1,451

صورة الغلاف: لقطة من فيلم «1984: الأخ الأكبر يراقبك»، من إنتاج تلفزيون بي بي سي عام 1954

المقال الأصلي باللغة الفرنسية نشر عبر موقع مؤسسة Participation & Spiritualité Musulmanes التي تهتم بشؤون المسلمين.

بات الكاتب الإنجليزي إيريك أرثر بلير – المعروف بجورج أورويل– معروفًا أكثر من أي وقت مضى؛ أولًا لأن العديد من الناس أصبحوا يعتمدونه كمرجع، ويبدو هذا منطقيًا في حقبة أصبح فيها الخط الفاصل بين نخبة إعلامية-سياسية وشعب مستضعف بسبب عولمة مزدوجة، أكثر اتساعًا.

يقول كاتب المقال لويس عليدوفيش – مؤلف كتاب بعنوان «اللحية التي تحجب الغابة» – إن كثيرًا من الناس يرون في أورويل كاتبًا استطاع أن يتنبأ بمراقبة مطلقة لمجتمعنا في روايته 1984، لكنه لم يقدم فقط على نقد بسيط للنظام الشمولي، لقد قام بعمل أنثروبولوجي يخص الشعب. إن اختزال أعماله – التي يصعب استجلاء أهميتها – في رواية «1984» يعتبر خيانة لمجمل أعمال رجل وضع قبل أي شيء الثورة الأخلاقية لمواجهة انعدام العدالة الاجتماعية في صلب نقده للرأسمالية.

اقرأ أيضًا: مترجم: جورج أورويل.. لماذا 1984؟

إعادة تعريف الشعب

لقد كان أورويل مهيأ ليصبح مواطنًا صالحًا ومخلصًا للإمبراطورية البريطانية. لقد ترعرع في كنف عائلة تنتمي إلى البورجوازية الإنجليزية المتوسطة وكان تلميذًا نجيبًا، لكن عندما التحق وهو شاب بالشرطة الاستعمارية ببورما اكتشف الإمبريالية البريطانية، الشيء الذي أجج مشاعر الثورة النائمة بداخله. عاد إلى إنجلترا، استقال من منصبه، ثم انغمس في صلب الطبقات العاملة والشعبية في ويغان. هناك اكتشف نموذجًا اشتراكيًا مختلفًا عن اشتراكية كارل ماركس. اشتراكية حدسية، أقل نظرية تجد نقطة انطلاقها في السخط المعنوي لغياب العدالة.

اكتشف أورويل عالمًا لم تسيطر فيه بعد قوانين الاقتصاد والأنانية، إلا على قلة قليلة من الناس. منطلقًا من الواقع، تبنى أورويل قراءة للعالم مخالفة للمعاصرين. فهؤلاء أكدوا على أن الإنسان هو فرد متحمس للبحث عن مصالحه الشخصية قبل أي شيء، لكن أورويل لاحظ أن ما يحرك الطبقات الاجتماعية هي مجموعة من الفضائل الإنسانية الأساسية والتي هي في متناول الجميع كالتكافل الاجتماعي، الشرف وإيفاء الوعود. إن ما يسمونه بالعيش الكريم للناس البسطاء يمثل مطلبًا للتعامل بمبدأ الخير وتطويره من خلال العلاقات مع الآخرين.

إن النخبة لا تدخر جهدًا في إقناع الشعب بأن أحوال شعوب أخرى أسوأ بكثير

من أحواله فيرضى بواقعه ويتقبله. يقول أورويل في رواية «1984»: «الجماهير
لا تثور من تلقاء نفسها، ولا حتى لكونها مضطهدة. فهي ما دامت لا تملك عناصر
للمقارنة، لن تعي أبدًا أنها مضطهدة»

في غياب ذلك، يقود العزل وتأجيج المنافسة بين الناس إلى إذكاء الرذائل الإنسانية الرئيسية – الجانب المظلم من الناس – التي تقود بدورها إلى البخل، الكذب والعدوانية. هذا ما يشرح لماذا لم يعد الشعب اليوم مهتمًا بالمصالح المشتركة، ويهتم فقط بالاحتفاظ بنمط عيشه المريح – إنه الوتر الذي تلعب عليه الأحزاب ذات المقاربات الأمنية. وحتى يتم التصدي لهذه الفردانية المتنامية، يؤكد أورويل على أن الوعي وحده يمكنه بناء مجتمع العدل والمساواة – هناك أشياء لا يجب القيام بها.

إن هذا التصور عن الإنسان هو الذي دفعه عام 1936 للانخراط في صفوف عمال «ح.ع.و.م» (الحزب العمالي للوحدة الماركسية) في الوقت الذي كانت فيه الحرب الأهلية مستعرة في إسبانيا بسبب انقلاب فرانكو. حينها أصيب أورويل وعاد إلى إنجلترا حيث كان مثقفو اليسار يروجون الأكاذيب عن الحزب الثوري والفوضوي. كتب حينها أورويل «الحنين إلى كاتالونيا» يحكي فيها تجربته. وسواء تعلق الأمر برواية «الطريق إلى رصيف ويغان» أو «الحنين إلى كاتالونيا» فقد برز أورويل كناقد شرس ضد اليسار المثقف المنعزل عن الشعب والذي يدعي على الرغم من ذلك الدفاع عنه.

انتقاد للتقنية سابق لزمانه

أولى التداعيات التي يتم تجاوزها غالبًا في العلاقة بموضوع الثورة الصناعية هي تدمير الإنسان من طرف الآلة. بالاعتماد على مراكمة رأس المال، حرصت الرساميل الضخمة على تطوير الإنتاج بكميات كبيرة بهدف تحقيق مبيعات أكبر. وأصبح التطور العلمي، الذي بات يعتبر دينًا جديدًا حريصًا على أن يكون الغد أفضل بكثير من الأمس، يقود كبار الأغنياء إلى اعتماد التقنية وتطوير الصناعة من أجل إخضاع الجماهير العريضة من الحرفيين والفلاحين المحرومين من أدوات عملهم للعمل -هذا ما تعنيه كلمة بروليتاري.

وضعية الإجارة (العمل بأجر) هذه والتي تُخضع العامل لرب العمل تقدم دائمًا من طرف هذا الأخير على أنها امتياز للأجير. من هنا تتضح أهمية الإشهار (الإعلان) الذي يهدف بالأساس إلى بيع أشياء لا فائدة منها لأشخاص ليست لهم القدرة الشرائية فتتيح حينها القروض إمكانية تحقيق الأحلام.

وينصح عليدوفيش بشدة قراءة الجزء الأول من «الطريق إلى رصيف ويغان» لاكتشاف قساوة حياة العمال. حيث يتحدث أورويل عن بدايات القرن العشرين التي تميزت بالعديد من الحوادث الصناعية والتي أودت بحياة الكثير من العمال المُهجّرين قسرًا والقابعين في عالم متسخ، كئيب، بارد وفرداني.

وعلاوة على نقد تقنية شوهت الطبيعة وأبادت الإنسان، توقع أورويل اعتماد الآلة بدل كل نشاط يقوم به الإنسان وجعله متفرجًا على حياته، وبالتالي المساهمة في تجريد نفسه من إنسانيته. سيصبح الإنسان تابعًا للتقنية التي من واجبها تسهيل حياته ولن يستطيع تسيير حياته بدونها. هي نظرة تنبؤية إذ نجد قلة من الناس في أيامنا هذه باستطاعتها التخلي عن هواتفها الذكية أو عن الإنترنت ولو ليوم واحد. نفس الشيء يقال عن السيارة التي يتم استعمالها لقطع مسافات صغيرة.

زيادة على ذلك فحتى أعمال الغرس التي لا تتطلب مجهودًا يفوق طاقة البشر، فجل الناس يفضلون استيراد الخضر من الضفة الأخرى من العالم. يمكننا التذكير أيضًا كيف أن الإقبال على التلفاز يحفز على الكسل والسمنة. يجب على التطور التقني أن يكون في خدمة الإنسان، لقد بات مقبولًا أن يخلق التطور الرقمي تحولًا عميقًا في علاقاتنا مع الأخرين وفي طبيعتنا حتى نحن.

اقرأ أيضًا: جورج أورويل عن خطورة «الكليشيهات» والعلاقة بين انحطاط اللغة وانحطاط الفكر

نقد ضد الأوليغارشية

*الأوليغارشية تعني حكم الأقلية.

يقول الكاتب أن نقد أورويل للفكر الشمولي يملك دقة قل نظيرها. ففي الوقت الذي تقدم فيه كثير من الأعمال – الروائية أو السينمائية – نماذج اضطهاد جد صريح يسهل معه تحديد هوية الشرير، يراهن أورويل على رسم ملامح نظام حكم استطاع أن يحصل على دعم الجماهير مسلوبة الوعي عن طريق اختلاق عدو خارجي -يتعلق الأمر في رواية 1984 بشخصية إمانويل كولدشتاين.

انطلاقًا من وصف الكاتب البريطاني لهذا المجتمع، يتبين أن السلطة نجحت في إقناع الشعب بأن الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة . واقع كهذا يحيلنا على الديمقراطية الغربية التي تفرض نفسها بقوة «الحروب الوقائية» كما تدعي والتي تعلنها في وجه البلدان «غير المتحضرة».

في نفس السياق يمكننا أيضًا الحديث عن وضعية العمال الأجراء –يستطرد الكاتب- فالأجير مجبر على العيش تحت رحمة رب العمل و يتوهم نفسه حرًا لمجرد ما تمنحه إياه أجرته من أشياء مسلية وتافهة. وفي ظل مجتمعاتنا الحداثية، كيف يعقل أن يتحول لاعب كرة القدم الجاهل أو أحد نجوم تلفزيون الواقع على سبيل المثال إلى نموذج يقتدي به الشباب دون الالتفات إلى الطبيب والأستاذ وغيرهم من الباحثين؟ خلاصة القول، «لا يقوم المجتمع الطبقي إلا على قاعدة الفقر والجهل» (1984).

وعلى الرغم من كون أورويل اشتراكيًا، إلا أنه ظل عدوًا لدودًا للاتحاد السوفييتي إبان حكم ستالين. فقد شكلت كتاباته وخصوصًا الروايتان المرجعيتان «1984» و«مزرعة الحيوان» نصوص اتهام صريحة للنظام الشيوعي. ولا تستثني رواياته الأنظمة الشمولية التي تأسست على قاعدة إضعاف الجماهير واستخلاص ولائها.

يقول عليدوفيش: إننا نجد أن أورويل يناهض كل أشكال التراتبية من داخل المجتمع حتى لا يصبح استغلال الأغلبية من طرف مجموعة صغيرة متمتعة بكافة الامتيازات أمرًا متاحًا. فهو يعي جيدًا أن النخبة لا تدخر جهدًا في إقناع الشعب بأن أحوال شعوب أخرى أسوأ بكثير من أحواله فيرضى بواقعه ويتقبله. يقول الكاتب في رواية «1984»: «الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها، ولا حتى لكونها مضطهدة. فهي ما دامت لا تملك عناصر للمقارنة، لن تعي أبدًا أنها مضطهدة».

إذا كان إلمام الناس بفكر أورويل في تزايد أكثر من أي وقت مضى، فمرده بالأساس كونه كاتبًا يتنفس الشعب ويكره المثقفين. لقد كان مقتنعًا أن بناء مجتمع العدالة والمساواة يجب أن ينطلق من القاعدة وأن الشعب في غنى عن دروس المثقفين العارفين بالأنظمة الشمولية أكثر من العوام.

ويختتم الكاتب مقاله بأن أورويل لم يترك فكرًا نظريًا ينتظر التطبيق. بل على العكس من ذلك نجده يراهن على الحدس والتفكير السليم لكل فرد للاعتناء بالقيم المشتركة وبالروابط الاجتماعية والعمل على تطويرها، على اعتبارها الأساس المتين الذي تقوم عليه الحياة المجتمعية. عندما سيتسلم المواطنون زمام السياسة بمعناها النبيل كما حدث في إسبانيا مثلًا مع حزب «بوديموس»، ستلهمنا أفكار أورويل وستجعلنا نتمثل المجتمع بعيدًا عن المصالح المشتركة وعن الظلم الاجتماعي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك