تصدَّرت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين المناقشات الاقتصادية منذ فترة، على خلفية فرض أكبر اقتصادين في العالم رسومًا جمركية على سلع بعضهما البعض: فقد فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية على سلع صينية تقدر بأكثر من 360 مليار دولار، في حين ردّت بكين بفرض رسوم جمركية على سلع أمريكية بأكثر من 110 مليارات دولار.

وورد في تقرير للكاتبين نيلانجان بانيك وباريكشيت بهارجافا الأستاذين بجامعة بينيت في مدينة نويدا الكبرى شمالي الهند، نشره موقع «ذا واير» الهندي، أنه على الرغم من أن ترامب يُصر على أن حربه التجارية قد أضرت بالاقتصاد الصيني – إذ أفادت التقارير بأن البلاد فقدت ثلاثة ملايين وظيفة وانخفض ناتجها المحلي الإجمالي إلى أدنى مستوى في 27 عامًا عند 6.2% – إلا أن الأفق الزمني الأطول نسبيًا يرسم صورةً مختلفةً.

وأوضح الكاتبان أن الصين أصبحت في الواقع أقل اعتمادًا بشكل متزايد على الولايات المتحدة، وقد يكون تباطؤ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في البلاد ناجمًا عن أسباب أخرى غير الحرب التجارية.

الحكاية من البداية

على مدى السنوات العشرة الماضية، انخفض الاعتماد التجاري المتبادل بين أمريكا والصين، وتُظهر البيانات التجارية – في الواقع – أن اعتماد الصين على الولايات المتحدة انخفض بشكل أسرع، وفي تناقض صارخ، تواصل الولايات المتحدة اعتمادها على الصين.

ويكمن الخبر السار لصناع السياسات في هذين البلدين في أنه على الرغم من الحرب التجارية، إلا أن نمو الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل (الاتجاه السائد خلال السنوات العشرة الماضية) آخذ في الارتفاع.

الناتج المحلي الإجمالي الصيني في الفترة من 2008 إلى 2018.

الناتج المحلي الإجمالي الصيني في الفترة من 2008 إلى 2018. المصدر: المقال الأصلي

الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الفترة من 2008 إلى 2018. المصدر: المقال الأصلي

الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الفترة من 2008 إلى 2018. المصدر: المقال الأصلي

وبين عامي 2008 و2018، بلغ معدل النمو السنوي المُرَكَّب للناتج المحلي الإجمالي للصين 11.46%. وإذا استبعدنا المُكَوِّن التجاري الصيني مع الولايات المتحدة، يرتفع نمو الاقتصاد الصيني – في الواقع – بنسبة 11.62%.

وتختلف القصة قليلًا بالنسبة للولايات المتحدة، فبين عامي 2008 و2018، نما الاقتصاد الأمريكي بمعدل سنوي مُرَكَّب نسبته 4.10%، وبدون الصين، ينخفض نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 4.07%.

وأشار الكاتبان إلى أن هذه التغيُّرات الطفيفة في أرقام معدل النمو تُعتبر كبيرةً من حيث القيمة المطلقة، بالنظر إلى أننا نتحدث عن أكبر اقتصادين في العالم (الولايات المتحدة باقتصاد حجمه 20.41 تريليون دولار، والصين باقتصاد حجمه 13.61 تريليون دولار).

والأكثر إثارة للدهشة من هذه الملاحظات هو أنه من المرجح أن يخسر الاقتصاد الأمريكي المزيد مقارنةً بالصين. ولا تتغير النتيجة إذا أجرينا ذات التحليل على مدى السنوات الخمس الماضية، لذلك فلا عجب أن تكون القيادة الصينية في مثل هذا المزاج المتحدي.

«ن. تايمز»: بالأرقام.. هذا ما سيخسره الأمريكيون بسبب الحرب التجارية نهاية 2019

تأثير الرسوم الجمركية على التجارة

ترتكز المبادئ الأساسية لمنظمة التجارة العالمية على أن انخفاض حواجز الرسوم الجمركية سوف يؤدي إلى زيادة التجارة بين الدول. ومن المعروف أن التجارة لها تأثير مفيد على زيادة الإنتاجية ونمو الدخل، فقد صعدت اقتصادات – مثل كوريا الجنوبية وتايوان والكثير من دول جنوب شرق آسيا – إلى مسار نمو أعلى عبر التجارة.

«وقد كانت التجارة عاملًا أساسيًا في انتشال الملايين من الفقر، كما تشير الأدلة من الصين. ومع ذلك، مثلما يتضح من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فإن هناك عوامل أخرى غير الرسوم الجمركية قد تؤثر على الأعمال التجارية، وبالتالي على الدخل»، وفقًا للكاتبين.

على سبيل المثال، تُستخدم الحواجز غير الجمركية – مثل إجراءات مكافحة الإغراق، وفرض العقوبات المتعلقة بالصحة والصحة النباتية، وما إلى ذلك – كأداة للحد من فرص الوصول إلى الأسواق. ومنذ اختتام جولة الدوحة لمفاوضات منظمة التجارة العالمية في عام 2001، توقف النظام التجاري المتعدد الأطراف.

وعوضًا عن ذلك، كان هناك تحرك متزايد نحو التوجُّه الإقليمي، مع انتشار اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية واتفاقيات التجارة الإقليمية، حيث تجاوزت اتفاقيات التجارة الإقليمية والعديد من اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية معالجة الحواجز الجمركية التقليدية أمام التجارة، وأصبحت تغطي أعدادًا متزايدةً من الحواجز غير الجمركية، وما يُسمى بمسائل «ما وراء الحدود» مثل المعايير التنظيمية، وقواعد الاستثمار، وحقوق الملكية الفكرية.

وقد لعبت هذه العوامل دورًا مهمًا في تفسير النمو في المنطقة بدلًا عن خفض الحواجز الجمركية.

كيف تتمكَّن الصين من النمو؟

لفت الكاتبان إلى أن الصين ليست جديدة على هذا العالم من الحمائية، حيث تُبَيِّن مبادرة «مراقبة التجارة العالمية» – وهي قاعدة بيانات تتعقَّب التدابير الحمائية – اتخاذ ما يصل إلى 17 ألف و737 إجراءً ضد الصادرات الصينية. وأدرك صانعو السياسات الصينيون أنهم بحاجة إلى فعل الأشياء بطريقة مختلفة، فبدأوا في الاستثمار بكثافة في آسيا وأفريقيا وإلى حد ما في أمريكا اللاتينية.

Embed from Getty Images

وفسَّر الكاتبان بأن هذا يعني أربعة أشياء:

أولًا: نظرًا لأن تكلفة الإنتاج كانت أقل في جنوب شرق آسيا، أدركت الشركات الصينية أنها يمكن أن تكسب من خلال تحويل قواعد إنتاجها خارج الصين.

ثانيًا: الاستثمار في هذه المناطق يعني وصول الشركات الصينية إلى أسواق أكبر وتحقيق تنمية إقليمية أكثر اتساقًا. على سبيل المثال، أصبحت منطقة كونمينج غير المتطورة نسبيًا في مقاطعة يونان جنوب غربي الصين مركزًا تجاريًا.

ثالثًا: يمكن للشركات الصينية أن تتجنب التدابير الحمائية التي تستهدف صادراتها إذا بدأت التصدير من دول جنوب شرق آسيا.

رابعًا: خفَّض الاستثمار في إفريقيا وآسيا بعض متطلبات الصين من الطاقة، وهو ما مكّن بكين من الحصول على طاقة (النفط والكهرباء) ومعادن أجنبية أرخص.

وقد شيَّدت الشركات الصينية ستة مصانع للطاقة الكهرومائية ومحطة لتوليد الطاقة الحرارية في ميانمار، كما استثمرت البلاد في أنشطة نقل الطاقة ومعالجة النحاس في فيتنام. وفي سريلانكا وباكستان وأماكن أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، تُستخدم الأموال الصينية لبناء البنى التحتية للموانئ. وقد ساعدهم ذلك على فرض المراقبة الإدارية (كما هو الحال مع ميناء جوادر الباكستاني)، وفي بعض الحالات الملكية الكاملة للميناء مثل ميناء هامبانتوتا في سريلانكا. ويعني الوصول إلى أسواق جديدة أن الناتج المحلي الإجمالي للصين سيظل صامدًا، حتى في حالة نشوب حرب تجارية.

الجانب الأمريكي من القصة

«سوف يجادل أنصار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بأن فرض رسوم جمركية ليست فكرة سيئة، فالرسوم الجمركية ليست إلا مدفوعات تحويل من قطاع اقتصادي (المستهلِك/ المنتِج) إلى آخر (الحكومة). وقد تستخدم الحكومة هذه الإيرادات من الرسوم الجمركية الإضافية وتنفقها على قطاع له تأثير مضاعف أكبر على توليد الدخل وفرص العمل»، بحسب الكاتبين.

بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يُمَثِّل فرض رسوم جمركية التدابير الصحيحة على صعيد السياسة العامة، كما أنه قد يعزز الرفاه العالمي عند استهدافه الإعانات الأجنبية. خذ – على سبيل المثال – حالة الرسوم الجمركية الأمريكية على صناعة الألواح الشمسية الصينية، التي ربما كان يمكن أن تستمر بسبب ارتفاع الدعم الحكومي، حيث يُعتبر الدعم الصيني مُشَوِّهًا، لأنه يسمح للشركات الصينية غير الفعَّالة بإغراق السوق العالمية. وقد هوت الأسعار العالمية للألواح الشمسية بأكثر من 75%، وأدى ذلك إلى توقُّف أعمال الشركات المصنِّعة غير الصينية الأكثر كفاءة عبر أنحاء العالم.

ومجددًا، من وجهة نظر المستهلِك الذي يشكو عادةً من ارتفاع الرسوم الجمركية التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية، هذا يعتمد على الرسوم الجمركية القطاعية المفروضة. وفي حال فُرضَت رسوم جمركية أكثر على السلع الرأسمالية والآلات والإلكترونيات والمدخلات الوسيطة الأخرى، فسيكون تأثير الرسوم الجمركية على زيادة الأسعار المحلية الناجمة عن ذلك أقل.

وألمح الكاتبان إلى أنه عندما يتنافس المستوردون في السوق المحلية، فإنهم قد يمتصون – في بعض الأحيان – تأثير الرسوم الجمركية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المدخلات في هامش الربح لديهم (الفرق بين السعر والتكلفة الهامشية). وقد لا يتحمل المستهلِك وطأة الرسوم الجمركية على الإطلاق. وفي السياق الحالي، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية واستهدفت بصورة رئيسة السلع الرأسمالية والمواد الإلكترونية الصينية.

وختم الكاتبان بالقول: «يُوصف التنين الصيني بشكل أكثر دقة اليوم بأنه كالثور في متجر خزف صيني. ونأمل في أن تجد الولايات المتحدة أساليب جديدة لترويض هذا (الحيوان) الجديد».

«فورين بوليسي»: تعرف إلى الرجل الذي عينه ترامب ليفوز بالحرب التجارية.. فخسرها!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد