في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، كان من المقرر أن يصل محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، إلى باريس لعقد اجتماع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وكانت الزيارة قد ألغيت قبل بضعة أيام.

وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان إن باريس وأبوظبي تعملان على تحديد موعد جديد للزيارة دون ذكر الأسباب التي دفعت نائب رئيس الدولة إلى إلغائها، بحسب ما ذكر أدلين محمدي، المتخصص في السياسة الروسية في العالم العربي، في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني.

في الواقع، كان كل من ماكرون وبن زايد قد التقيا بالفعل، أولاً في باريس في يونيو (حزيران) 2017، بعد شهر ونصف من أداء ماكرون لليمين الرئاسية، ثم في أبوظبي في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي لتدشين متحف اللوفر في أبوظبي.

«ميدل إيست آي»: كيف أصبحت الحصانة الدبلوماسية وسيلة قتل جديدة؟

علاقات ثنائية قوية

وفقًا للكاتب، تؤكد هذه الزيارات على العلاقات الثنائية القوية بين فرنسا والإمارات. مع صادرات بقيمة 5.17 مليار دولار إلى الإمارات في عام 2017، فإن الإمارات هي ثاني أكبر شريك تجاري لفرنسا في الخليج العربي، وفقًا لأرقام وزارة الخزانة الفرنسية. ويبلغ حجم التجارة الثنائية مع السعودية 9.8 مليار دولار.

علاوة على ذلك، تعزز صفقات الأسلحة التي وقعت مؤخرًا مع الإمارات التعاون بين البلدين. اشترت الإمارات بارجتين حربيتين من طراز كورفيت طورتها مجموعة نافال الفرنسية، كما أن هناك قاعدة بحرية فرنسية في أبوظبي منذ عام 2009.

الرئيس الفرنسي ماكرون وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد

وإذا وضعنا العلاقات الثنائية الودية جانبًا، فإن القادة الإماراتيين في موقف حرج، حيث يبدو حليفهم الرئيسي في الخليج، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، معزولاً بشكل متزايد.

لا شك أن الإمارات تشعر بالقلق بشأن الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي اختفى في 2 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول، واغتيل على يد فرقة قتل سعودية.

مع تزايد الاتهامات ضد الرياض، ومطالبة الحكومات في جميع أنحاء أوروبا (بما في ذلك باريس) بتقديم تفسيرات لما حدث، فإن المسؤولين الإماراتيين مصممون على الدفاع عن جارتهم القوية. ويمكن تصور كيف تسبب تصاعد التوترات في إلغاء رحلة ولي عهد أبوظبي إلى باريس. وأمس الخميس، سحبت فرنسا وزير ماليتها من مؤتمر الاستثمار السعودي ردًا على اختفاء خاشقجي غير المبرر.

ويذكر الكاتب أن محمد بن زايد أكثر من مجرد صديق لفرنسا. فولي العهد هو الشخصية الرئيسية في «محور الاعتدال» – الذي يمكن أن يسمى بحق «محور النظام والثروة المضادة» – الذي تقوده الرياض وأبوظبي، إضافة إلى أنه الذي يقف خلف جهود التحديث التي يقوم بها الجيش الإماراتي، التي بدأت في أوائل التسعينيات.

«هآرتس»: خرافة ولي العهد الليبرالي.. ابن سلمان لم يكن أول الإصلاحيين!

إعادة تشكيل جيوسياسي

تم تعزيز التحالف بين الإمارات والسعودية من خلال العلاقة الشخصية بين ابن زايد وابن سلمان. يُعتقد أن ابن زايد هو المرشد والناصح لابن سلمان، على الرغم من أنه يجب علينا ألا ننسى المصالح الاستراتيجية العديدة المشتركة للزعيمين: احتواء إيران، وهزيمة الإخوان المسلمين، وتشكيل مستقبل منطقة الخليج مع الدعم السخي الذي تقدمه الولايات المتحدة.

وباتباع خطا استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غالبًا ما تأتي استراتيجية محور الرياض-أبوظبي بطريقة وحشية ومتغطرسة. وخطف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قبل عام في السعودية هو مثال على ذلك.

في مقالاته لصحيفة «واشنطن بوست»، كان خاشقجي ينتقد أسس السياسة الخارجية السعودية، ولهذا دافع عن جماعة الإخوان المسلمين، وطالب بإنهاء التدخل العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن.

إن القضاء على المعارضين في المنفى ليس بالأمر الجديد في العالم العربي: فقد قُتل المهدي بن بركة في فرنسا عام 1965، واختفى موسى الصدر في ليبيا عام 1978. إلا أن هذه الحالة الأخيرة تؤكد وجود توازن جديد للسلطة في المنطقة.

وبالفعل، فإن إطالة أمد الصراع في سوريا إلى جانب المعارضة شبه الجماعية لتنظيم داعش قد أدت إلى ظهور ثلاثة محاور مختلفة: محور الرياض-أبوظبي-القاهرة (على الرغم من أن مصر تظهر عداء أقل للنظام السوري في عهد السيسي)، محور طهران-دمشق-حزب الله، المعروف بـ«محور المقاومة»، ومحور أنقرة-الدوحة، والذي يمكن أن يُطلق عليه أيضًا «محور الإصلاح الإسلامي».

في أعقاب انتصار «محور المقاومة» في سوريا، حيث لعبت موسكو دورًا حاسمًا، برزت الفروق بين تحالف الرياض وأبوظبي والتحالف بين أنقرة والدوحة.

وهكذا يجد السعوديون وحلفاؤهم الإماراتيين أنفسهم يواجهون تهديدًا مزدوجًا: العملاء المحتملين للتغيير (لم ترحب أي من الدولتين بالربيع العربي في عام 2011)، وعلى وجه الخصوص الإخوان المسلمين، من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وبحسب الكاتب إن الوقوف في وجه تركيا، وعزل قطر، وشن حرب في اليمن (باسم الحرب ضد إيران)، وإضعاف حزب الله في لبنان أمر شاق، حتى مع دعم واشنطن. علاوة على ذلك، فإن واشنطن تعتمد على محور الرياض – أبوظبي لإتمام «صفقة القرن» والتوصل إلى «تسوية» للقضية الفلسطينية لصالح إسرائيل.

مترجم: ابن سلمان أصيب بالرعب لمقتل خاشقجي.. وهذا الشخص سيكون «كبش الفداء»

سياسة أبوظبي الاستباقية الخارجية

لا تدعم أبوظبي ببساطة العلاقات الجيدة مع الرياض فقط، وإنما كشفت أيضًا في السنوات الأخيرة عن طموحات سياسية وعسكرية خارج منطقة الخليج. في مواجهة تركيا، وما أطلق عليه «محور الإصلاح الإسلامي»، شرع محمد بن زايد في خوض معركة تتجاوز حدود الإمارات، من ليبيا إلى القرن الأفريقي.

فالإماراتيين لديهم طائرات فرنسية الصنع من طراز ميراج 2000 تتمركز في قاعدة في إريتريا. ولدى الأتراك قاعدة عسكرية في الصومال. في ليبيا، تدعم تركيا وقطر الإخوان المسلمين في مصراتة، في حين يدعم خصومهم الإماراتيين والمصريين المشير خليفة حفتر.

محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي

وترفض فرنسا الانحياز إلى جانب أي من طرفي الصراع وتحتفظ بعلاقات ودية مع الجانبين، رغم العزلة المفروضة على قطر من قبل جيرانها الخليجيين. فيما تقوم قطر بشراء الأسلحة الفرنسية بشكل منتظم.

يرى الكاتب أنه ومع ذلك، بالنظر إلى التهديد الإرهابي الذي يهدد منطقة الساحل وليبيا، فإن باريس تعتمد على دعم الرياض وأبوظبي للمساعدة في تمويل مجموعة الدول السبع (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا) لاحتواء انتشار حركة التطرف.

وإلى جانب الحارس الأمريكي، والمستشار السعودي والصديق الفرنسي، يمكن لأبوظبي الاعتماد على شريك آخر وهو روسيا. في السنوات الأخيرة، برزت الإمارات شريكًا اقتصاديًّا رئيسيًّا لروسيا في منطقة الخليج.

يختتم الكاتب مقاله أن من وجهة النظر السياسية، تشترك الإمارات وروسيا في عقيدة القانون والنظام (عندما يتعلق الأمر بالإخوان المسلمين على وجه الخصوص)، ولا ينبغي استبعاد التعاون المستقبلي بينهما بشأن مسألة اليمن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!