إنَّ كل دول الربيع العربي الآن إمَّا غارقة في الصراعات أو تعود إلى الوراء نحو السُلطوية، ولكن هناك استثناء بارز، وقد تحرَّكت لجنة نوبل النرويجية يوم 9 من أكتوبر للاحتفاء به.

لقد حصل على جائزة نوبل للسلام لعام 2015 رباعي الحوار الوطني التونسي؛ وهو مجموعة من أربع مُنظَّمات مجتمع مدني يُجسِّد تعاونها تحوُّل بلدها العملي الحذر نحو الديمقراطية. لقد لعب أعضاء الرباعي -الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية – ابتداءً من عام 2011 دور الوسطاء بين قوى تونس السياسية المتنوعة، ضاغطين باستمرار من أجل الوصول إلى تسوية. ربما كانت القيادة السياسية في تونس لتصبح متقاتلة أكثر من كونها متعاونة دونهم، ممَّا كان سيُحيدها عن التحوُّل الديمقراطي.

تُعَد الجائزة في هذا السياق إنجازًا بارزًا في تاريخ أمة نهضت منذ خمسة أعوام وأطاحت بنظام قمعي وقوي بصورة مدهشة. لقد قام التونسيون منذ ذلك الحين بضبط النفس والتفاوض في خضم صراعهم من أجل التغلُّب على إرث الاستبداد وظهور تهديدات مُتطرِّفة جديدة. لم يكُن هذا النجاح حتميًّا، ويمكننا رؤية ذلك في الفشل المأساوي للعديد من الدول التي كان من الممكن أن تصبح ديمقراطية في المنطقة. إذًا كيف نجحت تونس رغم كل الاحتمالات؟

التقيتُ منذ عامين بالضبط، في يومٍ خريفي مُشمِس في تونس؛ سيد فرجاني. يُجسِّد فرجاني أكثر من غيره آمال تونس الديمقراطية الجديدة. نشأ فرجاني فقيرًا، وتحوَّل إلى الإسلام في شبابه، في وقتٍ كانت سياسة تونس علمانية صارمة. وشاهد حبيب بورقيبة – الرئيس آنذاك – يشرب عصير البرتقال في التليفزيون خلال صيام رمضان، الذي يُحرَّم على المسلمين فيه تناول الطعام أو الشراب، وهو فعل مُستفز عن عمد في أمة ذات أغلبية مسلمة، وأمة قد عبَّرت عن رفضها الرسمي لأي دور للدين في السياسة الوطنية. حفَّزت هذه اللحظة فرجاني ليُصبِح أكثر انخراطًا في مجموعة من النشطاء والمُثقَّفين الإسلاميين ذوي التوجُّهات السياسية.

خطَّط فرجاني وأصدقاؤه عام 1987، عند مرض بورقيبة الشديد؛ لانتفاضة ضد الحكومة. وقبل تنفيذ الخطة بسبع عشرة ساعة شنَّ زين العابدين بن علي – وزير داخلية بورقيبة – انقلابًا ونجح في الاستيلاء على السُلطة.

اعتُقِل فرجاني والمتواطئون معه بعد عشرة أيام، وأخضعتهم حكومة بن علي الجديدة للتعذيب. كسرَ الانتهاكُ ظَهْرَ فرجاني ولكنَّه لم يكسر إرادته. ونجح بعد خروجه بخمسة أشهر – وكان ما يزال يجلس على كرسي متحرك – في تدريب نفسه على السير لمسافاتٍ قصيرة، لتجنُّب إثارة الشكوك في المطار. سافر بجواز سفر أحد أصدقائه، ونجح في اجتياز الأمن، وهرب من البلاد، استقرَّ في بريطانيا مُتعهِّدًا بالعودة عندما تكون تونس مستعدَّة لكتابة فصلٍ جديد في تاريخها.

عاد فرجاني عام 2011، بعد 22 عامًا في المنفى، وسرعان ما أصبح قائدًا رفيع المستوى بحركة النهضة الإسلامية المُعتدلة، التي أُجبِرَت على الاختفاء تحت الأرض خلال حُكم بن علي الديكتاتوري، ولكنَّها سرعان ما وجدَت نفسها الحزب الأكثر شعبيةً في البلاد بعد سقوط النظام. برغم أنَّ قيادة النهضة الجديدة جمعت سويًّا مجموعة واسعة من الشخصيات، إلَّا أنَّهم جميعًا قد اشتركوا في قصص التعذيب والنفي أو السجن الطويل في ظل حُكم بن علي.

كانت رغبة أشخاص مثل فرجاني وزملائه في القصاص ستكون مفهومة تمامًا، فقد عانوا بصورةٍ مروعة، وقد سرق القادة الفاسدون القساة سنوات من أعمارهم، بل وصحتهم ونشاطهم الجسدي أحيانًا. ولكن عندما التقيتُ فرجاني كان الانتقام آخر همِّه، كان دافئًا وودودًا، وفوق كل شيء، متفائلًا. كان بإطلاقه لحيةً كاملة تقليدية وارتدائه بدلة غربية يُجسِّد الأصوات المتنافسة في المجتمع التونسي؛ المُمزَّق بين أوروبا القريبة (فهي على الجانب الآخر من البحر المتوسط) وبين التماثل الثقافي الطبيعي مع الممالك العربية البعيدة. أخبرني فرجاني أنَّ حلمه أن تتمكَّن تونس من ربط الخيط بين أوروبا والعالم العربي، مُشكِّلةً مجتمعًا مختلطًا يكون للجميع فيه مكان للتعبير عن آرائهم، وتزدهر فيه الديمقراطية، ويتلاشى الاستقطاب تاركًا مساحةً للتقدُّم.

أخبرني فرجاني أنَّ القصاص لن يؤدِّي سوى إلى المزيد من المعاناة، وانهيار تونس أو العودة إلى الحُكم الاستبدادي، وقال إنَّه لم ينتظر 22 عامًا لكي يرى هذه الفرصة التي لا تأتي سوى مرةٍ واحدة تنزلق من بين يديه، كانت الآن الفرصة لصنع ديمقراطية حتى إذا كان يعني ذلك أنَّ على النهضة الانتحار لتحقيقها. فقال لي: «إنَّ نجاح العملية الديمقراطية أعز علينا من الانتفاضة نفسها، وهذا أمر لا يقبل التفاوض. الصبر أمر رئيسي في التحوُّل، ونحن واعون بحقيقة أنَّ أي أخطاء تقع الآن قد تعكس الديمقراطية».

لا بد أن أعترف أنَّني كنتُ مُتشكِّكًا آنذاك، فالخطاب المُنمَّق سهل، ولكن إدارة تحوُّلٍ من الديكتاتورية إلى الديمقراطية صعب. ولكن فرجاني لم يكُن يبالغ، فعندما هدَّدت عمليتا اغتيال لشخصيات سياسية رفيعة المستوى في بداية عام 2014 بتعطيل التقدُّم أو الانتقاص من أسس الديمقراطية التي بُنِيَت في العامين السابقين، تنازلت النهضة عن السلطة طوعًا لحكومة تكنوقراط يمكنها قيادة تونس نحو انتخابات ديمقراطية عامة. وفي الانتخابات الوطنية اللاحقة امتنعت النهضة عن طرح مُرشِّح رئاسي رغم تمتُّعها بفرصة حقيقية في الفوز، سامحةً للآخرين بإدارة الدولة بينما تُنافس على مقاعد في البرلمان.

استمرَّت النهضة في خسارة الانتخابات، وكان من الصعب تقبُّل بعض أعضاء الحزب شديدي الانتماء لهذا الأمر، خاصةً بما أنَّ الحزب الذي هزمه كانت له صلات بنظام بن علي السابق (حتى إذا حاول أولئك المُلوَّثون بالإرث الاستبدادي البدء ثانيةً في العمل السياسي عن طريق تبييض تاريخهم). قال لي أحد النشطاء: «من المذهل عدد الناس الذين عملوا مباشرةً لصالح النظام السابق ويزعمون الآن أنَّهم كانوا من نشطاء المعارضة خلال التسعينيات».

لم يكُن فرجاني سعيدًا بالنتائج، وهو أمر مفهوم، فقال لمُحاورٍ بعد الانتخابات بفترةٍ قصيرة إنَّه يخشى عودة الاستبداد «من الباب الخلفي»، ولكنَّه تقبَّل الأمر على عكس بعض شديدي الانتماء الآخرين، وسعى إلى المساهمة في الحكومة الجديدة عبر اتفاقية عامة لمشاركة السُلطة والتركيز على التقدُّم المستقبلي بدلًا من التأخُّر بسبب جرائم الماضي.

ولكن على الرغم من جائزة نوبل للسلام، ما زال هناك طريق طويل قبل أن تنتهي القصة؛ فالتونسيون أنفسهم على وعيٍ كبير بمدى بُعد الطريق الذي على بلادهم أن تسير فيه. فالحكومة الجديدة قد ارتكبت انتهاكات مقلقة للغاية لحقوق الإنسان، وقد قُيِّدت الحريات المدنية بينما تحاول البلاد التكيُّف مع تهديد الإرهاب. شارفت محاولة اغتيال يوم الخميس على قتل مسؤول حكومي، وفي وقتٍ سابق من هذا العام قُتِل العشرات بعد اقتحام مُسلَّحين للمتحف الوطني بباردو في تونس، وبعد بضعة أشهر قَتلَ رجلٌ مُسلَّح سُيًّاحًا على شاطئ بمنتجع في سوسة. كان لهذه الحوادث المأساوية تأثير مُدمِّر على السياحة، وهي أحد أسس اقتصاد تونس المُتعثِّر. إنَّ كلًا من الانقسامات السياسية المُستمرّة والأمن المُتدهوِر والركود الاقتصادي بمثابة هدايا للمُتطرِّفين الذين يريدون أن يشهدوا تحوُّل الاضطراب إلى المزيد من العنف.

على التونسيين الاحتفال اليوم باعتراف لجنة نوبل النرويجية بجهودهم، وغدًا عليهم العودة إلى العمل لصالح أشخاص مثل فرجاني والقيادة السياسية في تونس. عندما كنتُ أصافح فرجاني وأشكره على الحوار، ذكَّرني أنَّ هذا كُله جزء من عملية طويلة قائلًا: «إنَّ الصراع بين النظام القديم والنظام الوليد نضالٌ مُستمِر». تحتفي جائزة اليوم بتقدُّم تونس نحو نظام ديمقراطي جديد، ولكن ما زال من المُبكِّر للغاية إعلان النصر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد