى التي نفرض فيها عقوبات على جيش دولة أخرى».

وفي بيانها الخاص، وفقًا للمجلة، تبرّمت وزارة الخارجية الأمريكية من أن «وزارة الخارجية الإيرانية لا تُمثّل الذراع الدبلوماسية للجمهورية الإسلامية فقط، بل هي أيضًا وسيلة للنهوض بالعديد من سياسات المرشد الأعلى المزعزعة للاستقرار».

وسلطت المجلة الضوء على ما يراه سينا توسي، الباحث الزميل في «المجلس القومي الإيراني الأمريكي»، تناقضًا في منطق الإدارة. إذ فرضت وزارة الخزانة عقوبات «لأن ظريف قريب من خامنئي»، لكن المسؤولين الأمريكيين يدّعون دون علم ترامب -على حد تعبير توسي- أن «ظريف ليس صانع قرار رئيسيًّا، لذا لا نريد التفاوض معه».

واستشهدت المجلة بتصريح باربرا لها، إذ قالت: «إذا كنا نريد صفقةً جديدة مع إيران، مَن من المفترض أن يقود المفاوضات؟ لا يمكننا اختيار كبير المفاوضين الإيرانيين، ولا هم يمكنهم اختيار ممثلنا. الأمر برمته تخريب لأي احتمال للدبلوماسية، وهو ما قد يكون هدف أولئك الذين طرحوه بصراحة؛ لأنهم لا يريدون رؤية اتفاق جديد بين الولايات المتحدة، وإيران».

تصريحات ظريف

اقتبست المجلة رد ظريف على منوتشين في تغريدةٍ بالإنجليزية على تويتر: «ليس للعقوبات أي تأثير فيّ أو في عائلتي، إذ ليس لي ممتلكات أو مصالح خارج إيران. شكرًا لك لاعتباري تهديدًا كبيرًا لأجندتك، هل الحقيقة مؤلمة حقًّا؟».

ونشرت وسائل الإعلام الحكومية في إيران، بحسب المجلة، ترجمات بالفارسية لسخرية ظريف، بينما استغل السياسيون ادعاء منوتشين بأن «ظريف يُروّج للنظام ويُضلل العالم». وأوردت المجلة ما قاله الرئيس حسن روحاني، للتلفزيون الحكومي، بأن الدولة التي تعتقد أنها قوية وقوة عظمى عالمية، تخشى من مقابلات وزير خارجيتهم.

وتطرقت المجلة إلى تصريحات عباس علي كدخدايي، المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، الذي يشرف على العلاقات بين الحكومة الإيرانية المنتخبة، والقائد الأعلى غير المنتخب. إذ قال: «لا تخشى أمريكا صواريخ إيران فقط، بل كلماتها أيضًا. وتعني العقوبات المفروضة على محمد جواد ظريف أن حرية التعبير الأمريكية كذبة».

مترجم: إيران لن تكون «العراق 2».. هكذا ستكون حرب أمريكا المحتملة ضد إيران

وأشارت المجلة إلى تكهُّن محسن زرقش، محامي العقوبات في مكتب «برايس بينويتز إل إل سي» للمحاماة، بأن «هناك فكرة سائدة بين خبراء العقوبات» حول أن أعضاء إدارة ترامب «غضبوا» من استخدام ظريف «الاستباقي» للغة الإنجليزية على تويتر، وزيارته الأخيرة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك، حيث التقى بالمشرّعين الأمريكيين، وأجرى مقابلاتٍ مع مختلف وسائل الإعلام، بما فيها مجلة «ناشيونال إنترست».

إذ حذر زرقش، خلال حديثه إلى المجلة، قائلًا: «يمكن القول إنه لم يعد من القانوني استضافة ظريف، أو الإبقاء على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي بعد الآن. أعتقد أنه يمكن الجدال بالاكتفاء من المنطقة التي لا تحكمها القواعد. وإذا كنت إعلاميًّا أمريكيًّا، فسأسعى بالتأكيد للحصول على إرشادات في هذا الشأن. وسيكون السؤال هو ما إذا كانت وسائل الإعلام الأمريكية ستتحمل خطر التحقيق المتمثل في العمل مع فردٍ خاضع للعقوبات الأمريكية».

وأكّدت المجلة رفض موقع تويتر طلب التعليق على حساب ظريف «لأسباب تتعلق بالخصوصية والأمان».

أما بالنسبة لقدرة ظريف على مخاطبة الأمم المتحدة، فقد أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية لـ«ناشيونال إنترست» أن: «الولايات المتحدة ستواصل الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق مقر الأمم المتحدة، وسيكون الأفراد المؤهلون المبعوثون لقضاء واجبات الأمم المتحدة الرسمية في مأمن من الاعتقال أثناء ممارسة وظائفهم، خلال سفرهم من وإلى الأمم المتحدة».

وتطرّقت المجلة إلى ما قالته باربرا، في إشارةٍ إلى تأخير صدور التأشيرة الذي واجهه ظريف عندما حضر اجتماعات الأمم المتحدة قبل أسبوعين: «يمكن للولايات المتحدة أن تجعل أمر حضور ظريف صعبًا أو مهينًا». وفي فبراير (شباط) عام 2018، رفضت سلطات المطار في ألمانيا إعادة تزويد طائرة ظريف بالوقود، مشيرةً إلى الشكوك حول العقوبات الأمريكية على الحكومة الإيرانية، حتى وافق الجيش الألماني على توفير الوقود بنفسه.

هل ترامب مغلوبٌ على أمره؟

كتب هاري روما، محلل السياسة الإيرانية والإسرائيلية في «مجموعة أوراسيا»، إلى المجلة: «من المرجح أن المتشدّدين داخل الإدارة دفعوا بالعقوبات الأخيرة في محاولةٍ أخرى لتقييد ترامب، الذي غازل فكرة التفاوض مع إيران من قبل».

وخلال زيارته الأخيرة للأمم المتحدة، التقى ظريف بالسيناتور راند بول (الجمهوري من ولاية كنتاكي)، الذي حظي بمباركة ترامب العلنية لإحياء الأمل بعقد مفاوضات جديدة.

وأوردت المجلة ما صرّح به بول آنذاك لقناة «فوكس نيوز»؛ قائلًا: «أعتقد أن الدبلوماسية فكرة جيدة، وإذا كانت العقوبات ستنجح، فيجب أيضًا الحديث حول إلغائها. لذا أعتقد أن النقاش الآن يتطلَّب منا أن نقول ما الذي سنرغب فيه من أجل إلغائها، نظرًا إلى أن لدينا أقصى ضغط وعقوبات قصوى على إيران». ورفض مكتب بول التعليق، لكن ظريف ألمح للمجلة بأن اجتماعهم لم يرق إلى مستوى التوقعات.

Embed from Getty Images

وصرّح ظريف للصحافي جاكوب هيلبرون، من «ناشيونال إنترست»، في مقابلة حصرية: «ألتقي بأعضاء في الكونجرس، لكنني لا أعلق على اجتماعات محددة مع أعضاء معينين في الكونجرس. فضلًا عن أن أعضاء الكونجرس من مجلسي الشيوخ والنواب ليسوا أطرافًا لنتفاوض معهم، بل هم ممثلون عن الشعب الأمريكي الذي نحترمه، ونتعامل معهم فقط من أجل التوضيح وليس التفاوض. لا يمكننا التفاوض سوى مع الحكومات».

وأوضح توسي: «لم ينظر الإيرانيون إلى راند بول باعتباره مفاوضًا موثوقًا يستمع إليه ترامب، ويجب أن يكون هناك شخص يتمتع بسجل حافل من الدخول في مفاوضات مع إيران». واختار توسي الممثل الخاص زلماي خليل زاد، الذي يشرف بنجاح على المفاوضات مع طالبان في أفغانستان، بوصفه أحد الدبلوماسيين الذين سيكونون ملائمين لمشروع القانون.

وفي غضون ذلك، تعتقد المجلة أن إدارة ترامب تميل للمتشددين، لأن جراهام يجري محادثات مع مسؤولين رفيعي المستوى من إدارة ترامب وفقًا للتقارير.

واقترح السيناتور اتفاقًا يمكن أن تمتلك فيه دول الشرق الأوسط محطات طاقة نووية، لكن الولايات المتحدة ستتحكم في تخصيب وقودها المشع ومعالجته. وقال في مقابلة، بحسب المجلة: «هذا معقولٌ بالنسبة للمنطقة كلها، باستثناء إسرائيل. ولا أتحدث هنا عن إسرائيل، فهم في فئةٍ خاصة». إذ لا تقبل إسرائيل الإشراف الدولي على برنامجها النووي، ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أنها تخفي الأسلحة النووية.

دبلوماسية جادة أم لعبةٌ سياسية؟

قال الخبراء -بحسب المجلة- إن صفقة جراهام، التي من شأنها أن تحول سياسة الطاقة الإيرانية إلى قوةٍ منافسة مع السماح في الوقت نفسه بنمو ترسانة عدوها، لن تحقق نجاحًا. بدلًا من ذلك، ربما يكون الاقتراح خدعة من المتشددين لإجبار إيران على رفض المفاوضات.

وصرّح بارسي لـ«ناشيونال إنترست»، في إشارة إلى وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وكلاهما من المتشددين ضد الجمهورية الإسلامية: «لقد توصلا إلى استنتاجٍ مفاده أنه من السيئ بالنسبة لهما ادعاءهما بأنهما يريدان الدبلوماسية، دون أن يطرحا أي شيءٍ يمكن أخذه بجدية. هما بحاجة إلى شخصٍ مثل ليندسي جراهام؛ لأنهما يستطيعان أن يثقا تمامًا في أن كل ما يطرحه لن يحقق نجاحًا، لذا فلن يكون هناك داعٍ للقلق بشأن الدبلوماسية الجارية فعليًّا».

وأضاف: «إنهما يريدان خيارًا دبلوماسيًّا غير فعال، دون أن يأتي من بومبيو أو بولتون لتغطية هذا الفراغ، ويأملان أن يلجأ ترامب لذلك القرار إذا كان حريصًا حقًّا على الدبلوماسية. والقول بأن ليندسي جراهام يقدم دبلوماسية جادة هو في الحقيقة أمرٌ مضحك، إذ إنه يتمتع بسجل حافل في دفع الأمور نحو الحرب طوال الوقت». وكان السيناتور المتشدد قد وصف الجمهورية الإسلامية سابقًا بأنها «نظامٌ استفزازي وعدو للبشرية»، محذرًا إيران من أجل أن تستعد لـ«معاناةٍ شديدة».

Embed from Getty Images

وأشارت المجلة إلى تكهن كل من باربرا وتوسي -اللذين اتفقا على أن خطة جراهام من المتوقع ألا تُنفّذ- بأن اقتراحه يمكن أن يكون «تجربةً» ليحل محل بومبيو، إذا قرر الأخير الترشح لمجلس الشيوخ عام 2020. إذ قال بارسي: «إذا كان هذا هو التفسير، فهو يدعم أن جراهام لا علاقة له على الإطلاق بالدبلوماسية الفعلية. بل إن هذا مجرد اختبارٍ لمدى فعاليته في ضمان عدم حدوث الدبلوماسية».

ووافقت إيران على الخضوع لعمليات التفتيش الدولية على برنامج الأبحاث النووية مقابل تخفيف العقوبات في اتفاقية «خطة العمل الشاملة المشتركة»، التي وُقّعت عام 2015 مع إدارة أوباما وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي. ولكن في عام 2017، انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق، مطالبةً بـ«صفقةٍ أفضل»، وفرضت «أقصى قدر من الضغط» على الاقتصاد الإيراني.

وردّت إيران بزيادة مخزونها من المواد النووية، والاستيلاء على ناقلة نفط بريطانية مرّت في مياهها الإقليمية. وفي أواخر يونيو، بعد أن أسقطت القوات الإيرانية طائرة استطلاعٍ أمريكية بالقرب من الساحل الإيراني، كان ترامب على وشك أن يشُنّ غارةً عسكرية على إيران. لكن الرئيس ما يزال يصر على رغبته في التفاوض مع القادة الإيرانيين.

وقالت باربرا لـ«ناشيونال إنترست»: «سياسة الإدارة غير متماسكة تمامًا، ولن يحققوا أي شيء بها، لكن لها عواقب حقيقية لأنها تضعنا على طريق يحتمل أن يكون خطيرًا للغاية مع إيران، ويمكن أن تُؤدي إلى مواجهة عسكرية. نحتاج للدبلوماسية، ولكننا نسير في الاتجاه المعاكس».

«نيويورك تايمز»: إيران تتحدى أمريكا بهذا «القرار النووي».. تعرف إليه

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s