كان أفلاطون يعتقد أنَّ أنماط الحكم الديمقراطية تخلق شعوبًا خليعة وغير منضبطة، تقع بسهولة فريسة للكلام الناعم للسياسيين الماهرين في فن تملق رغبات الجمهور.

نشر موقع «أيون» مقالًا لديفيد ليفينجستون سميث، أستاذ الفلسفة بجامعة نيو إنجلاند، حاول فيه تفسير ترحيب الناس بالزعماء الطغاة السلطويين حينًا بعد حين. قال سميث: «منذ ألف سنة، والفلاسفة والمنظرون يحاولون شرح الأسباب التي تجعلنا نشارك طواعية في اضطهاد أنفسنا، من خلال الخضوع للزعماء السلطويين. وقد زادت أهمية هذا السؤال في عصرنا الحالي عن أي وقت مضى؛ مع الصعود المشؤوم للأنظمة السلطوية».

شرح الأمر يتطلب تعمقًا أكثر

تعمق وجهات نظر فيبر من الرواية العامة لأفلاطون، فالطاغية الصاعد يكون ذا هالة سحرية خاصة، ويعتقد أتباعه أنَّ بإمكانه أن يفعل المعجزات وأن يحول حياتهم.

كان أفلاطون واحدًا من أوائل المفكرين الذين عالجوا مشكلة الطغيان، وأكثرهم نفوذًا؛ إذ قال في كتابه «الجمهورية»، الذي كتبه حوالي عام 380 قبل الميلاد: «إنَّ الدول الديمقراطية محكوم عليها بالانهيار إلى حكم سلطوي». لم يكن أفلاطون من المعجبين بالديمقراطية، وربما يعود السبب في ذلك إلى أنَّ الديمقراطية الأثينية هي التي حكمت بالإعدام على أستاذه الحبيب: سقراط. كان أفلاطون يعتقد أنَّ أنماط الحكم الديمقراطية تخلق شعوبًا خليعة وغير منضبطة، تقع بسهولة فريسة للكلام الناعم للسياسيين الماهرين في فن تملق رغبات الجمهور.

وقال أفلاطون في كتاب «جورجياس»، الذي كتبه في نفس وقت كتابة «الجمهورية»: إنَّ مثل أولئك السياسيين يغوون الجماهير بوعود غير صحية، بدلًا عن تنمية الصالح العام. وقال أفلاطون باستخفاف: «لقد وضع الخباز قناع الطبيب، وتظاهر بمعرفة الأغذية المثلى للجسد، لو تنافس خباز وطبيب أمام أطفال، أو أمام رجال في حماقة الأطفال، لتحديد أي منهما لديه المعرفة الجيدة بالطعام الجيد والسيئ، فسوف يموت الطبيب جوعًا».

وقال سميث: إننا لو تأملنا عمل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، في أوائل القرن العشرين، والذي كان من مؤسسي علم الاجتماع، وطور مفهوم «السلطة الكاريزمية» ـ وهي «صفة خاصة بشخصية فردية يتميز بفضلها عن الرجال العاديين ويعامل بصفته فوق الطبيعي، أو إنسانًا خارقًا، أو على أقل تقدير بصفته إنسانًا ذا قوى أو صفات استثنائية على وجه الخصوص»، فإنه يعتبر أولئك القادة – أصحاب الكاريزما – أنبياء من قبل أتباعهم.

وتعمق وجهات نظر فيبر من الرواية العامة لأفلاطون؛ فالطاغية الصاعد يكون ذا هالة سحرية خاصة، ويعتقد أتباعه أنَّ بإمكانه أن يفعل المعجزات، وأن يحول حياتهم، ويتساءل سميث، لكن كيف يحدث هذا؟ ما الذي يجعل بشرًا عقلاء في العموم ينصاعون إلى تبني مثل هذه الرؤى غير الواقعية بشكل خطير؟ وإجابة على هذا التساؤل يعتقد سميث بأن شرح الأمر يتطلب تعمقًا أكثر.

أتباع الزعماء كما يفسرهم فرويد

في الوقت ذاته الذي كان فيه فيبر يطور نظريته عن الكاريزما في برلين، كان سيجموند فرويد يعالج أفكارًا مشابهة في فيينا

وصل تفكير فرويد إلى ذروته في كتاب «علم النفس الجماعي وتحليل الأنا» (1921). ركز الكتاب على الديناميكيات النفسية للأتباع. هذا النص مثله في ذلك مثل معظم كتابات فرويد: نص معقد، لكنَّ ثمة فكرتين تبرزان من بين ثناياه. أولًا يقول فرويد: إنَّ أولئك المنجذبين إلى القادة السلطويين يبجلونهم؛ إذ يُنظر إلى الزعيم باعتباره إنسانًا نموذجيًا بطوليًا منزهًا عن كل عيب خطير. وثانيًا، يقول: إنَّ التابعين يتماثلون مع زعيمهم من خلال استبداله بما يسميه فرويد بالأنا المثالية. هذه الأنا المثالية عبارة عن تمثيل عقلي للقيم المرشدة للإنسان. وتتكون هذه الأنا من اعتقادات حول الصواب والخطأ، والإلزامي والمحظور. إنَّ هذه الأنا هي بوصلتنا الأخلاقية؛ إذ يشبه عملها عمل الضمير. وعندما يحل الزعيم المستبد محل الأنا المثالية لأولئك الأتباع، فإنه يصبح ضمير الأتباع، وصوته يصبح صوت ضميرهم. فيصبح كل ما يتفوه به الزعيم – بالتعريف – حسنًا وصوابًا.

يضيف سميث: إنَّ نظرية فرويد تنسجم مع ما حدث في ألمانيا وقت هتلر. خذ مثلًا ألفونس هيك؛ كان هيك زمن شبابه عضوًا في شبيبة هتلر. كتبت المؤرخة كلاوديا كونز في كتابها «الضمير النازي» (2003) أنَّ هيك عندما شاهد رجال البوليس السري الألماني (الجيستابو) وهم يجمعون اليهود في قريته للترحيل، بما فيهم أعز أصدقائه، هاينز، لم يقل لنفسه: «يا له من شيء رهيب أنهم يعتقلون اليهود» وإنما قال، بعد أن استوعب المعرفة عن «التهديد اليهودي»: «يا لسوء الحظ أنَّ هاينز يهودي». ولما صار بالغًا قال: «لقد قبلت الترحيل باعتباره أمرًا عادلًا».

إنَّ لحقيقة تماثل هوية مجتمع الأتباع مع الزعماء السلطويين تبعة أخرى مهمة. فالأتباع يتعرفون على بعضهم بصفتهم جزءًا من «حركة»، ويعتبرون أنفسهم مندمجين في إطار جماعي. إنَّ هذا الشعور المسكر بالاتحاد، وإخضاع المصلحة الذاتية للفرد إلى قضية أكبر، عنصر مهم للغاية في الأنظمة السلطوية. ونجد هذا العنصر بشكل كبير في الخطاب السلطوي، كما وضح في حالة الرايخ الثالث فكرة أهمية الإنسان الفرد بصفته مهمًا فقط من حيث كونه عربةً في سباق، وأنَّ واجب الفرد ناحية هذه الروح الأعظم المتسامية يفوق مصالحه الشخصية الضيقة كان سائدًا في ألمانيا في عهد هتلر. تعلم الطلاب الألمان المحافظة على (نقاء) دمائهم، أي تجنب تمازج الأجناس. لم يكن دمهم خاصًا بهم، وإنما للجنس الألماني، في الماضي والحاضر والمستقبل، ومن خلال هذه الدماء سوف يحوزون الحياة الخالدة.

التسليم والخضوع من أجل النقاء

قال التقرير: إنَّ للمشاركة في الأنظمة السلطوية نغمة دينية لا تخطئها العين؛ إذ تتضمن تسليم الشخص نفسه لقوة أعظم والتخلي عن حدود الأنا الفردية، من أجل النقاء. تستدعي هذه الأنظمة الخلود، وإعادة الميلاد والخلاص.

إنَّ الطبيعة شبه الدينية لصعود هتلر قد وصفت في كتاب «الكاريزما المظلمة لأدولف هتلر» (2012) للمؤرخ لورنس ريس: «إنَّ جحافل الألمان الذين سافروا ـ كالحجاج تقريبًا لإظهار الاحترام إلى هتلر في منزله في بيرتشسجادن، وآلاف العرائض الشخصية المرسلة إلى هتلر في مستشارية الرايخ، والأيقنة شبه الدينية لمسيرات نورمبرج، وحقيقة أنَّ الأطفال الألمان كانوا يتعلمون أنَّ هتلر قد (أرسل من السماء) وأنه (إيمانهم) و(نورهم)، كل هذه الأمور تدل على أنَّ هتلر لم يكن ينظر إليه بصفته سياسيًا عاديًا، وإنما بشكل أكبر بصفته نبيًا مرسلًا من السماء».

عام 1932، ذهب المحلل النفسي، روجر ماني كيرل، إلى برلين لزيارة صديقه الدبلوماسي آرثر ينكن (الذي اغتاله النازيون لاحقًا). أخذه ينكن إلى تجميع للحزب النازي تحدث فيه كل من جوزيف جوبلز وهتلر. روعت هذه التجربة كيرل، فحاول فهم ما حدث من خلال فحص الخطابات وديناميكيات الجمهور عبر منظار التحليل النفسي. ونتج عن ذلك التحليل مقاله «سيكولوجية البروباجاندا» (1941).

في ذلك الوقت كان كيرل واقعًا تحت تأثير المحللة النفسية الإنجليزية ميلاني كلاين. كانت كلاين تعتقد أنَّ جميع البشر تطاردهم مخاوف مرعبة وعميقة سمتها «المخاوف الذهانية». وكانت تعتقد أنَّ هذه المخاوف واستجابتنا لها تدفع أكثر السلوك الإنساني، خيرًا وشرًا. وطبقًا لهذه النظرية فقد كان ثمة نمطان أساسيان من المخاوف الذهانية: القلق العصابي، وهو الرعب من الاضطهاد بفعل قوى الشر، أو القوى الأبدية. والقلق الاكتئابي، وهو شعور المرء بالذنب لتدميره ما يحب أو يجل. ووصفت كلاين ما سمته الدفاع الهوسي، وهو إنكار العجز والاتكالية على الآخرين بفعل أوهام السلطة والعظمة والاكتفاء الذاتي، ويعبر عنها في مواقف النصر والسيطرة والازدراء.

خطاب المحبة في ثلاث خطوات

استخدم كيرل هذا الإطار لفهم قوة الخطاب النازي. وخلص إلى القول بأنَّ هتلر وجوبلز كانا يستحثان في جمهورهما نوعًا من الذهان الجماعي، ويستخدمانه لأغراض سياسية. كتب كيرل: «لم تكن الخطابات نفسها مذهلة بشكل خاص، لكنَّ الجماهير كانت لا تنسى. بدا أنَّ الناس تدريجيًا يفقدون شخصيتهم الفردية؛ لينصهروا إلى وحش ذي سلطة هائلة وإن لم يكن شديد الذكاء… وكان هذا الوحش تحت السيطرة الكاملة للشخص الواقف على المنصة الذي كان يستدعي عواطفهم أو يغيرها بكل سهولة».

وقد أدى رصد كيرل لهتلر وجوبلر إلى اعتقاده بالفكرة القائلة إنه من أجل نجاح الدعاية السياسية، ينبغي لمن يقوم بها أن ينتزع من جمهوره شعورًا بقلة الحيلة، ثم يعرض عليهم حلًا سحريًا. في البداية يصيبون الجمهور بالإحباط، يشعرونهم بأنهم قد فقدوا أو دمروا شيئًا شديد الجمال والقيمة، أنهم أخضعوا، أنهم صاروا أضحوكة، أنهم خانوا المصير العظيم للشعب الألماني، وكما وصف كيرل: «لعشر دقائق سمعنا معاناة ألمانيا منذ الحرب، بدا أنَّ الوحش مغمور في طقوس رثاء الذات».

تتمثل الخطوة الثانية في تحديد أقلية أو جماعة من الغرباء بوصفهم سبب المعاناة. هذه المجموعة هي قوى الشر، التي تضطهدنا من الخارج، أو تستهلكنا من الداخل. كتب كيرل: «أما الدقائق الـ10 التالية فقد اشتملت على أفظع الشتائم ضد اليهود والديمقراطيين الاجتماعيين باعتبارهم السبب الوحيد لهذه المعاناة. حلت الكراهية محل الرثاء الذاتي، وبدا أنَّ الوحش على وشك أن يصبح قاتلًا».

والخطوة الثالثة تتمثل في تقديم علاج هوسي لمخاوف العجز. قال كيرل: «ليس الرثاء الذاتي والكراهية كافيين. فمن المهم أيضًا طرد الخوف. لذا فقد تحول المتكلمون من السب إلى مدح الذات. لقد أصبح الحزب، الذي بدأ صغيرًا، حزبًا لا يقهر. شعر كل مستمع بجزء من قوة الحزب المطلقة داخل نفسه. تحول المستمع إلى مختل عقلي. تحولت الكآبة المستحثة إلى سوداوية. وتحولت السوداوية إلى بارانويا، وتحولت البارانويا إلى جنون العظمة».

يذكر سميث أنه على الرغم من أنَّ ماني كيرل قد استوحى ملاحظاته من الخطاب النازي، فإنَّ ذلك لا يعني اقتصارها على النازيين. فقد حضرت الصحافية جوين جيلفورد عددًا من التجمعات الانتخابية لدونالد ترامب، في الجولة التحضيرية لانتخابات 2016. استخدمت جيلفورد ملحوظاتها لاختبار نظرية ماني كيرل. وكتبت جيلفورد: «لقد مررت بجميع رزم الملحوظات التي خططتها في التجمعات الانتخابية لترامب. تقريبًا كانت كل فقرة تلائم تسلسل ماني كيرل».

ختم سميث مقاله بالقول: إنه «بصرف النظر عن صحة هذا التشخيص النفسي للزعماء، فإنَّ ثمة حاجة ماسة إلى مثل هذه التحليلات حول الينابيع النفسية لاشتهاء الزعماء السلطويين، ذلك أنَّ فهم جاذبية الأوهام السلطوية قد يساعدنا على تحصين أنفسنا منها، وعلى تجنب الوقوع في نفس الهاوية مرة أخرى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد