قال الكاتب جريجوري جوز في مقال له على موقع مجلة «فورين أفيرز» إن على الولايات المتحدة أن تنأى بنفسها عن التدخل في اختيار القيادة في المملكة العربية السعودية.

وأوضح جوز أنه كان قد ذكر في مقال سابق في منتصف العام الحالي أن ولي العهد السعودي عزز مكانته في العائلة الحاكمة لدرجة أنه تخلص من القيود التي فرضتها القيادة الجماعية للعائلة النموذج الذي ميز النظام السعودي في الماضي. وقد سمح ذلك له باتخاذ خطوات مهمة نحو التغيير الاقتصادي والاجتماعي، مثل خصخصة 5% من شركة النفط الحكومية، أرامكو السعودية، والسماح للنساء بقيادة السيارة. لكن ذلك سهل أيضًا مغامرات السياسة الخارجية التي لم تكن لتحدث في السابق. وفي ضوء طموحه واندفاعه، فإن على العالم أن يتوقع المزيد من المفاجآت.

لقد كان اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وهو من المقربين للعائلة الملكية والناقد المعتدل لولي العهد، في إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 بمثابة مفاجأة. لقد تعامل النظام السعودي بوحشية مع منتقديه في الخارج في الماضي، ولكن ليس بهذه الطريقة الصارخة. ومن الواضح أن ولي العهد مسؤول عن وفاة خاشقجي، على الرغم من النفي السعودي الرسمي ومحاولات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التشكيك في دوره.

«ستراتفور»: لا مستثمرين جدد.. هذا ما سيصبح عليه اقتصاد السعودية عام 2019

كان قتل خاشقجي جريمة وخطأ، يشير جوز. فهي لم تلطخ سمعة محمد بن سلمان العالمية كمصلح اقتصادي واجتماعي فحسب، بل أطلقت العنان لعاصفة من الانتقادات في الولايات المتحدة، حيث كان لدى خاشقجي شبكة من الأصدقاء والمعارف في الدوائر السياسية والإعلامية والأكاديمية، بمن فيهم جوز نفسه. في تصويت بالإجماع في 13 ديسمبر (كانون الأول)، اتهم مجلس الشيوخ الأمريكي رسميًا ولي العهد السعودي بقتل خاشقجي، وفي الوقت نفسه قرر المجلس وقف مساعدة السعودية والإمارات في حربهما في اليمن. لقد أصبحت هذه الحادثة أخطر أزمة في العلاقات الأمريكية السعودية منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول)

إدارة ترامب أخطأت في دعمها للأمير الطموح

 

تساءل جوز في مقاله السابق عما إذا كان محمد بن سلمان سيسير على خطى الرئيس الصيني تشي جين بينج، أم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أم الملك هنري الثامن ملك إنجلترا، وذلك على ضوء النفوذ الذي اكتسبه في حملة القمع التي قام بها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما سُجن أكثر من 300 ممن أسمتهم حكومته بنخب «فاسدة» من القطاع الخاص والعائلة الحاكمة في فندق ريتز كارلتون في الرياض. إن مقتل خاشقجي يبرهن على أنه عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المعارضين، فإن ولي العهد يسير على نهج القادة الثلاثة. لقد طارد كل من تشي وبوتين المنتقدين والخصوم المحتملين في كافة أنحاء العالم. إن كونك مقربًا من السلطة الحاكمة لا يساعدك إذا أغضبت هنري الثامن، كعدد من زوجاته ومعظم الوزراء المهمين الذين وجدوا طريقهم إلى المقصلة.

بيد أن محمد بن سلمان لا يقارن ببوتين وبينج -يستدرك جوز-  إذ لا يجرؤ أحد على معاقبة الأخيرين على عملياتهم القذرة الخارجية لأنهما لا يحتاجان إلى دول أخرى للاحتفاظ بالحكم. فالمملكة العربية السعودية ليست قوة عظمى. إنها تعتمد على الولايات المتحدة وحلفاء آخرين لأمنها. وهي بحاجة إلى استثمار أجنبي إذا كانت ستقلل من اعتمادها على صادرات النفط، مثلما يرغب الأمير الشاب. تملك المملكة العربية السعودية السلطة في سوق النفط وهي إحدى قادة العالم الإسلامي. لكن هذه السلطة محدودة، فقد عجزت السعودية عن كسب الحرب في اليمن، أو إسقاط الرئيس بشار الأسد في سوريا، أو وقف تمدد النفوذ الإيراني في العالم العربي. لقد عانى محمد بن سلمان من النكسات في جدول أعماله الاقتصادي المحلي. ولكن في المقابل، كان أعمام ولي العهد، الذين حكموا السعودية لعقود، يدركون حدود قوتهم. لذا كانوا حذرين على المسرح الدولي. لكن محمد بن سلمان أدرك ذلك بالطريقة الصعبة، هذا إذا كان قد أدركه على الإطلاق.

يرى جوز أن إدارة ترامب ترتكب خطأ فادحًا بربط نفسها علانية بولي العهد أثناء صعوده إلى السلطة. لقد ظلت إدارات الولايات المتحدة السابقة، على الأقل منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي، بعيدة عن صراعات السلطة داخل العائلة المالكة السعودية، وهي واثقة من أن كل من سيتولى مقاليد الحكم هناك سيبقى على هذه العلاقة. دعم ترامب بشكل علني الأمير الطموح. وها هو الآن يدفع ثمن ذلك التدخل غير الضروري في السياسة الداخلية السعودية.

قتل جمال خاشقجي وضع الرياض وواشنطن في مأزق صعب

لكن أشد منتقدي العلاقات الأمريكية السعودية في أعقاب مقتل خاشقجي يرتكبون خطأ مشابهًا – ينوه جوز. فقد دعا السناتور الأمريكي ليندسي جراهام إلى إزاحة ولي العهد من السلطة، مؤكدًا على حق الولايات المتحدة في إملاء من سيحكم في الرياض، وهو تدخل مباشر في السياسة الداخلية السعودية غير مدروس. لطالما انتهت جهود تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط بشكل سيئ للولايات المتحدة، بدءًا من الانقلاب الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في عام 1953 إلى غزو العراق في عام 2003. لذا يجب على واشنطن عدم تكرار هذا الأمر، وبشكل خاص بعد أن عزز ولي العهد موقعه داخل العائلة الحاكمة وسيطر على الأذرع الأمنية للحكومة، لذا من غير المرجح أن تنجح جهود إزاحة بن سلمان. إن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط هي نتاج فشل الدول والحروب الأهلية في دول مثل ليبيا وسوريا واليمن. ولا يحتاج العالم إلى وقوع اضطرابات في المملكة كي تضاف إلى القائمة.

ينبغي على واشنطن التعبير عن رفضها لسلوك ولي العهد، يشدد جوز. ويمكنها أن تحث الملك السعودي سلمان بقوة على تعيين وزير خارجية جديد ليكون بمثابة المحاور مع الولايات المتحدة وصوت العقل في صناعة السياسة الخارجية السعودية. ومن الممكن أن تطلب أمريكا من الرياض تعيين سفير جديد في واشنطن، إذ أن السفير الحالي خالد بن سلمان، لم يعد ممثلاً ذا مصداقية لبلده. لكن ينبغي على واشنطن تجنب انتقاء أشخاص معينين أو الإصرار على تغيير القيادة داخل العائلة المالكة. لقد حكمت العائلة السعودية لأكثر من قرن من الزمان. لذا يجب تركها وشأنها.

بدلاً من التركيز على من سيتولى القيادة، على واشنطن أن تضغط لتغيير السياسة. وقد اتخذت إدارة ترامب بعض الخطوات في هذا الاتجاه، مما دفع السعوديين إلى إيجاد حل دبلوماسي لحرب اليمن وإنهاء المواجهة التافهة مع قطر. والآن يجب مضاعفة تلك الجهود، خاصة حول اليمن، باستخدام أي نفوذ أحدثه قتل خاشقجي من أجل الحد من عدم الاستقرار السياسي الذي يعاني منه الشرق الأوسط والمعاناة الإنسانية التي تصاحبه.

«ميدل إيست آي»: كابوس الشرق الأوسط.. هذا ما قد يحدث إن انهارت السعودية ومصر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات