هل تلوح حرب بين الولايات المتحدة وإيران في الأفق؟ أم أن هذه الحرب لن تندلع؟ وما الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا السيناريو أو ذاك؟ هذا ما ناقشه الكاتب جيمس هولمز، رئيس الاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية، في مقاله الذي نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، بعدما تصاعدت حدة التوتر بين البلدين إثر اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وأبي مهدي المهندس، نائب قائد ميليشيات الحشد الشعبي العراقية، في غارة جوية بطائرة أمريكية بدون طيار بالقرب من مطار بغداد.

وفي مستهل مقاله، توقَّع الكاتب أن تشهد الأسابيع والأشهر القادمة اندلاع حرب غير نظامية، من خلال أساليب مألوفة لكنها غير تقليدية. ويشكك في أن تُقدِم طهران على شن عمليات عسكرية تقليدية، بأن تطأ بأقدامها أرضًا تعرف أن أمريكا تسيطر عليها. لأن شن طهران أعمال انتقامية عسكرية واسعة النطاق سيُقدِّم المبرر للولايات المتحدة كي ترد بشن أعمال عسكرية أخرى، ستفوق على الأرجح قدرة إيران القتالية وضراوة أعمالها الهجومية.

والسؤال الآن، بحسب الكاتب، هل تُطلِق طهران وواشنطن كلاب الحرب من عقالها؛ في أعقاب القصف الجوي الذي أسفر عن مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني؟ ربما هناك عذر للتفكير على هذا النحو، بالنظر إلى التعليقات الحماسية التي هللت لنبأ الغارة الجوية بطائرة بدون طيار خارج بغداد. على سبيل المثال، رأى المعلق البارز، ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، أن «منطقة الشرق الأوسط (وربما العالم) ستتحول إلى ساحة معركة».

دولي

منذ 4 شهور
5 من أبرز قتلى الدرونز الأمريكية في العقد الماضي

نهاية العالم ليست وشيكة 

وأكد الكاتب أن: «هاس محق فيما ذهب إليه بالمعنى المقتصر على أن العمليات العسكرية غير النظامية اتسعت رقعتها الآن لتشمل جميع أنحاء العالم. وبات الإرهابيون عطشى إلى ضرب الأعداء القريبين والبعيدين على حد سواء؛ أملًا في إضعاف عزمهم على القتال. وهم لا يأبهون بالحدود الوطنية التي لم يحترموها أبدًا في يوم من الأيام. وعلى النحو ذاته، أصبحت الحدود في العالم السيبراني يغلفها القدر نفسه من الضبابية، وهي ساحة حرب أخرى لا توجد فيها جبهات قتال محددة».

وخاضت الولايات المتحدة وإيران معارك سيبرانية لمدة عشر سنوات أو أكثر، والتي يعود تاريخها إلى هجوم دودة «ستوكسنت» الحاسوبية الخبيثة على المجمع النووي الإيراني (في مدينة نطنز بمحافظة أصفهان) في عام 2010.

Embed from Getty Images

ويتابع الكاتب أن حكام إيران باتوا يشعرون بالقلق من أن يصبحوا الطرف الخاسر في هذا الصراع. ونظرًا إلى أنهم قد يصبحون كذلك، فإنهم يفكرون في خوض تجربة صعبة.

ولذلك، تظل التوقعات هي نفسها. وهذا بعيد كل البعد عن النبوءات المحمومة باندلاع حرب عالمية ثالثة، والتي انتشرت منذ أن انتقل سليماني إلى مثواه الأخير. ولسبر غور معضلة طهران، يسأل الكاتب شخصًا يعرف الكثير عن الطموحات الفارسية. (ما تزال الإمبراطورية الفارسية قبل الإسلام، التي سادت منطقة الشرق الأوسط وهددت أوروبا، حجر الزاوية للنجاح الجيوسياسي، حتى بالنسبة لإيران الإسلامية)».

الدوافع وراء التصرفات البشرية

وأشار الكاتب إلى أن المؤرخ الإغريقى ثيوسيديدز أرَّخ للحرب البيلوبونيسية، التي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد، وأحدثت اضطرابًا هائلًا اجتاح العالم اليوناني. وكانت الإمبراطورية الفارسية لاعبًا رئيسيًّا في ذلك الصراع.

في الواقع، ساعدت الإمبراطورية الفارسية في تحديد نهاية اللعبة عندما أمدَّ الملك العظيم سبارتا، خصم أثينا، بالموارد اللازمة لتبني نفسها قوة بحرية قادرة على هزيمة البحرية الأثينية المتبجحة في عرض البحر.

لكن ثوسيديدز يتأمل أيضًا في الطبيعة البشرية في العديد من المنعطفات التاريخية، مستمدًا الملاحظات من إطار جامع لأحداث التاريخ. ففي إحدى المراحل، على سبيل المثال، وجد أن سفراء أثينا افترضوا أن هناك ثلاثة بواعث رئيسية هي التي تدفع التصرفات البشرية وهي «الخوف والشرف والمصلحة». ويبدو أن هؤلاء المبعوثين يتحدثون باسم أبي التاريخ (أبو التاريخ لقب يُطلق على هيرودوتوس، مؤرخ يوناني قديم عاش في القرن الخامس قبل الميلاد – حوالي 484 ق.م – 425 ق.م).

الخوف والشرف والمصلحة. لا توجد دوافع أفضل من هذه الثلاثة في رأي الكاتب يمكن الانطلاق منها للتفكير في الأسباب التي تدفع الأفراد والمجتمعات للقيام بما يفعلونه، وإلقاء نظرة سريعة على ما يجب فعله. لكن كيف تنطبق فرضية ثوسيديدز على عداوة ما بعد سليماني بين الولايات المتحدة وإيران؟

يجيب الكاتب: حسنًا، مقتل قائد فيلق القدس يضع الكرة مباشرةً في ملعب الجمهورية الإسلامية. ويجب على الملالي الرد على هذه الضربة بطريقة ما. والسكوت وعدم فعل أي شيء سيُظهِرَهم ضعفاء وقليلي الحيلة في عيون المنطقة والإيرانيين العاديين».

المستبد لا يتلذذ بالضعف

وأوضح الكاتب أن: «الخطر يكمن في العجز وقلة الحيلة. وقد تضاعف هذا الخطر الآن، بعد أن هزت الاحتجاجات أجزاء من إيران في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ودفع المئات من الإيرانيين حياتهم ثمنًا لهذه الحملة القمعية التي تلت الاحتجاجات، وكشف ذلك عن عمق الاستياء من النظام الإيراني الحاكم. ولا يوجد مستبد يتلذذ بالضعف، وبخاصة ذلك المستبد الذي يتعرض حكمه للضغط من الداخل. وإظهار القوة والصمود ضروريان لترويع المعارضين المحليين».

لكن الخوف شيء متعدد الاتجاهات ومتعدد المجالات بالنسبة للزعماء الإيرانيين. والتهديدات الخارجية كثيرة. والإيرانيون قادرون تمامًا على تفهم أهمية التطويق الجغرافي والتعامل معه، على سبيل المثال.

إنهم ينظرون إلى بلادهم بوصفها مركز الثقل الشرعي في الشرق الأوسط. ومع ذلك، يوضح الكاتب، تحاصر القوات الأمريكية وحلفاؤها الجمهورية الإسلامية ويضيِّقون عليها من كل جانب باستثناء جزئي من الربع الشمالي الشرقي، الذي يشمل الدول التي ينتهي اسمها بالمقطع ستان (أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وطاجكستان وقيرغيزستان) في منطقة آسيا الوسطى، ومن ورائهم روسيا».

طوق الحلفاء يحاصر إيران

ويدعو الكاتب للنظر إلى خريطة العالم، لنجد أن القوات البحرية الأمريكية تسيطر على الجانب البحري الغربي بدعم من القوات الجوية الأمريكية. ويطوق حلفاء أمريكا من الخليجيين العرب الشواطئ الغربية للخليج العربي. وتوجد قوات أمريكية في العراق في الشمال الغربي، حيث سقط سليماني قتيلًا، وتوجد في أفغانستان في الشرق. حتى في باكستان، توجد قوات في الجنوب الشرقي، حليف الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان حليفًا مزعجًا.

Embed from Getty Images

وهذه تطويقات منيعة. وهكذا يحيط النفوذ الأمريكي بحدود الجمهورية الإسلامية من جميع جوانبها إحاطة السوار بالمعصم. ويبدو الخروج من هذه التطويقات وكسر قيودها وكأنه دافع طبيعي للدبلوماسية والاستراتيجية العسكرية الإيرانية».

ثم ماذا؟ بغض النظر عن طموحاتها الجيوسياسية المتحمسة، فإن القيادة الإيرانية ستتردد في اتخاذ تدابير تتجاوز التفجيرات التي تحدث على فترات متقطعة، ودعم المسلحين في أماكن أخرى بالمنطقة، والشجب المعتاد لأفعال الشيطان الأكبر، وهو النهج الذي كان أساس السياسة الخارجية الإيرانية منذ أربعين عامًا وحتى الآن.

يضيف الكاتب: يدرك القادة الإيرانيون القوى التي تصطف ضدهم. وستبقى الجهود الحثيثة الرامية إلى اختراق تلك التطويقات سابقة لأوانها، ما لم تستكمل إيران مساعيها للحصول على أسلحة ذرية. صحيح أن القدرة على التهديد بالتدمير النووي قد تشجعهم على المحاولة، لكن يبقى ذلك أمرًا يُنتظَر تحقيقه في المستقبل.

الشرف والخوف والمصلحة

وتابع الكاتب قائلًا: «لنبدأ بالشرف. إن الحرب غير النظامية ليست حاسمة في حد ذاتها، لكنها يمكن أن تحقق مكاسب هائلة لاستثمار متواضع في الموارد والجهود. فبعد أن خاطر حكام إيران بشرعيتهم السياسية من خلال إلصاقها بالشيطان الأكبر ومتملقيه في الشرق الأوسط، يجب عليهم أن يحققوا نتائج تدريجية منتظمة. والهجمات المباشرة على القوات الأمريكية تحقق نتائج جيدة تخطف الأنظار، وكذلك الصور التي تُظهِر السفن القتالية التابعة للقوة البحرية للحرس الثوري، وهي تتعقب قوات المهام التابعة للبحرية الأمريكية، وأيضًا الهجمات على البنية التحتية الاقتصادية الحيوية للحلفاء الأمريكيين، كالمملكة العربية السعودية. والعناوين الرئيسية في الصحف تنقل الصورة بأن هناك قوة مكتملة في حركة دائبة».

يجب أن تثير إيران ما يكفي من القلاقل والمتاعب حتى تتمكن من جمع الأسباب المادية لتجعل من نفسها قوة مهيمنة.

ودافع الشرف يندمج مع الخوف؛ إذ يخشى الإيرانيون أن يُحرموا من الشرف الذي يعدونه حقًا أصيلًا لهم، وهو الهيمنة الطبيعية على منطقة الخليج والعالم الإسلامي.

وأخيرًا، المصلحة. يجب أن تثير إيران ما يكفي من القلاقل والمتاعب حتى تتمكن من جمع الأسباب المادية لتجعل من نفسها قوة مهيمنة. ومن المثير للدهشة أن يسرد ثيوسيديدز المكاسب المادية في ذيل القائمة بين القوى التي تحفز البشر. رغم أن المؤرخ المتخصص في السياسة الخارجية أدرجها على رأس القائمة. والمصلحة أمر قابل للقياس، ويبدو أنها تساهم مباشرةً في حسابات التكلفة والفوائد والمخاطر. وتجعل القدرة السياسية على إدارة شؤون الدولة تبدو أمرًا عقلانيًّا!

المشاعر العقلانية

ونوَّه الكاتب إلى أنه: «ليست هناك من طريقة لمعرفة ما يعنيه ثيوسيديدز على وجه التأكيد بعد مرور ألفي عام، ولكن يبدو على الأرجح أن الحكيم اليوناني القديم كان يعني تقليص مثل هذا الإفراط في العقلانية. وأعني بذلك أنه ارتأى أن الطبيعة البشرية أكثر من مجرد أشياء يمكن أن نُحصِيها، مثل الإنتاج الاقتصادي أو الجيش الميداني الكبير.

وبالنسبة إلى ثيوسيديدز، يلعب حساب التكلفة/ الفائدة دورًا ثانويًّا بالنسبة للمشاعر العقلانية – بعضها مظلمة، كالغضب والحقد، والبعض الآخر مشرق – التي تدفع سلوكياتنا جميعًا.

يمكن أن يذهب البعض إلى البدء في التجهيزات الخاصة بالقوة العظمى مثل قوات بحرية وقوات جوية ذات تقنية عالية.

وبالنسبة للإيرانيين، تشكل المصلحة المادية بالفعل الطريقة لبث الروح من جديد في الشرف الوطني مع كبح جماح الخوف. وكسر الحصار الاقتصادي المتمثل بوضوح في استراتيجية «الضغط الأقصى» التي تبنتها إدارة ترامب، سيسمح لطهران بإعادة إحياء قطاع النفط والغاز الذي يقف على مشارف الموت في البلاد. وتجديد تجارة التصدير من شأنه أن يوفر الثروة. ويمكن أن يذهب البعض إلى البدء في التجهيزات الخاصة بالقوة العظمى مثل قوات بحرية وقوات جوية ذات تقنية عالية.

ويضيف الكاتب: بدورهم، يمكن للزعماء الإيرانيين أن يدعموا بقوة دبلوماسية أكثر طموحًا. وسوف يتاح لهم خيار التخلي عن طرقهم المخالفة للقواعد والأصول والمثيرة للمشكلات والتنافس من خلال أساليب أكثر تقليدية. أو أن يستخدموا على الأرجح وسائل غير نظامية كعامل مساعد للمنافسة الاستراتيجية التقليدية. باختصار، لا تفي المكاسب المادية بالاحتياجات والرغبات الاقتصادية فحسب، بل تعمل على تضخيم القوة العسكرية.

هل تشتعل حرب عالمية ثالثة؟

ويرى الكاتب أن الأمر ذاته ينطبق على الولايات المتحدة. إذ ينبغي إسقاط سياسة الولايات المتحدة واستراتيجيتها، على منظور ثيوسيديدز المتعلق بالخوف والشرف والمصلحة، وإمعان النظر في الكيفية التي يمكن للدوافع الإيرانية والأمريكية من خلالها أن تتقاطع وتتفاعل، ورؤية ما يمكن أن يكشف عنه هذا التقييم في المستقبل.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «وجهة نظري: ربما ستأتي الحرب العالمية الثالثة في يوم من الأيام، لكن يومنا هذا ليس هو ذلك اليوم».

دولي

منذ 4 شهور
«فورين أفيرز»: هذه خيارات إيران للرد على اغتيال سليماني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد